
بقلم : أ.د ياسر طالب الخزاعله.
في السياسة، أخطر ما يمكن أن يقع فيه أي قائد محلي هو أن يخلط بين الحماية المؤقتة والتبني السياسي، وبين تقاطع المصالح والتحالف الاستراتيجي، وبين الدعم العسكري والالتزام بمستقبل جماعة أو منطقة. وهذا تحديدًا ما تكشفه تجربة الشيخ حكمت الهجري في السويداء، حيث يبدو أن الرجل بالغ في تقدير قيمة الرهان على إسرائيل، وذهب في خطابه السياسي أبعد مما تستطيع الوقائع الإقليمية أن تحمله، حتى وجد نفسه أمام حقيقة قاسية: إسرائيل قد تستخدم ورقة السويداء، لكنها ليست مستعدة بالضرورة لأن تجعل مستقبل السويداء قضيتها الخاصة.
وهنا تبدأ المفارقة الكبرى.
فالهجري الذي رفع سقف خطابه، وفتح الباب أمام تصورات سياسية تتجاوز حدود المطالبة بالأمن والحماية والحقوق المحلية، بدا وكأنه يراهن على أن إسرائيل يمكن أن تتحول من قوة إقليمية متدخلة إلى مظلة استراتيجية دائمة لمشروعه السياسي. غير أن السياسة الإسرائيلية لا تُدار بهذه الطريقة. إسرائيل لا تتعامل مع الأزمات بمنطق الوفاء الشخصي للقيادات المحلية، ولا تقدم التزامات مفتوحة لمجرد وجود روابط دينية أو طائفية، وإنما تنظر إلى كل ملف من زاوية أمنها القومي ومصالحها وحدودها وتوازناتها الإقليمية.
وهذا يعني أن الرهان الذي حاول الهجري البناء عليه كان منذ البداية رهانًا محفوفًا بالمخاطر.
فالحماية الإسرائيلية، مهما بلغت قوتها العسكرية، لا تعني أن إسرائيل ستتبنى مشروع الهجري السياسي، ولا تعني أنها ستقاتل من أجل تحقيق أحلام الانفصال أو الحكم الذاتي، ولا تعني أنها ستفتح حدودها أمام سكان السويداء، ولا أنها ستمنح أي قيادة محلية شيكًا سياسيًا مفتوحًا لتقرير مستقبل جنوب سوريا.
وهنا تحديدًا جاءت الصدمة.
فالرفض الذي صدر من داخل البيئة الدرزية في إسرائيل لفكرة استقبال أبناء السويداء أو التعامل معهم خارج إطار انتمائهم السوري، حمل دلالة سياسية شديدة القسوة على الرهان الذي حاول الهجري تسويقه. فحين يأتي الاعتراض من شخصية درزية إسرائيلية، فإن المسألة لا تعود مجرد مواجهة بين دمشق والهجري، وإنما تتحول إلى رسالة واضحة بأن الروابط الدينية لا تكفي لإنتاج مشروع سياسي عابر للحدود، وأن الانتماء الدرزي لا يلغي الانتماء الوطني، وأن دروز السويداء ليسوا مشروعًا جاهزًا لإعادة التوطين أو الضم أو النقل السياسي.
وهذه الرسالة ينبغي أن تكون مؤلمة سياسيًا للهجري، لأنها تضرب في صميم التصور الذي حاول أن يبني عليه خطابه الأخير.
فماذا بقي من فكرة الحماية إذا كانت الحماية لا تعني التبني؟ وماذا بقي من الرهان على إسرائيل إذا كانت إسرائيل نفسها تضع حدودًا واضحة لهذا الرهان؟ وماذا بقي من الحديث عن مشروع سياسي جديد إذا كانت الجهة التي يُعوّل عليها خارجيًا لا تبدو مستعدة لتحمل تكاليفه السياسية والديموغرافية والأمنية؟
إن المشكلة هنا ليست في مطالبة أبناء السويداء بالأمن، فالأمن حق مشروع، وليست في المطالبة بالكرامة أو الحقوق أو حماية المدنيين، فهذه مطالب لا يمكن لأي تحليل عاقل أن ينكر مشروعيتها. المشكلة تكمن في تحويل هذه المطالب المشروعة إلى بوابة للارتهان الخارجي، وفي الاعتقاد بأن الاستقواء بقوة إقليمية يمكن أن يعوض غياب التوافق الوطني الداخلي.
وهذا هو الخطأ الاستراتيجي الأكبر في خطاب الهجري.
فالقيادة المحلية التي تشعر بالخطر تستطيع أن تفاوض، وتستطيع أن تطلب ضمانات، وتستطيع أن تستعين بالوسطاء، وتستطيع أن تطلب حماية دولية أو عربية، لكنها تفقد جزءًا من استقلال قرارها عندما تجعل قوة أجنبية طرفًا أساسيًا في تحديد مستقبل منطقتها.
ولذلك فإن المشكلة ليست في وجود علاقة مع الخارج، وإنما في طبيعة هذه العلاقة وحدودها.
هناك فرق كبير بين أن تستفيد من الدعم الخارجي، وبين أن تجعل الخارج مصدر قوتك الرئيسي. وهناك فرق بين أن تستخدم التوازنات الدولية لتحسين موقعك التفاوضي، وبين أن تجعل مصيرك مرتبطًا بتغيرات القرار الإسرائيلي والأميركي.
والتاريخ السياسي للمنطقة مليء بالقيادات التي اعتقدت أن قوة أجنبية ستظل إلى جانبها حتى النهاية، ثم اكتشفت في اللحظة الحاسمة أن الدول لا تعرف الصداقة الدائمة، وإنما تعرف المصلحة الدائمة.
وهذا هو الدرس الذي يبدو أن الهجري لم يستوعبه بصورة كافية.
فإسرائيل ليست جمعية خيرية سياسية، ولا مؤسسة لحماية الأقليات في الشرق الأوسط، ولا قوة دينية عابرة للحدود تتحرك بدافع التضامن الطائفي وحده. إنها دولة لها حساباتها الأمنية والعسكرية والاستراتيجية، وتتعامل مع الجنوب السوري من خلال مصالحها الخاصة، وفي مقدمتها أمن الحدود والجولان ومنع القوى التي تعتبرها تهديدًا لها من الاقتراب من مناطق نفوذها.
ومن ثم فإن أي قيادة محلية تبني مستقبلها على افتراض أن إسرائيل ستقاتل من أجل مشروعها الخاص ترتكب خطأ في قراءة طبيعة العلاقات الدولية.
إسرائيل يمكن أن تضرب عندما ترى أن مصالحها تتطلب الضرب.
ويمكن أن تتدخل عندما ترى أن تدخلها يخدم أمنها.
ويمكن أن تتحدث عن حماية الدروز عندما تكون حماية الدروز جزءًا من حساباتها.
لكن ذلك كله لا يعني أنها مستعدة لتبني مشروع الهجري السياسي، ولا يعني أنها ستتحول إلى راعٍ دائم للسويداء، ولا يعني أنها ستدفع الثمن نيابة عن سكان الجبل.
وهذه هي الحقيقة التي بدأت تتكشف تدريجيًا.
الهجري، في المقابل، يبدو وكأنه رفع سقف المواجهة أكثر مما تسمح به إمكانات الواقع. فالمطالبة بالحماية يمكن فهمها في سياق الخوف، والمطالبة بالإدارة المحلية يمكن مناقشتها ضمن إطار سياسي، أما الانتقال إلى خطاب يقترب من إعادة تعريف موقع السويداء داخل الدولة السورية، ثم بناء الرهان على الخارج، فهو مسار شديد الخطورة، لأنه يضع مستقبل منطقة كاملة في مهب الحسابات الإقليمية.
فالسويداء ليست دولة مستقلة، ولا تملك مقومات دولة مكتملة، ولا تستطيع أن تعيش طويلًا على المساعدات أو الحماية العسكرية الخارجية. الدولة ليست مجرد راية، ولا بيان سياسي، ولا تشكيلات مسلحة، ولا خطاب حماسي.
الدولة اقتصاد، ومؤسسات، وقضاء، وحدود، ومنافذ تجارية، وعلاقات دولية، ونظام مالي، وموارد، وأمن، وقدرة على حماية القرار السياسي.
فهل يملك مشروع الهجري كل هذه المقومات؟
وهل يستطيع أن يضمن للسويداء اقتصادًا مستقرًا إذا انقطعت طرقها مع بقية سوريا؟
وهل تستطيع منطقة جنوبية محدودة الموارد أن تتحول إلى كيان مستقل دون اعتراف إقليمي ودولي؟
وهل تستطيع حماية حدودها دون جيش نظامي؟
وهل تستطيع أن تتحمل الضغوط الاقتصادية والسياسية الناتجة عن انفصالها؟
ثم السؤال الأكثر خطورة: من سيدفع ثمن هذا المشروع إذا فشل؟
الإجابة لن تكون في النهاية شخص الهجري، وإنما أبناء السويداء أنفسهم.
وهنا تكمن خطورة المغامرة السياسية.
فالقائد الذي يرفع سقف المواجهة قد يستطيع أن يحصد التصفيق في لحظة الغضب، لكنه لا يستطيع أن يضمن نتائج الغد. والبيانات النارية قد ترفع المعنويات مؤقتًا، لكنها لا تبني اقتصادًا، ولا تؤسس دولة، ولا توفر اعترافًا دوليًا، ولا تحمي مجتمعًا من تبعات صراع طويل.
إن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه القيادة المحلية هو أن تجعل شعبها يدفع ثمن حسابات سياسية لم تُدرس نتائجها بما يكفي.
ولذلك فإن تجربة الهجري تستحق قراءة نقدية صارمة، ليس لأن المطالب التي يتحدث عنها كلها باطلة، وإنما لأن طريقة إدارتها تبدو في بعض جوانبها أقرب إلى المغامرة منها إلى السياسة الواقعية.
فالسياسة الواقعية تعني أن تعرف حدود قوتك، وحدود خصمك، وحدود حليفك، وحدود اللحظة الدولية.
أما أن ترفع سقف المطالب ثم تراهن على قوة خارجية لتأمينها، فهذا ليس بالضرورة شجاعة سياسية؛ بل قد يكون سوء تقدير لموازين القوى.
والأشد خطورة أن الهجري لا يستطيع أن يتحدث باسم جميع أبناء السويداء أو جميع الدروز السوريين.
فالطائفة ليست حزبًا واحدًا، وليست مؤسسة سياسية ذات قرار مركزي، وليست كتلة بشرية تتحرك بإشارة من شخص واحد.
في السويداء أصوات متعددة، واتجاهات مختلفة، ومواقف متباينة من دمشق، ومن اللامركزية، ومن إسرائيل، ومن التدخل الخارجي، ومن مستقبل سوريا.
ومن الخطأ تحويل موقف الهجري إلى إجماع درزي.
بل إن محاولة احتكار تمثيل مجتمع كامل قد تكون من أكثر العوامل التي تهدد وحدة ذلك المجتمع، لأنها تدفع الآخرين إلى البحث عن قنوات سياسية بديلة.
والأسوأ من ذلك أن خطاب الهجري، إذا استمر في منح إسرائيل مساحة واسعة في المعادلة، قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تمامًا: بدل أن يحمي السويداء من الأخطار، قد يجعلها أكثر عرضة للاستقطاب والتدخل والانقسام.
فكلما اقتربت القيادة المحلية من قوة خارجية، ازدادت احتمالات أن تتحول المنطقة إلى ساحة صراع بين القوى الخارجية.
وهنا ينبغي طرح السؤال بوضوح:
هل يريد الهجري أن تكون السويداء صاحبة قرارها، أم أن تصبح ورقة في لعبة الآخرين؟
إذا كانت الغاية حماية الجبل، فإن أفضل طريق لحمايته هو بناء قوة سياسية داخلية متماسكة، وليس تقديم الجبل باعتباره منطقة تحتاج إلى وصاية خارجية.
وإذا كانت الغاية حماية الدروز، فإن أول شروط الحماية هو عدم تحويلهم إلى طرف في مشروع إقليمي لا يملكون وحدهم القدرة على التحكم في مساراته.
أما إسرائيل، فإنها لن تكون مستعدة لأن تتحمل عن الهجري مسؤولية مشروعه.
وهذا هو جوهر المشكلة.
الهجري قد يرفع شعارات كبيرة، لكن إسرائيل تنظر إلى الخريطة.
الهجري قد يتحدث عن الحماية، لكن إسرائيل تنظر إلى أمن الجولان.
الهجري قد يفكر في مستقبل السويداء، لكن إسرائيل تفكر في مستقبل حدودها.
الهجري قد يريد ضمانة دائمة، بينما إسرائيل تريد ترتيبًا يخدم مصالحها في اللحظة الراهنة.
وهذا الفارق بين الطرفين هو الذي يجعل الرهان عليها بالغ الخطورة.
فالتحالف الحقيقي يحتاج إلى تطابق استراتيجي في الأهداف، وليس مجرد تقاطع مؤقت في المصالح.
والواقع أن أهداف إسرائيل ليست بالضرورة أهداف الهجري، ومصالحها ليست بالضرورة مصالح السويداء.
قد تتقاطع المصالح في لحظة معينة، لكن ذلك لا يجعلها متطابقة.
وهنا يقع الوهم السياسي.
إن أخطر ما في الرهان على الخارج أن صاحبه يبدأ تدريجيًا في تفسير كل إشارة خارجية باعتبارها دعمًا لمشروعه، بينما تكون الدولة الخارجية في الواقع تستخدمه لتحقيق هدف مختلف تمامًا.
وعندما تتغير الظروف، يكتشف الطرف المحلي أنه كان يقرأ السياسة بعين الرغبة لا بعين الواقع.
وهذا تحديدًا ما يجعل الصدمة الحالية بالغة الدلالة.
فالرسالة التي وصلت إلى الهجري من داخل البيئة الدرزية الإسرائيلية تقول بصورة غير مباشرة: لا تبنوا مستقبل السويداء على وهم أنها ستتحول إلى جزء من إسرائيل، ولا تفترضوا أن الهوية الدينية يمكن أن تلغي الهوية الوطنية السورية.
وهذا موقف سياسي شديد الأهمية، لأنه يسقط واحدة من أخطر الفرضيات التي يمكن أن يقوم عليها المشروع الانفصالي.
فالسويداء سورية جغرافيًا وتاريخيًا، والدروز السوريون جزء أصيل من النسيج السوري، وأي مشروع يحاول فصلهم عن محيطهم الطبيعي يحتاج إلى أكثر بكثير من تصريحات سياسية أو حماية عسكرية مؤقتة.
إن الجبل لا يستطيع أن يعيش معزولًا عن محيطه.
اقتصاده مرتبط بالطرق.
ومياهه وموارده مرتبطة بالجغرافيا السورية.
وحركته السكانية والاجتماعية مرتبطة بمحيطه.
وأمنه لا ينفصل عن أمن درعا والقنيطرة والبادية والحدود الأردنية.
ولهذا فإن تحويل السويداء إلى جزيرة سياسية معزولة هو مشروع يحمل في داخله بذور هشاشته.
والأردن أيضًا معني مباشرة باستقرار الجنوب السوري، لأن أي فوضى واسعة على الحدود ستنعكس على الأمن والتهريب وحركة السكان والتوازنات الإقليمية. ولذلك فإن مشروعًا منفصلًا في الجنوب لن يكون شأنًا محليًا بسيطًا، بل سيصبح جزءًا من حسابات إقليمية معقدة.
وهنا يظهر فشل الرهان الهجري في نقطة أساسية: لا يستطيع قائد محلي أن يعيد رسم خريطة الجنوب بمفرده.
ولا يستطيع أن يحول الغضب الشعبي إلى دولة.
ولا يستطيع أن يحول السلاح إلى شرعية.
ولا يستطيع أن يحول الحماية الخارجية إلى سيادة وطنية.
السيادة الحقيقية هي أن يكون القرار نابعًا من الداخل، لا أن يصبح مستقبل المجتمع مربوطًا بموقف قوة خارجية.
ولذلك فإن الهجري أمام مأزق سياسي حقيقي.
فإذا استمر في التصعيد، فقد يدفع السويداء إلى مزيد من العزلة.
وإذا واصل الرهان على إسرائيل، فقد يجد نفسه أمام تغير في الحسابات الإسرائيلية.
وإذا رفع سقف الانفصال، فقد يخسر قطاعات من أبناء السويداء الذين لا يرون مستقبلهم خارج سوريا.
وإذا حاول احتكار تمثيل الدروز، فقد تتسع دائرة المعارضين له.
وهذه ليست مجرد مشكلات إعلامية، وإنما مشكلات تمس جوهر الشرعية السياسية.
فالشرعية لا تأتي من ارتفاع الصوت، ولا من عدد البيانات، ولا من قوة الخطاب، ولا من صور اللقاءات الخارجية.
الشرعية تأتي من القدرة على حماية الناس وتحقيق مصالحهم والحفاظ على وحدتهم وتقليل المخاطر التي يتعرضون لها.
ومن هذه الزاوية، فإن الاختبار الحقيقي للهجري ليس مقدار ما يستطيع أن يعلنه، بل مقدار ما يستطيع أن يمنعه من أخطار عن السويداء.
فإذا كان خطابه سيؤدي إلى زيادة الاستقطاب، وإلى تعميق الانقسام الداخلي، وإلى تحويل الجبل إلى ساحة صراع إقليمي، فإن السؤال يصبح مشروعًا: هل يخدم هذا الخطاب السويداء فعلًا؟
وهنا لا بد من القول بوضوح: إن حماية السويداء لا تحتاج إلى أن تصبح رهينة لإسرائيل.
والدفاع عن الدروز لا يحتاج إلى التخلي عن الهوية السورية.
والمطالبة بالحقوق لا تحتاج إلى الانفصال.
والاعتراض على سياسات دمشق لا يحتاج إلى الارتماء في حضن تل أبيب.
هذه ليست خيارات متلازمة.
بل يمكن لأبناء السويداء أن يطالبوا بالأمن والعدالة والحقوق واللامركزية وضمانات المواطنة، وأن يرفضوا الظلم، وأن يطالبوا بمحاسبة المعتدين، وفي الوقت نفسه يحافظوا على قرارهم الوطني.
بل إن هذا الطريق أكثر قوة وأقل كلفة.
إن السويداء تحتاج إلى قيادة تفاوضية ذكية أكثر مما تحتاج إلى قيادة تصعيدية.
تحتاج إلى من يعرف كيف يحول القوة الاجتماعية إلى مكاسب سياسية، لا إلى من يحول الغضب إلى صراع مفتوح.
وتحتاج إلى من يستطيع جمع المختلفين، لا إلى من يزيد الانقسام.
وتحتاج إلى من يفتح أبواب التفاوض، لا إلى من يغلقها ثم يبحث عن قوة أجنبية تفتحها نيابة عنه.
أما إسرائيل، فلا ينبغي أن تتحول إلى بوصلة سياسية للسويداء.
فالسويداء لا تستطيع أن تجعل مستقبلها مرهونًا بحسابات دولة أخرى.
ومن الخطأ الاعتقاد أن مجرد رفع شعار حماية الدروز يعني أن إسرائيل ستتبنى مشروعًا سياسيًا درزيًا في سوريا.
لقد أثبتت التجربة أن الدول تتحرك وفق مصالحها، وأن العواطف الطائفية لا تستطيع وحدها صناعة تحالفات استراتيجية دائمة.
ولهذا فإن ما يحدث اليوم ينبغي أن يكون جرس إنذار للهجري.
إن الرهان على الخارج بدأ يكشف حدوده.
والتعويل على إسرائيل باعتبارها مظلة سياسية دائمة يبدو أكثر هشاشة مما قد يتصوره البعض.
والخطاب الذي تجاوز حدود المطالبة بالحماية إلى ملامسة مشروع الانفصال قد يتحول من مصدر قوة إلى مصدر ضعف.
والأخطر من ذلك كله أن استمرار هذا النهج قد يجعل السويداء تدفع ثمنًا باهظًا لصراع لا يملك الهجري وحده القدرة على التحكم في نهايته.
لقد آن الأوان لإعادة قراءة المشهد بعيدًا عن الأوهام.
فإسرائيل ليست قدر السويداء.
والهجري ليس قدر الدروز.
والانفصال ليس قدر الجبل.
والحماية الخارجية ليست بديلًا عن الشرعية الوطنية.
والقوة العسكرية ليست هي القوة السياسية.
إن جبل العرب أكبر من أن يكون ورقة في يد أي دولة، وأعمق من أن يختصر في شخص، وأعرق من أن يصبح مادة لمشروع إقليمي عابر.
ومن حق أبناء السويداء أن يختلفوا مع دمشق، ومن حقهم أن يطالبوا بضمانات، ومن حقهم أن يخافوا على أمنهم، لكن ليس من الحكمة أن يتحول الخوف إلى ارتهان، ولا أن تتحول الحماية إلى تبعية، ولا أن يتحول الخلاف السياسي إلى قطيعة مع الوطن.
إن المأزق الحقيقي للهجري ليس أن دمشق تختلف معه، وإنما أن رهانه الخارجي بدأ يصطدم بحدود الواقع.
وليس أخطر على أي قائد سياسي من أن يكتشف متأخرًا أن الحليف الذي ظنه مستعدًا للذهاب معه إلى النهاية لم يكن يريد سوى تحقيق أهدافه الخاصة.
وهنا يمكن القول إن الصدمة التي يعيشها الهجري ليست مجرد صدمة موقف درزي إسرائيلي رافض لفكرة استقبال أبناء السويداء، وإنما هي صدمة أكبر: صدمة اكتشاف أن الرهان على الخارج لا يصنع وطنًا، وأن الحماية العسكرية لا تمنح شرعية سياسية، وأن التقارب الديني لا يتحول تلقائيًا إلى وحدة سياسية، وأن إسرائيل، مهما تدخلت في الجنوب السوري، ستبقى أولًا وأخيرًا دولة تبحث عن أمنها ومصالحها.
وعليه، فإن الطريق أمام السويداء ليس في الارتماء في أحضان إسرائيل، ولا في تحويل الجبل إلى منصة مواجهة دائمة مع دمشق، وإنما في استعادة القرار من أيدي المشاريع الخارجية، وبناء تفاهم داخلي واسع، وانتزاع ضمانات سياسية وأمنية حقيقية، والحفاظ على وحدة المجتمع، وعدم السماح لأي قيادة بأن تختصر إرادة الناس في موقف شخصي.
لقد أثبتت الأيام أن من يراهن على الخارج قد يكسب لحظة، لكنه قد يخسر المستقبل.
ومن يرفع سقف الخطاب دون امتلاك أدوات تحقيقه قد يكتشف أن الشعارات أسهل بكثير من إدارة النتائج.
ومن يضع مصير جماعته في يد قوة أجنبية قد يجد نفسه يومًا مضطرًا إلى الدفاع عن قرار لم يعد يملكه.
وهذه هي خلاصة المأزق الذي يواجه الهجري اليوم.
لقد كان يستطيع أن يجعل من مخاوف السويداء قوة تفاوضية وطنية، لكنه اختار مسارًا أكثر خطورة، فاقترب من الرهان الخارجي، ورفع سقف المطالب، ودفع القضية نحو مساحة إقليمية معقدة.
والنتيجة أن السويداء أصبحت أكثر عرضة للاستقطاب، والهجري أصبح أمام اختبار أصعب، والرهان على إسرائيل ظهر أكثر هشاشة.
إن القيادة ليست أن تقول للناس ما يحبون سماعه، وإنما أن تقول لهم ما تستطيع حمايتهم من تبعاته.
وليست البطولة أن تفتح أبواب الصراع، وإنما أن تعرف كيف تغلق أبواب الخطر.
وليست السياسة أن تجد دولة أجنبية تستمع إلى مطالبك، وإنما أن تمنع هذه الدولة من امتلاك قرارك.
ولذلك فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الهجري واضحة:
احموا السويداء، نعم.
طالبوا بحقوقها، نعم.
ارفضوا الظلم، نعم.
اطلبوا ضمانات حقيقية، نعم.
لكن لا تجعلوا إسرائيل وصيًا على مستقبل الجبل.
ولا تجعلوا الحماية الخارجية بديلًا عن القرار الوطني.
ولا تجعلوا الخلاف مع دمشق مبررًا للتخلي عن سوريا.
ولا تجعلوا مشروعًا شخصيًا يتحول إلى قدر لجماعة كاملة.
فالسويداء أكبر من الهجري، والدروز السوريون أكبر من أي قيادة فردية، وسوريا أكبر من أي خلاف سياسي عابر، والتاريخ لا يرحم القيادات التي تدفع شعوبها إلى مغامرات لا تستطيع ضمان نتائجها.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله قائد محلي هو أن يعتقد أن الخارج سيحمل عنه عبء المستقبل.
فالخارج قد يفتح لك بابًا، لكنه لن يعيش معك خلف ذلك الباب.
وقد يمنحك حماية مؤقتة، لكنه لن يبني لك وطنًا.
وقد يستخدم قضيتك في صراعه، لكنه لن يجعل قضيتك بالضرورة قضيته.
ولهذا فإن ما يحتاجه جبل العرب اليوم ليس مزيدًا من الرهان على إسرائيل، وإنما مزيدًا من العقل السياسي، ومزيدًا من التماسك الداخلي، ومزيدًا من الاستقلال في القرار.
فالسويداء لا تحتاج إلى أن تصبح ورقة إسرائيلية كي تكون قوية، ولا تحتاج إلى أن تنفصل كي تكون كريمة، ولا تحتاج إلى أن تستبدل وصاية بوصاية.
إنها تحتاج إلى أن تستعيد قرارها.
وهذه هي الحقيقة التي ينبغي أن يفهمها الهجري قبل فوات الأوان: من يطلب الحماية من الخارج يجب أن يكون قادرًا على رفض شروط الحماية عندما تتحول إلى ثمن من سيادته، ومن لا يستطيع ذلك لا يكون قد حصل على حماية، وإنما يكون قد استبدل خطرًا بخطر آخر.
والتاريخ وحده سيحكم في النهاية على تجربة الهجري: هل كان مشروعه مشروع حماية حقيقية للسويداء، أم كان مغامرة سياسية رفعت سقف الرهانات أكثر مما تحتمل الجغرافيا والتوازنات ومصالح أهل الجبل؟
وفي السياسة، لا تكفي النوايا، ولا تكفي الشعارات، ولا تكفي البيانات.
وإذا كانت النتيجة هي انكشاف حدود الرهان على إسرائيل، واتساع الانقسام الداخلي، وارتفاع كلفة المواجهة، فإن أول واجب سياسي أمام الهجري ليس البحث عن حليف خارجي جديد، وإنما الاعتراف بأن الطريق الذي اختاره يحتاج إلى مراجعة جذرية.
فالجبل لا يُحمى بالارتهان.
والوطن لا يُبنى بالقطيعة.
والكرامة لا تحتاج إلى وصاية.
والهوية لا تُستورد من الخارج.
والسويداء، في نهاية المطاف، ليست مشروعًا إسرائيليًا، ولا ملكًا سياسيًا لشخص واحد، وإنما أرض سورية يسكنها مجتمع عريق يستحق الأمن والكرامة والحقوق، ويستحق قبل كل شيء أن يبقى صاحب القرار في مستقبله.
Social Links: