“دور منظمات الغير الحكومية في إحتواء اليسار “.

“دور منظمات الغير الحكومية في إحتواء اليسار “.

حسن او الحاج

الجزء الاول دور منظمات المجتمع المدني، أو ما يُعرف بـالمنظمات غير الحكومية (ONG/NGOs)، في “احتواء” اليسار هو موضوع معقّد ويحتاج قراءة نقدية، خصوصًا من زاوية تحليل ماركسي. الفكرة الأساسية ليست أن هذه المنظمات تعمل دائمًا ضد اليسار بشكل مباشر، بل أن موقعها داخل البنية الرأسمالية العالمية يجعلها تؤدي في كثير من الحالات وظيفة ضبط وإعادة توجيه الفعل الاحتجاجي.
في التحليل الماركسي، يمكن فهم هذا الدور عبر مفهوم الهيمنة كما طوره أنطونيو غرامشي. الهيمنة لا تقوم فقط بالقوة، بل عبر مؤسسات تنتج القبول والرضا. هنا تدخل ONG كوسيط بين السلطة والمجتمع، فتساهم في تحويل الصراع من مواجهة بنيوية مع الرأسمال إلى مطالب جزئية وتقنية.
أول آلية للاحتواء هي “التقننة”. فبدل طرح قضايا مثل الاستغلال الطبقي أو علاقات الإنتاج، يتم تحويلها إلى ملفات “حكامة”، “تنمية”، أو “إدماج”. هذا التحول يفرغ النضال من مضمونه الجذري ويعيد صياغته بلغة محايدة تبدو غير سياسية.
ثانيًا، التمويل الخارجي يلعب دورًا حاسمًا. كثير من ONG تعتمد على دعم مؤسسات دولية مرتبطة بالبنية النيوليبرالية مثل البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي. هذا التمويل يفرض أولويات معينة: مشاريع قصيرة الأمد، مؤشرات قابلة للقياس، وابتعاد عن الصدام السياسي. وهنا يتم “ترويض” جزء من النشطاء اليساريين عبر إدماجهم في وظائف وخبرات تقنية بدل العمل النضالي الراديكالي.
ثالثًا، هناك ما يمكن تسميته “فردنة النضال”. ONG تميل إلى التركيز على مبادرات محلية أو فردية (تمكين المرأة، ريادة الشباب، إلخ) بدل بناء حركة طبقية جماعية. هذا يتماشى مع منطق النيوليبرالية الذي يعيد تعريف المواطن كـ“فاعل اقتصادي” لا كجزء من طبقة اجتماعية.
رابعًا، تقوم ONG أحيانًا بوظيفة “امتصاص الغضب”. فهي تفتح قنوات للتعبير (ورشات، تقارير، حملات) تعطي انطباعًا بالمشاركة، لكنها نادرًا ما تؤدي إلى تغيير جذري في ميزان القوى. بهذا المعنى، تساهم في استقرار النظام بدل زعزعته.
لكن من المهم تجنب التبسيط: ليس كل ONG أداة احتواء. هناك منظمات تقدم خدمات ضرورية أو تفتح فضاءات للنقاش والتوعية. الإشكال ليس في وجودها بحد ذاته، بل في موقعها داخل علاقات القوة وشروط تمويلها وخياراتها السياسية.
الخلاصة: من منظور ماركسي، ONG يمكن أن تتحول إلى جزء من جهاز الهيمنة الناعم، حيث يتم استيعاب اليسار وإعادة توجيهه من مشروع تغييري جذري إلى عمل إصلاحي محدود. التحدي أمام اليسار هو كيف يتعامل معها: هل يندمج فيها بالكامل، أم يوظفها تكتيكيًا دون فقدان استقلاليته الطبقية والتنظيمية.

  • Social Links:

Leave a Reply