د. علي عبد الرضا طبله

مدخل: الطائفية ليست “وعياً زائفاً” بل أداة سلطة معاصرة
التحليل اليساري التقليدي للطائفية غالباً ما يراها كتجلٍ لـ”الوعي الزائف” الذي يصرف الطبقات الشعبية عن مصالحها الحقيقية. هذا التشخيص، رغم صحته الجزئية، بات قاصراً. فواقع ما بعد 2003 في العراق، وما قبله في لبنان وما يشبهه في سوريا والبحرين، يفرض علينا قلب المعادلة: الطائفية لم تعد فقط أداة لتضليل الجماهير، بل أصبحت بنية إنتاج وإدارة للسلطة والثروة، تُمارَس بشكل يومي، وتُقنّن داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، وتُدافَع عنها أحياناً من قبل ضحاياها أنفسهم.
أي تحليل ماركسي اليوم لا يعترف بهذا الواقع، أو يتجاوزه بخطاب عن “وحدة الطبقة العاملة” فقط، يفشل في فهم الكيفية التي تُدمّر بها الطائفية إمكانية هذه الوحدة من الأساس. علينا أن نتحدث بوضوح: الطائفية ليست انحرافاً عن الصراع الطبقي، بل طريقة في تنظيمه بشكل منحرف لخدمة السلطة.
أولاً: الطائفية كنظام لا كخطاب
في العراق، كما في لبنان، الطائفية ليست مجرد طريقة للتفكير، بل نظام سياسي واقتصادي واجتماعي متكامل. هي طريقة توزيع المناصب، والعقود، والثروات، وأحياناً حتى الحصص في الجامعات والمستشفيات. هذه ليست مجرد “ثقافة طائفية”، بل منظومة مصالح تحمي نفسها عبر مؤسسات الدولة، وعبر إعلام وأحزاب وقادة دينيين، وحتى عبر سلوك الناس اليومي.
وبالتالي، فإن من يتعامل مع الطائفية وكأنها مجرد “تعصب ديني” أو “تحيّز اجتماعي” يقع في فخ التبسيط. إن إزالتها لا تكون فقط عبر “التوعية”، بل عبر تفكيك مصالحها المادية وشبكاتها السلطوية. وهذا ما يجعلها صعبة الكسر: لأن من يدافع عنها لا يفعل ذلك بدافع الجهل فقط، بل لأنه يستفيد منها، أو لأنه خائف من بديل لا يضمن له شيئاً.
ثانياً: الطائفية كغطاء للطبقة
المفارقة الجوهرية هي أن الطائفية تُستخدم اليوم لتقسيم الطبقات الدنيا، لا لحماية مصالحها. ففي العراق، هناك ملايين الشيعة الفقراء، مثلما هناك ملايين السنة الفقراء، ومئات الآلاف من الكرد الفقراء. لكن أي احتجاج على أوضاعهم يُواجه بـ”الخط الأحمر الطائفي”: ممنوع أن تنتقد زعيمك لأنه “يمثّلك”، ممنوع أن تطالب بحقوقك لأن “طائفتك مستهدفة”، ممنوع أن تتحالف مع غيرك لأن “الآخرين خانونا”.
بهذا المعنى، فإن الطائفية تُحوّل الغضب الاجتماعي إلى خوف هوياتي، وتُفرّغ الصراع الطبقي من مضمونه، وتُعيد تعبئته كصراع بين جماعات متوازية وهمياً، لكنها متكافئة فقط في الظاهر. الطبقة الحاكمة، بجميع طوائفها، تستفيد من هذا التقسيم، وتُعيد إنتاج سلطتها عبره.
والأخطر: أن الفقراء أنفسهم يُدفعون أحياناً للدفاع عن هذا النظام الطائفي، لأنه يبدو لهم “أقل ضرراً” من المجهول، أو لأنه يُقدّم لهم فتاتاً من وظائف أو خدمات لا ينالها غيرهم.
ثالثاً: تفكيك الطائفية لا يعني تجاهلها
الكثير من الخطابات اليسارية تقع في فخ “العمى الطائفي”: أي أنها ترفض حتى الاعتراف بوجود الطائفة، وكأن إنكارها كفيل بإلغائها. هذا موقف مثالي، لكنه غير عملي. المطلوب ليس تجاهل الطائفة، بل تفكيكها كأداة للهيمنة.
هذا يتطلّب أمرين:
- تحليل مادي دقيق: من يربح من الطائفية؟ من هم “وسطاء الطائفة” الذين يحتكرون التمثيل السياسي والديني والخدمي؟ كيف تُحوّل الهويات إلى رأسمال سياسي؟
2. بناء وعي طبقي هجومي: لا يخاف من مخاطبة الناس بلغتهم، بل يُعيد توجيه هذه اللغة نحو مصالحهم الحقيقية. نعم، نحن بحاجة لليسار أن يخاطب الشيعي كشيعي، والسني كسني، والكردي ككردي، لكن لا ليُكرّس الطائفة، بل ليكشف زيفها.
رابعاً: من لينين إلى العراق – إعادة تشكيل النظرية
لينين واجه إمبراطورية متعددة القوميات، وقال إن على الثوري أن “يكون الأكثر حساسية للاضطهاد القومي”. نحن اليوم نواجه بنية أكثر تشابكاً: لا قومية فقط، بل طائفية تُمارس كقومية، وتُدار كطبقة.
وهنا تتطلب اللينينية إعادة بناء معرفي، من دون التفريط بجوهرها. لا بإلغاء تحليل البنية الطبقية، بل بربطه بتحليل البنية الهوياتية كآلية سيطرة متداخلة مع الرأسمالية. فكما أن البضاعة تخفي علاقات الإنتاج، فإن الطائفة تخفي علاقات الاستغلال، وتقدّم نفسها كـ”مصير” بينما هي مجرد وسيلة تنظيم للهيمنة.
خامساً: نحو استراتيجية ثورية ما بعد الطائفية
إلغاء الطائفية لا يعني الدعوة إلى التجريد النظري، بل إلى التنظيم العملي. والاستراتيجية البديلة يجب أن تتأسس على ما يلي:
- بناء بنى قاعدية مشتركة: مجالس عمّالية، لجان أحياء، تنسيقيات نقابية، تجمع عمّالاً من مختلف الهويات، وتربطهم بمصالحهم اليومية.
- فضح شبكات الهيمنة الطائفية بالأسماء: من هم الوسطاء؟ من هم المستفيدون؟ كيف تُدار الوزارات والصفقات والوظائف؟ ليس عبر التعميم، بل بالتفصيل.
- إنتاج خطاب ثوري جديد: لا يكتفي بترديد “الطبقة العاملة” أو الأمرّ من ذلك “المدني والمدنية”، بل يطرح أسئلة جديدة: من هو “عدو العامل الشيعي”؟ من يسرق الفلاح السني؟ لماذا لا يملك العامل الكردي داخل حزبه صوتاً؟
4. تحالفات طبقية أفقية: من أسفل، لا من قمة الأحزاب أو الطوائف، قائمة على المصالح لا الهويات، وعلى التنظيم لا النوايا.
خاتمة: ما بعد الطائفية ليس بعد الطوائف
نهاية الطائفية لا تعني نهاية الطوائف. الناس لن تتخلى عن هوياتها الدينية أو الثقافية، ولا يجب أن يُطلب منها ذلك. بل ما يجب تغييره هو موقع هذه الهوية: من كونها أداة للسلطة، إلى أن تكون خياراً شخصياً، لا تحدد الحقوق ولا توزع الامتيازات.
Social Links: