نوار نوره البحرة
ربما يبدأ السؤال عن الله من المكان الخطأ.
فبدل أن نسأل:
أين هو الله؟
أو من هو؟
يمكن أن نبدأ بسؤال أكثر جذرية:
ما هو الوجود؟
وكيف يعرف الوجود نفسه؟
إن كل ما نعرفه يظهر لنا من خلال الوعي، و الوعي نفسه هو تمثيلٌ للمعرفة، فالوجود لايمكن أن يكون منفصلًا تمامًا عن الوعي الذي يدركه.
ومن هنا تبدأ هذه النظرية:
الوعي هو تمثيل مباشر للمعرفة، والمعرفة هي إحدى صور تحقق الوجود لذاته.
وهذا لا يعني أن الوعي محصور في الإنسان أو في التفكير اللغوي.
فالخلية تستجيب، وتتعرف إلى تغيرات في الوسط، وتحافظ على تنظيمها، وتتبادل الإشارات، وتتكاثر. والنبات يمتلك أنظمة للإشارة الكهربائية والكيميائية تنقل المعلومات داخله.
علم الأحياء يصف هذه الظواهر بلغة الإشارات والمعلومات والتنظيم والاستجابة؛
ففي قراءة أوسع لتلك المعرفة باعتبارها درجات من تمثيل المعرفة في الكائن الحي.
⸻
يصبح الوجود لا يأتي من العدم
فالكائن الحي لا يظهر من العدم.
فحتى عندما يكون التكاثر لاجنسيًا، كالانشطار أو التبرعم أو التكاثر الخضري، فإن الكائن الجديد لا يبدأ من «لا شيء».
إنه امتداد لعملية حياة سابقة.
وهنا ينبغي التمييز بين انتهاء الفرد وانتهاء الوجود.
قد ينتهي الكائن بوصفه فردًا محددًا، لكن هذا لا يعني أن الوجود الذي تجلّى فيه قد تحول إلى عدم مطلق.
إن مادته تدخل في عمليات أخرى، وتأثيراته تستمر، ومعلوماته البيولوجية تنتقل، وسلسلة السببية التي كان جزءًا منها فهي لا تنقطع بمجرد موته.
ومن هنا تظهر الفكرة الأولى للخلود:
ما ينتهي هو التجلي، وليس بالضرورة الوجود الذي تجلّى من خلاله.
⸻
الوعي ليس مجرد نتيجة متأخرة للمادة
التصور التقليدي في بعض الاتجاهات العلمية يرى الوعي بوصفه ظاهرة ناشئة عن تعقيد مادي معين.
لكن هذه النظرية تقلب اتجاه السؤال:
إذا كان كل علم، وكل قياس، وكل معرفة، وكل وصف للمادة، يظهر داخل مجال الوعي، فهل يمكن اعتبار الوعي مجرد شيء ثانوي لا علاقة له ببنية الوجود الأساسية؟
هنا يُقترح أن:
الوعي ليس شيئًا يضاف إلى الوجود، بل هو إحدى طرائق الوجود في تمثيل معرفته عن نفسه.
وبذلك يصبح الكائن الحي أكثر من مادة منظمة.
إنه وجود قادر على تمثيل حالته وعلاقته بالوسط وتحويل هذا التمثيل إلى استجابة.
وعندما ترتفع درجة التنظيم، يصبح هذا التمثيل أكثر تعقيدًا، حتى يصل في الإنسان إلى الإدراك والتفكير واللغة والاختيار والتأمل في الوجود نفسه.
⸻
الغريزة: معرفة تسبق التفكير
إذا كانت المعرفة لا تبدأ مع التفكير الواعي، فإن الغريزة تصبح مفهومًا أساسيًا.
الغريزة ليست مجرد برنامج أعمى بالضرورة، بل يمكن النظر إليها، ضمن هذه النظرية، باعتبارها:
تمثيلًا مباشرًا لمعرفة لا تحتاج إلى المرور أولًا عبر التفكير الواعي.
الكائن لا يحتاج إلى أن يتعلم كل ما يلزم لبقائه من الصفر.
هناك معرفة متجسدة في بنيته، في استجاباته، في قدرته على التمييز، وفي اتجاهاته الأساسية نحو الغذاء والتكاثر والحماية والتكيف.
ومن هنا تأتي الفرضية الأبعد:
الغريزة قد تكون تمثيلًا محليًا لمعرفة أوسع من المعرفة الفردية.
وهذا يقود إلى مفهوم المعرفة الكلية أو الوعي الكلي.
وهنا لا يعود الكائن منفصلًا عن الكل بصورة مطلقة، وإنما يصبح تجليًا محليًا له.
⸻
قانون الوجود الفعلي
إذا كان الوجود قادرًا على الاستمرار والتغير والتنظيم وإنتاج أشكال جديدة من الحياة والوعي، فيمكن تصور أن وراء هذه العملية قانونًا أعمق:
قانون الوجود الفعلي.
ليس المقصود قانونًا فيزيائيًا بالمعنى الضيق، ولا معادلة واحدة يمكن وضعها في مختبر، بل مبدأ فلسفي يقول إن الوجود لا يكون ساكنًا، وإنما يحقق نفسه باستمرار من خلال التفاعل والمعرفة والتحول.
في هذا التصور:
الوجود → المعرفة → الوعي → المراقبة → الفعل → تغير الوجود → معرفة جديدة.
أي أن الوعي لا يقف خارج الوجود ليراقبه فقط.
إنه يدخل في دورة الوجود ويؤثر فيها.
⸻
عندما يصبح الوعي فاعلًا
كلما ارتفع مستوى الوعي، ازدادت قدرة الكائن على تمثيل العالم والتنبؤ به والتأثير فيه.
الإنسان لا يكتفي برؤية الطبيعة.
إنه يصنع الكاميرا، والمجهر، والتلسكوب، والحاسوب، والمركبة، والأداة الطبية، ثم يستخدمها ليرى ما لم يكن يستطيع رؤيته بحواسه.
وهنا تظهر نتيجة مهمة:
الوعي يصنع أداة مادية للمراقبة، ثم تعود المادة، من خلال هذه الأداة، لتقدم معرفة جديدة إلى الوعي.
فالكاميرا مثلًا مادة، لكنها مادة أصبحت جزءًا من فعل المراقبة بسبب الوعي الذي صنعها ووظفها.
وهكذا:
الوعي يؤثر في المادة بصورة غير مباشرة من خلال الأدوات التي يصنعها، ثم تعود المادة بالمعلومات إلى الوعي.
وفي الفيزياء، تُظهر ظواهر القياس الكمومي أن عملية القياس والتفاعل مع النظام يمكن أن تغير سلوكه الكمومي، مثل فقدان التداخل عند الحصول على معلومات عن المسار. لكن هذا لا يثبت أن الوعي البشري وحده هو الذي يسبب النتيجة الكمومية؛ فالجهاز الفيزيائي والتفاعل نفسه يمكن أن يكونا كافيين في الوصف الفيزيائي.
أما النظرية هنا فتطرح سؤالًا أعمق:
إذا كانت أدوات القياس نفسها منتجات للوعي، فهل يمكن أن يكون الوعي قد امتد إلى المادة من خلال أدواته وأصبح جزءًا من دورة معرفة الوجود لذاته؟
⸻
من المعرفة إلى السلوك ثم الأخلاق
كما أن الوعي ليس منفصلًا عن المعرفة، فإن السلوك ليس منفصلًا عن الوعي.
الكائن يتلقى المعلومات، ويمثل علاقته بالوسط، ويستجيب.
ومع زيادة التعقيد تظهر أنماط أكثر تركيبًا من السلوك، وفي الإنسان يمكن أن يظهر فوقها مستوى آخر:
الأخلاق.
ولهذا يمكن النظر إلى السلوك، ثم الأخلاق في مستواها الأعلى، باعتبارهما تجليات رياضية ومنطقية للعلاقات التي يمثلها الوعي.
فالفعل الأخلاقي ليس مجرد حركة عشوائية؛ إنه يتضمن إدراكًا للعلاقة بين:
- الذات،
- الآخر،
- المستقبل،
- الضرر والمنفعة،
- المسؤولية،
- والنتائج المحتملة للفعل.
ومن هذه الزاوية يصبح تطور الأخلاق استمرارًا لتطور قدرة الوجود على معرفة علاقاته وتنظيمها.
⸻
حتى الموسيقى تكشف

Social Links: