▪︎ بقلم : أ.د ياسر طالب الخزاعله
إيران دولة ضاربة في عمق التاريخ، لها إرث حضاري أسهم في بناء العلوم والآداب والفنون منذ قرون، وشعبها متنوع فيه المعتدل والمتدين والباحث عن حياة كريمة كغيره من شعوب الأرض، لكن التحول الذي طرأ على مسارها السياسي بعد عام ١٩٧٩ نقلها من دولة وطنية تبحث عن مصالحها ضمن حدودها إلى مشروع أيديولوجي عابر للحدود يرى في “تصدير الثورة” ركيزة وجوده وشرعيته، وهذا المشروع تحديداً هو ما يثير الجدل والنقاش، لا الشعب الإيراني ولا عموم أتباع المذهب الشيعي الذين هم جزء أصيل من الأمة الإسلامية وفيهم مدارس فكرية وفقهية تاريخية رفضت العنف ورفضت توظيف المذهب في صراعات السلطة، لذلك فإن أي مقاربة منصفة تقتضي التفريق بدقة بين إيران كحضارة وشعب، وبين إيران كنظام سياسي وشبكة نفوذ إقليمي، لأن الخلط بين المستويين هو ما يغذي الفتنة ويوسع الشرخ ويمنح المتطرفين من كل الأطراف ذرائع إضافية للتحريض والدم.
في الملف السوري كانت العلاقة بين طهران ودمشق قديمة وتعود إلى مطلع الثمانينيات حين وقفت سوريا مع إيران في حربها مع العراق، وتحوّل هذا التحالف مع الوقت إلى محور استراتيجي تراه طهران جسرها البري نحو البحر المتوسط وعمقها الحيوي في مواجهة ما تسميه “التهديد الأمريكي والإسرائيلي”، لذلك عندما اندلعت الاحتجاجات في سوريا عام ٢٠١١ اعتبر النظام في إيران أن سقوط الدولة السورية يعني انهيار هذا العمق وخسارة أهم حليف عربي له، فانتقل الدعم من الشكل السياسي والاقتصادي إلى التدخل العسكري والأمني المباشر عبر مستشارين من الحرس الثوري وتمويل وتسليح وتدريب ميليشيات متعددة الجنسيات تم استقدامها تحت عناوين عقائدية من العراق ولبنان وأفغانستان وباكستان، إضافة إلى خطوط ائتمان مفتوحة بمليارات الدولارات لإبقاء مؤسسات الدولة السورية قادرة على الاستمرار، وقد كان لهذا التدخل دور حاسم في منع انهيار النظام عسكرياً في أصعب سنواته ٢٠١٢ و ٢٠١٣، لكن كلفته على المدنيين السوريين كانت باهظة بكل المقاييس، فالمدن التي انطلقت منها الثورة مثل درعا، والمدن التي عرفت تاريخاً دامياً مثل حماة، والأحياء التي تحولت إلى رموز للصمود مثل بابا عمرو في حمص، والمناطق الاستراتيجية مثل سهل الغاب والقصير، دُمرت أجزاء واسعة منها في معارك طاحنة شاركت فيها كل الأطراف، وتحوّل سجن صيدنايا إلى اسم مرادف للانتهاكات الجسيمة التي وثقتها منظمات دولية كالعفو الدولية والتي تحدثت عن آلاف الوفيات تحت التعذيب والإعدامات خارج نطاق القانون، أما التهجير فالأرقام التي تعترف بها الأمم المتحدة تتحدث عن أكثر من ستة ملايين لاجئ مسجلين ونحو سبعة ملايين نازح داخلياً، وهو ما يجعل تقدير الثمانية إلى تسعة ملايين مهجر قريباً من الواقع إذا أضفنا غير المسجلين ومن هاجروا بطرق غير نظامية، وقد رافق ذلك كله تدمير واسع للبنية العمرانية طال مئات المساجد التاريخية والكنائس والأسواق القديمة في حلب وحمص وريف دمشق وإدلب، بعضها دُمر بغارات جوية وبعضها فُخ من جماعات متطرفة، والنتيجة واحدة: خسارة تراث إنساني وسوري لا يعوض، كما وُثقت في مناطق مثل القلمون وداريا والقصير عمليات تغيير ديموغرافي عبر الاستيلاء على العقارات وتهجير سكان أصليين وإحلال آخرين مكانهم، وهو ما تعتبره تقارير حقوقية سلوكاً ممنهجاً لتعديل الخريطة السكانية بما يخدم موازين القوى على المدى الطويل.
ولا يمكن فهم الدور الإيراني في سوريا دون التوقف عند دور حزب الله، فالحزب الذي تأسس عام ١٩٨٢ كحركة مقاومة للاحتلال الإسرائيلي وحظي بتعاطف عربي وإسلامي واسع بعد تحرير جنوب لبنان عام ٢٠٠٠ وصموده في حرب ٢٠٠٦، اتخذ عام ٢٠١٣ قراراً مفصلياً بإعلان المشاركة العسكرية العلنية في سوريا انطلاقاً من معركة القصير، وبرر ذلك بحماية ظهره الاستراتيجي ومنع وصول ما يسميه “الجماعات التكفيرية” إلى الحدود اللبنانية، لكن هذا القرار أخرجه من موقع “المقاومة” إلى موقع “الطرف في حرب أهلية” في نظر ملايين السوريين والعرب، فشارك في معارك حلب والزبداني ومضايا وريف دمشق، وكان لحصار مضايا والزبداني وتجويع سكانهما بين ٢٠١٥ و٢٠١٦ صدى دولي واسع وُثق في تقارير الأمم المتحدة، وترك جرحاً عميقاً في الذاكرة السورية سيحتاج إلى زمن طويل ليتجاوزه السوريون، وهنا أيضاً لا بد من التمييز بين الشيعة كطائفة لها حضورها التاريخي واحترامها، وبين مشروع سياسي محدد اتخذ قرار التدخل، لأن كثيراً من علماء الشيعة ومراجعهم في العراق ولبنان والخليج وحتى داخل إيران نفسها رفضوا زج الشباب في حروب خارجية وأفتوا بحرمة الدم السني وبحرمة الاعتداء على المدنيين.
وعندما نسأل “ماذا تريد إيران؟” فإن الإجابة لا تكون بالشعارات بل بتحليل مركب يجمع بين الأمني والأيديولوجي والاقتصادي والجيوسياسي، فمن الناحية الأمنية ترى طهران أنها محاصرة بقواعد عسكرية أمريكية في الخليج والعراق وأفغانستان سابقاً، وأن العقوبات الاقتصادية والتهديدات العسكرية المتكررة تفرض عليها ما تسميه “الدفاع الأمامي” أي نقل المعركة بعيداً عن حدودها عبر بناء شبكة من الحلفاء القادرين على الردع في لبنان وسوريا والعراق واليمن، ومن الناحية الأيديولوجية فإن نظرية “ولاية الفقيه” تمنح النظام مركزية دينية سياسية تجعله يرى لنفسه دوراً في حماية “المستضعفين” و”المقدسات” وهو خطاب تعبوي فعّال داخلياً وخارجياً، أما اقتصادياً فالممر البري عبر العراق وسوريا إلى البحر المتوسط حلم قديم يمنح إيران منفذاً تجارياً يخفف وطأة العقوبات ويربطها بالأسواق الأوروبية، وجيوسياسياً تريد طهران أن تكون قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في أي ملف من فلسطين إلى الملف النووي، والمشكلة الجوهرية أن هذه الأهداف حين تُترجم على الأرض تصطدم بتركيبة سكانية وثقافية وسياسية مختلفة في المحيط العربي، فما تعتبره طهران “نفوذاً مشروعاً” يراه كثير من العرب “هيمنة واختراقاً للسيادة”، وما تسميه “دفاعاً عن المراقد” يقرأه قطاع واسع من السنة على أنه “تمدّد طائفي”، وهذا التباين في تفسير النوايا هو الوقود الحقيقي للصراع وليس مجرد الخلاف المذهبي.
وفي علاقة إيران بالخليج العربي تعمّقت الهوة بعد ١٩٧٩ حين رُفع شعار تصدير الثورة، ثم جاءت حرب السنوات الثماني مع العراق لتجعل الخليج في موقع الداعم لبغداد، وتوالت المحطات من أحداث البحرين ٢٠١١ إلى دعم الحوثيين في اليمن إلى الهجمات التي استهدفت ناقلات النفط ومنشآت أرامكو ٢٠١٩، وكل ذلك كرّس لدى عواصم الخليج قناعة بأن إيران تمثل تهديداً لأمنها الوطني، وفي المقابل ترى طهران أن الخليج تحوّل إلى منصة للوجود العسكري الأمريكي وأن العقوبات التي تخنق اقتصادها تُدار من غرف عمليات مالية في المنطقة، وهكذا دخل الطرفان في ما يُعرف بـ”معضلة الأمن” حيث كل خطوة دفاعية من طرف تُقرأ على أنها هجومية من الطرف الآخر، فتتصاعد دورة التسلح والريبة وتُستنزف ثروات المنطقة في صراعات بالوكالة يدفع ثمنها المواطن العادي في طهران والرياض وبغداد وبيروت وصنعاء.
وأخطر ما في هذا المشهد هو اختزاله إلى صراع سني شيعي، لأن هذا الاختزال ظالم للطرفين ومفيد للمتطرفين فقط، فالشيعة المعتدلون كانوا ولا يزالون ضد توظيف المذهب في مشروعات السلطة، والمرجع السيد علي السيستاني في العراق مثلاً أفتى صراحة بحرمة الدم السني ورفض مفهوم الدولة الدينية، وفي لبنان هناك أصوات شيعية نخبوية وثقافية تعارض انخراط حزب الله في سوريا، وداخل إيران نفسها دفعت شخصيات معارضة وإصلاحية ثمن مواقفها الرافضة للحروب الخارجية، وفي المقابل فإن الغالبية الساحقة من أهل السنة ترفض فكر القاعدة وداعش وتعتبر أن الخلاف مع سياسات إيران هو خلاف سياسي لا عقدي، وأن الأزهر وهيئات علمائية كبرى حذرت مراراً من الانجرار إلى الفتنة الطائفية، أما السوريون فهم الخاسر الأكبر وفيهم السني والعلوي والمسيحي والدرزي والكردي، واختزال مأساتهم في بعد طائفي وحيد هو تبسيط مخل لتضحيات شعب كامل.
ويبقى السؤال الذي طرحته: هل “لا يوقف إيران إلا أمثال عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص ولا بد من قادسية جديدة”؟ استدعاء التاريخ يمنحنا الدروس لكنه لا يمنحنا الحلول الجاهزة، فالقادسية كانت عام ٦٣٦ ميلادية بين إمبراطوريتين في سياق جيوسياسي مختلف جذرياً، أما اليوم فنحن أمام دول وطنية ومجتمع دولي وسلاح نووي واقتصاد عالمي مترابط، وأي “قادسية جديدة” بمعنى الحرب الشاملة ستعني دماراً للخليج كله لأن المنشآت النفطية ستكون الهدف الأول، وإغلاقاً لمضيق هرمز يهز الاقتصاد العالمي، وموجات لجوء جديدة بالملايين، وفوضى تمتد من حدود باكستان إلى البحر المتوسط، ولن يكون فيها منتصر حقيقي سوى إسرائيل والجماعات المتطرفة التي تعتاش على الخراب، لذلك فإن البديل الواقعي لوقف ما وصفته بـ”الشر المستطير” ليس حرباً أخرى بل مسارات مركبة تبدأ بتثبيت توازن ردع حقيقي، وقد تغيرت المعادلة بالفعل فالدول العربية اليوم تملك قدرات عسكرية واستخباراتية تجعل كلفة أي تمدد جديد باهظة جداً، وما حدث في سوريا ٢٠١١ يصعب تكراره بالسهولة نفسها في ٢٠٢٦، ثم إن المصالحة العربية العربية هي السلاح الأنجع، فإيران تمددت حين تفرق العرب، وعودة سوريا إلى الجامعة العربية والتقارب السعودي الإيراني برعاية صينية ٢٠٢٣ يدلان على أن البراغماتية ممكنة وأن الدبلوماسية قادرة على تفكيك بعض العقد، كذلك فإن دعم الدولة الوطنية ومؤسساتها في لبنان والعراق واليمن يسحب البساط من تحت أي ميليشيا ويعيد للدولة مركزية القرار، ويبقى الرهان الأهم على الداخل الإيراني نفسه، فالشعب الإيراني دفع أثماناً اقتصادية واجتماعية هائلة بسبب العقوبات والعزلة، وجيل الشباب هناك يبحث عن تنمية وانفتاح وفرص عمل لا عن حروب بالوكالة، والتاريخ يعلمنا أن الأنظمة لا تغير سلوكها تحت ضغط الحرب الخارجية بقدر ما تغيره تحت ضغط شعوبها حين تشعر أن مشروع الخارج بات عبئاً على الداخل، ولا استقرار في المنطقة دون عدالة انتقالية في سوريا تحاسب كل من أجرم بحق السوريين سواء كان من النظام أو من الفصائل أو من الداعمين الخارجيين، فملفات صيدنايا والكيماوي والبراميل والحصار والتجويع يجب أن تُفتح أمام قضاء دولي نزيه لأن العدالة وحدها تضمن عدم تكرار المأساة وتغلق باب الثأر الأهلي.
إن “القادسية الجديدة” التي نحتاجها ليست سيفاً بل مشروعاً، قادسية عدل وتنمية وعقل، تعيد للسوري أرضه وحقه، وللبناني دولته، ولليمني أمنه، وللعراقي سيادته، وللخليجي استقراره، وللإيراني المعتدل صوته وحريته، فعمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما انتصرا حين أقاما العدل قبل أن يرفعوا السيف، وحين دخل المسلمون المدن أمّنوا أهلها على دمائهم وكنائسهم وأموالهم، وهذا هو الدرس الذي يجب أن نستحضره: لا يُهزم المشروع بالحرب وحدها، بل ببناء بديل أخلاقي وسياسي وتنموي يجعل فكرة الهيمنة بلا جمهور وبلا مبرر، والشر لا يتوقف بإشعال حرب أكبر بل ببناء عقد إقليمي جديد يقوم على احترام السيادة ورفض الميليشيات العابرة للحدود وتجريم خطاب الكراهية الطائفي من كل الأطراف، عقد يعترف بحق إيران كدولة في أمنها، ويعترف بحق العرب في رفض أي وصاية عليهم، وعندها فقط يفقد أي تمدد حواضنه ويصبح عبئاً على أصحابه قبل خصومهم، والتاريخ لا يرحم لكنه يفتح نافذة للمصالحة حين تتوفر الإرادة، والشعوب قد تسامح لكنها لا تنسى، ومصلحة السنة والشيعة والعرب والفرس أن نخرج جميعاً من نفق الدم إلى أفق الدولة والمواطنة والقانون، هذا هو الانتصار الذي لا يُهزم، وهذا هو الرد الحقيقي على كل المآسي التي ذكرتها من درعا إلى القصير ومن صيدنايا إلى سهل الغاب، فالدم السوري ليس رخيصاً، وكرامة الإنسان الإيراني ليست محل مساومة، والأمن الخليجي ليس ترفاً، والطريق إلى كل ذلك يمر عبر العدل لا الثأر، وعبر الدولة لا الميليشيا، وعبر الحوار لا الإلغاء.
▪︎بقلم : أ.د ياسر طالب الخزاعله.
المفرق – الأردن.

Social Links: