من «الحديقة الخلفية» إلى سوق الطاقة العالمية

من «الحديقة الخلفية» إلى سوق الطاقة العالمية

هاشم هشوم

أوروبا والطاقة: ماذا خسرت القارة عندما ابتعدت عن النفط والغاز الروسي؟

من الصعب فهم التحولات الاقتصادية التي تعيشها أوروبا اليوم من دون العودة إلى العلاقة التي ربطت الاقتصاد الأوروبي بالطاقة الروسية لعقود. فالقضية لم تكن مجرد شراء برميل نفط أو متر مكعب من الغاز، وإنما كانت منظومة كاملة تقوم على القرب الجغرافي، وأنابيب النقل، واستقرار الإمدادات، وقدرة المصانع الأوروبية على الاعتماد على مورد ضخم قريب من أسواقها.

في عام 2021، كانت الطاقة تمثل نحو 62% من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي من روسيا، بقيمة تقارب 99 مليار يورو. وفي الفترة نفسها كانت روسيا أحد أكبر الشركاء التجاريين للاتحاد الأوروبي.

أما بالنسبة للنفط، فقبل الحرب الروسية الأوكرانية كانت روسيا المورد الأكبر للنفط الخام إلى الاتحاد الأوروبي. ففي الربع الأخير من 2021 وحتى يناير 2022، كانت الواردات الأوروبية من النفط الروسي تتراوح تقريبًا بين 39.7 و49.7 مليون برميل شهريًا، أي ما يعادل 24–31% من إجمالي واردات النفط الخام الأوروبية.

وهذه الأرقام توضح حجم الترابط الذي كان موجودًا بين الطرفين.

النفط الروسي كان يتمتع بميزة جغرافية واقتصادية

الميزة الروسية بالنسبة لأوروبا لم تكن فقط في سعر البرميل. فهناك فرق كبير بين شراء النفط من مورد قريب عبر شبكة أنابيب وموانئ مرتبطة بالبنية التحتية الأوروبية، وبين شراء النفط من منتج بعيد ونقله عبر المحيطات.

كلما زادت المسافة، تدخل عناصر إضافية في التكلفة:

  • أجور الناقلات.
  • التأمين البحري.
  • تكاليف الموانئ.
  • مخاطر الطرق البحرية.
  • فروق جودة الخام وملاءمته للمصافي.
  • تكاليف التخزين.
  • تقلبات أسعار الشحن.

ولهذا فإن مقارنة سعر البرميل وحده لا تكفي للحكم على التكلفة الحقيقية التي يدفعها المستهلك الأوروبي.

والأهم أن الاتحاد الأوروبي كان يحصل على النفط الروسي قبل الحرب ضمن منظومة إمداد ضخمة ومستقرة نسبيًا. وفي عام 2022، كان النفط ومنتجاته يمثلان 63% من واردات الطاقة الخارجية للاتحاد الأوروبي.

ماذا حدث بعد 2022؟

بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية والعقوبات الأوروبية، تغيرت خريطة الطاقة بصورة جذرية.

انخفضت واردات النفط والمنتجات النفطية الروسية إلى الاتحاد الأوروبي من حوالي 207.1 مليون طن في 2019 إلى 133.4 مليون طن في 2022، أي انخفاضًا بنحو 36%.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت الإمدادات من موردين آخرين.

فمقارنة بعام 2019، زادت صادرات الولايات المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي بنحو 25.8 مليون طن، أي 63%، بينما زادت صادرات النرويج بنحو 16.7 مليون طن، والبرازيل بنحو 8.7 مليون طن.

وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا:

لم تستبدل أوروبا روسيا بالولايات المتحدة فقط.

بل أعادت توزيع مشترياتها بين الولايات المتحدة والنرويج وكازاخستان والسعودية والبرازيل وليبيا والإمارات وغيرها.

هل أصبح النفط الأمريكي أغلى؟

هنا يجب التفريق بين «النفط الصخري» و«النفط الأمريكي» عمومًا.

الولايات المتحدة تنتج أنواعًا متعددة من الخام، وليس كل النفط الأمريكي نفطًا صخريًا. وفي عام 2024، بلغ متوسط سعر التعادل الذي أبلغ عنه منتجو حوض بيرميان حوالي 62 دولارًا للبرميل في Midland و64 دولارًا في Delaware. وفي العام نفسه كان متوسط سعر WTI حوالي 77 دولارًا للبرميل.

أي أن إنتاج النفط الصخري الأمريكي يمكن أن يكون مربحًا عند مستويات سعرية أقل من 60 دولارًا لبعض المنتجين، لكنه يصبح أكثر جاذبية اقتصاديًا عندما ترتفع الأسعار.

وهذا يقود إلى نقطة أكثر دقة:

ارتفاع أسعار النفط يفيد المنتجين الأمريكيين عمومًا، ومن بينهم منتجو النفط الصخري، لكنه لا يثبت بحد ذاته أن الولايات المتحدة صنعت الأزمة عمدًا لرفع الأسعار.

هذه مسألة مختلفة تحتاج إلى أدلة مباشرة على النية والسياسة، وليس مجرد وجود مصلحة اقتصادية.

أوروبا أصبحت تشتري النفط الأمريكي بكميات أكبر

الأرقام هنا واضحة.

في عام 2024 أصبح الولايات المتحدة أكبر مورد للنفط والمنتجات النفطية إلى الاتحاد الأوروبي بحصة 16.1%، تلتها النرويج بنسبة 13.5% وكازاخستان بنسبة 11.5%.

وهذا تحول كبير مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الحرب.

أما في الربع الثالث من 2025، فكانت النرويج المورد الأول بحصة 14.6%، والولايات المتحدة قريبة جدًا منها عند 14.5%، ثم كازاخستان 12.2%.

إذن، القول بأن أوروبا أصبحت أكثر اعتمادًا على الولايات المتحدة في بعض أنواع الطاقة له أساس إحصائي، لكن الصورة ليست احتكارًا أمريكيًا للسوق الأوروبية.

الغاز يوضح الصورة أكثر

التحول كان أكبر في سوق الغاز.

في 2021 كانت روسيا والنرويج متقاربتين جدًا كمصدرين للغاز الذي يدخل الاتحاد الأوروبي، بحصة تقارب 24% لكل منهما. وفي 2022 انخفضت حصة روسيا إلى 15.3%، بينما بقيت النرويج عند 24.4% وارتفعت حصة الولايات المتحدة إلى 9.8%.

وفي 2024 أصبح الغاز الطبيعي المسال الأمريكي يمثل 45.3% من واردات الاتحاد الأوروبي من LNG، مقابل 17.5% لروسيا.

وفي 2025 استمر التحول؛ فقد أصبح الغاز الطبيعي المسال يمثل نحو 45% من إجمالي واردات الغاز الأوروبية، بينما بلغت حصة روسيا من إجمالي واردات الغاز الأوروبية نحو 13%.

وهذا يعني أن أوروبا لم تفقد فقط موردًا؛ بل أعادت بناء منظومة الطاقة نفسها.

وماذا عن أزمة الخليج ومضيق هرمز؟

هنا تصبح المسألة أكثر تعقيدًا.

الأحداث الحالية في الشرق الأوسط أظهرت مرة أخرى مدى حساسية أوروبا لسلاسل الإمداد البحرية. فقد أدت الهجمات والاضطرابات المرتبطة بالسعودية ومضيق هرمز إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وإلى اضطراب بعض شحنات النفط. وفي منتصف سبتمبر 2026، اقترب خام برنت من 108 دولارات للبرميل، بينما وصلت بعض الشحنات الفعلية في السوق الأوروبية إلى نحو 122 دولارًا للبرميل.

كما تعرضت ناقلات تحمل النفط السعودي لهجمات أثناء مرورها في مضيق هرمز في سبتمبر 2026.

وفي 20 سبتمبر، تراجع برنت إلى حوالي 100.34 دولار بعد مؤشرات على تحسن صادرات السعودية وتطورات دبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران.

هذه الأحداث توضح شيئًا مهمًا:

عندما يصبح النفط الخليجي مهددًا في طريقه إلى أوروبا أو آسيا، لا ترتفع فقط قيمة النفط نفسه، بل ترتفع أيضًا تكلفة نقله وتأمينه.

وهنا يستطيع المنتج البعيد، إذا كان لديه نفط متاح وقدرة تصديرية، أن يصبح أكثر قدرة على المنافسة رغم ارتفاع تكلفة النقل.

من المستفيد من ارتفاع الأسعار؟

هذه هي النقطة التي ينبغي أن تكون محور النقاش الأوروبي.

ارتفاع النفط من 70 إلى 100 دولار مثلًا لا يعني أن الولايات المتحدة تحصل على كامل الفرق. المستفيدون والخاسرون موزعون على سلسلة طويلة:

المنتج → شركة النفط → شركة النقل → شركة التأمين → المصفاة → تاجر النفط → الدولة من خلال الضرائب → المستهلك.

وفي المقابل، الدول المستوردة للطاقة تدفع فاتورة أعلى.

لذلك فإن ارتفاع أسعار النفط يمكن أن يزيد أرباح شركات النفط والمنتجين، ولكنه في الوقت نفسه يرفع تكلفة الصناعة والنقل والتدفئة والمنتجات البتروكيماوية في الدول المستوردة.

ماذا كانت تعني روسيا لأوروبا اقتصاديًا؟

روسيا لم تكن مجرد «محطة وقود» لأوروبا.

كانت قريبة جغرافيًا، وتملك احتياطيات هائلة من النفط والغاز والفحم والمعادن والأسمدة والمواد الخام. وكانت أوروبا بدورها تملك صناعة متقدمة وأسواقًا ضخمة ورأس مال وتكنولوجيا.

هذه العلاقة خلقت نوعًا من التكامل الاقتصادي:

روسيا توفر المواد الخام والطاقة، وأوروبا توفر التكنولوجيا ورأس المال والسلع والخدمات.

ولذلك عندما انهارت التجارة الثنائية، لم تكن النتيجة ببساطة أن أوروبا «اشترت نفس السلعة من مكان آخر».

بل أصبحت تحتاج في بعض الحالات إلى:

المورد الجديد + الناقلة + التأمين + محطة الاستقبال + البنية التحتية الجديدة + عقود جديدة + تكلفة جغرافية إضافية.

وقد انعكس ذلك في أرقام التجارة نفسها. ففي مارس 2022 وصل العجز التجاري الأوروبي مع روسيا إلى نحو 18.6 مليار يورو في شهر واحد، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى ارتفاع أسعار منتجات الطاقة.

لكن هناك جانبًا آخر يجب ألا نتجاهله

القول إن أوروبا كانت تحصل على الطاقة الروسية «بلا تكلفة حقيقية» سيكون أيضًا غير دقيق.

روسيا كانت تحصل في المقابل على مليارات اليورو من السوق الأوروبية، وأوروبا كانت معرضة لمخاطر سياسية واستراتيجية مرتبطة بالاعتماد على مورد واحد أو مجموعة محدودة من الموردين.

ولهذا فإن المسألة ليست ببساطة:

«روسيا جيدة وأمريكا سيئة» أو العكس.

السؤال الاقتصادي الحقيقي هو:

«ما المزيج الذي يمنح أوروبا الطاقة الأكثر أمنًا واستقرارًا وتنافسية على المدى الطويل؟»

وهنا توجد عدة خيارات: تنويع الموردين، تطوير الطاقة النووية والمتجددة، تحسين شبكات الكهرباء، تخزين الطاقة، استيراد الغاز والنفط من عدة مصادر، وإبقاء قنوات التجارة مفتوحة عندما تسمح الظروف السياسية والقانونية بذلك.

الخلاصة

أوروبا دفعت ثمنًا اقتصاديًا واضحًا لإعادة تشكيل منظومة الطاقة بعد 2022. الأرقام لا تقول إن الولايات المتحدة «تتحكم» في أوروبا أو أنها صنعت كل أزمة الطاقة، لكنها تُظهر بوضوح أن حصة الولايات المتحدة في سوق الطاقة الأوروبية ارتفعت، خصوصًا في النفط والغاز الطبيعي المسال.

وفي المقابل، انخفضت حصة روسيا بصورة كبيرة.

ففي 2022 كانت روسيا تمثل 21% من واردات النفط والمنتجات النفطية خارج الاتحاد الأوروبي، مقابل 11% للولايات المتحدة.

وبحلول 2024 أصبحت الولايات المتحدة المورد الأكبر للنفط والمنتجات النفطية إلى الاتحاد الأوروبي بحصة 16.1%.

هذه الأرقام وحدها كافية لطرح سؤال استراتيجي مهم أمام أوروبا:

هل من الحكمة أن تستبدل أوروبا اعتمادًا جغرافيًا باعتماد جديد، أم أن مصلحتها الاقتصادية الحقيقية تكمن في تنويع مصادر الطاقة، وخفض تكلفة الطاقة، والحفاظ على أكبر عدد ممكن من الشركاء التجاريين؟

وفي النهاية، الطاقة ليست مسألة شعارات سياسية؛ إنها تكلفة إنتاج، وأسعار كهرباء، وقدرة تنافسية للمصانع، وأسعار نقل وغذاء، وملايين الوظائف.

ولهذا فإن القرار الأوروبي الأكثر أهمية ليس اختيار روسيا أو أمريكا، وإنما بناء سياسة طاقة تجعل أوروبا قادرة على التفاوض مع الجميع من موقع اقتصادي أقوى، بدل أن تصبح رهينة لأي مورد واحد.

  • Social Links:

Leave a Reply