مطيع اتاسي
تمر سوريا اليوم بواحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخها الحديث.
ليست المسألة فقط سقوط نظام وصعود سلطة جديدة، ولا فقط صراع نفوذ بين تركيا وإسرائيل والعرب. المسألة أعمق من ذلك بكثير:
هل تستطيع سوريا هذه المرة أن تختار أن تكون دولة، لا مجرد ساحة داخل مشروع الآخرين؟
الدولة السورية الحديثة نفسها وُلدت من تفكك الدولة العثمانية، ومن ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى، ومن المشروع العربي الفيصلـي، ثم الانتداب الفرنسي، ثم الاستقلال.
أي أنها لم تولد كدولة مكتملة اختار السوريون حدودها وشكلها ومؤسساتها من الصفر.
ومنذ تلك اللحظة بقي السؤال معلّقاً:
إلى أين تنتمي سوريا؟
مرة إلى مشروع عربي.
مرة إلى الوحدة مع مصر.
مرة إلى تحالفات إقليمية.
ثم إلى إيران.
واليوم إلى تركيا.
كأن سوريا منذ ولادتها الحديثة لم تتعلم بعد أن تنتمي أولاً إلى نفسها.
من يحكم… وكيف يرحل؟
هناك مشكلة أقدم من كل الأنظمة السورية الحديثة.
منذ وفاة النبي محمد، لم يستقر في المجال العربي الإسلامي نموذج واحد ثابت وملزم لانتقال السلطة.
جاء أبو بكر بطريقة، وعمر بطريقة أخرى، وعثمان بطريقة ثالثة، ثم اندلعت الصراعات، وبعدها تحولت الخلافة تدريجياً إلى وراثة.
تغيرت الأسماء بعد ذلك:
خلافة، سلطنة، مملكة، جمهورية، جمهورية ثورية.
لكن السؤال بقي:
كيف يرحل الحاكم؟
هذه ليست مسألة تاريخية فقط.
إنها جوهر الدولة الحديثة.
فالدولة الحقيقية ليست الدولة التي تعرف كيف تأتي بالحاكم، بل التي تعرف كيف تستبدله من دون أن تنهار معه.
وهذا هو الامتحان الحقيقي لسوريا الجديدة.
ليس فقط أن تنجح السلطة في فرض الأمن أو جذب الاستثمار، بل أن تبني مؤسسات تجعل الحاكم مؤقتاً والدولة دائمة.
النجوم الثلاث ليست زينة
يمكن النظر إلى العلم السوري الحالي ذي النجوم الثلاث كرمز شديد الأهمية.
تاريخياً، ارتبط هذا العلم بإعادة جمع مناطق وكيانات سورية داخل دولة واحدة.
واليوم يمكن أن يُقرأ سياسياً كرسالة أبسط:
سوريا ليست مكوناً واحداً.
لكل مكوّن مكان داخل الدولة.
ولكل منطقة نصيب في العقد الوطني.
وإذا أراد السوريون غداً أن يضيفوا نجمة أخرى رمزياً لمكوّن آخر، فهذا لا يضعف العلم، بل يقويه.
لكن الخطأ يبدأ حين يعتقد طرف واحد أنه يستطيع امتلاك النجوم كلها.
إذا شعر مكوّن أنه ليس شريكاً في القرار، يبدأ بالبحث عن بديل.
حماية خارجية.
حكم ذاتي.
ضمانة إقليمية.
أو مساحة منفصلة عن المركز.
وهنا يصبح الاستفراد بالسلطة ليس وسيلة لتقوية الدولة، بل أسرع طريق إلى تفكيكها.
سوريا بين تركيا والعرب وإسرائيل
بعد سقوط الأسد، عاد السؤال القديم بصورة جديدة:
من يحمي سوريا؟
تركيا هي الطرف الأكثر قدرة عملياً على توفير مظلة مباشرة.
لديها حدود طويلة، نفوذ عسكري، قدرة مؤسساتية، ومصالح واضحة.
لكن تركيا لا تستطيع وحدها تمويل إعادة إعمار سوريا.
والفاتورة السورية ليست صغيرة.
هي تحتاج إلى عشرات ومئات المليارات.
ولهذا تظهر معادلة منطقية:
تركيا توفر جزءاً من الحماية والنفوذ السياسي، والعرب يمولون إعادة البناء.
لكن حتى هذه المعادلة ليست سهلة.
الخليج نفسه يدخل مرحلة إقليمية أكثر توتراً.
والعالم كله يعيش ضغوطاً اقتصادية وأمنية متزايدة.
وفي الوقت نفسه دخلت إسرائيل إلى المعادلة السورية بصورة أكثر مباشرة.
ما حدث في مطار أبو الظهور لم يكن مجرد حادث أمني عابر.
هو إشارة إلى أن سوريا قد تتحول إلى ساحة تنافس مباشر بين تركيا وإسرائيل، كما كانت من قبل ساحة صدام غير معلن بين إسرائيل وإيران.
وهنا يصبح الخطر واضحاً:
إذا لم تكن هناك دولة سورية قوية من الداخل، فسيتحول كل مكون إلى بوابة لقوة خارجية.
لا يوجد مشروع عربي جاهز
العمق الطبيعي لسوريا هو عربي.
لغة، مجتمع، اقتصاد، أسواق، وثقافة.
لكن المشكلة أن العالم العربي لا يقدم اليوم مشروعاً سياسياً أو اقتصادياً موحداً تستطيع سوريا الانضمام إليه بسهولة.
هناك رأس مال.
وهناك دول قوية.
لكن لا يوجد حتى الآن مشروع عربي متكامل يستطيع أن يقول لسوريا:
هذه هي الرؤية.
هذه هي الصناعة.
هذه هي المؤسسات.
وهذا هو المسار.
ولهذا ستبقى سوريا بحاجة مؤقتاً إلى المظلة التركية، مع محاولة جذب التمويل العربي.
لكن يجب ألا يتحول أي منهما إلى بديل عن الدولة نفسها.
اللحظة الحالية أخطر من مجرد تغيير حكم
المشكلة أن سوريا الحالية ضعيفة.
اقتصاد هش.
بنية تحتية مدمرة.
طبقة وسطى متآكلة.
مكونات خائفة.
قوى خارجية متربصة.
وفي مثل هذه البيئة، الاستفراد بالقرار خطير جداً.
ليس لأنه قد يؤدي فقط إلى حكومة فاشلة.
بل لأنه قد يدفع كل مكوّن إلى الانفصال نفسياً قبل أن ينفصل جغرافياً.
وهنا قد تبدأ النجوم بالخروج واحدة تلو الأخرى.
والخطر الحقيقي ليس خسارة نجمة واحدة.
الخطر أن نخسر النجوم كلها.
لا نحتاج مشروعاً إمبراطورياً
سوريا لا تحتاج اليوم إلى أن تقود المنطقة.
ولا إلى أن تصبح قوة عظمى.
ولا إلى أن تدخل مواجهة أكبر من قدرتها.
هي تحتاج إلى شيء أبسط وأصعب:
أن تبقى دولة.
أن تحمي حدودها.
أن تحمي مواطنيها.
أن تبني مؤسسات تستطيع أن تبقى بعد رحيل أي رئيس.
أن تجعل جميع مكوناتها ترى أن وجودها داخل سوريا أفضل من البحث عن حماية خارجها.
هذه هي المعركة الحقيقية.
إما أن ننتصر معاً… أو نهزم معاً
السني لن يبني سوريا وحده.
والعلوي لن يحمي نفسه وحده.
والدرزي لن يعيش آمناً وحده.
والكردي لن يصنع مستقبله وحده.
والمسيحي لن يبقى من خلال حماية خارجية دائمة.
إذا بحث كل مكون عن دولة تحميه، فلن تبقى دولة سورية.
ستبقى فقط مناطق نفوذ.
وسوف يعتقد كل طرف أنه نجا.
لكن الجميع سيكون قد خسر البلد.
ولهذا يجب أن تكون الرسالة واضحة:
سوريا لا تُحفظ بأن يمسك طرف واحد بكل النجوم، بل بأن يعرف كل مكوّن أن له نجمة لا يستطيع أحد انتزاعها منه.
ربما لم يختر السوريون بالكامل ولادة دولتهم الحديثة.
وربما لم يرسموا كل حدودها.
وربما ورثوا دولة صنعتها الحروب والاتفاقات الدولية بقدر ما صنعها أبناؤها.
لكن بعد أكثر من قرن، لم تعد هذه الدولة مجرد خطوط رسمها الآخرون.
أصبحت إرثاً.
داخلها ولدنا.
وعاش أهلنا.
ومات ناس دفاعاً عنها.
ولهذا لا يهم اليوم من رسم الخريطة أول مرة.
المهم من سيقرر إن كانت ستبقى.
إذا لم نختر ولادة سوريا كاملة بإرادتنا،
فليكن بقاؤها هذه المرة بإرادتنا.
وبدلاً من أن نبقى نبحث عن مشروع خارجي ننتمي إليه، ربما حان الوقت أخيراً أن نتعلم شيئاً تأخرنا كثيراً في تعلمه:
أن ننتمي إلى سوريا نفسها.
إما أن ننتصر معاً،
أو نهزم معاً.

Social Links: