د سلامة درويش
الامين العام لحزب اليسار الديموقراطي السوري
الرحمة للشهداء، والشفاء للجرحى، والقصاص العادل من القتلة والمجرمين.
تتألم سوريا اليوم من جديد. من دمشق إلى الساحل والسويداء، ومن الشمال إلى الشمال الشرقي، ومن السقيلبية إلى دير الزور، تتسع دائرة الخوف والدم، في مشهد يؤكد أن سقوط الاستبداد القديم لم يكن كافيًا لولادة الدولة التي حلم بها السوريون.
فالانفلات الأمني، وانتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة، وتصاعد خطاب الكراهية والغلبة الطائفية، والاعتداء على المدنيين، وآخرها استهداف عمال كانوا يسعون إلى رزقهم والهجوم على السقيلبية، ليست حوادث منفصلة يمكن التعامل معها باعتبارها اختلالات أمنية عابرة؛ إنها نتيجة طبيعية لغياب دولة القانون، ولحكم ما زالت تتحكم به عقلية الفصيل أكثر مما تحكمه عقلية الدولة.
لقد ظن السوريون أن سقوط نظام بشار الأسد سيفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من الحرية والعدالة والمواطنة. لكن سلطة الأمر الواقع أهدرت فرصة تاريخية، حين اختارت منطق الغلبة والإقصاء بدل الشراكة، ورفعت عمليًا شعار «من يحرر يقرر»، وكأن سوريا ملك لمن حمل السلاح، لا وطنًا لكل أبنائها.
ومن هنا بدأت الأزمة.
أُقصيت الكفاءات والخبرات الوطنية، وهمّشت القوى السياسية وقادة الثورة الحقيقيون، ولا سيما ضباط وصف ضباط الجيش الحر، وحُصرت إدارة البلاد في دائرة ضيقة، بينما جرت محاولة تعميم تجربة إدلب على مجتمع سوري بالغ التنوع والتعقيد. واستُبدل معيار الكفاءة بمعيار الولاء، وأصبح الانتماء إلى الجماعة أقرب إلى معيار للوصول إلى مؤسسات الدولة من الانتماء إلى الوطن والكفاءة في خدمته.
وفي الوقت نفسه، تراجعت الأوضاع المعيشية، وارتفعت الأسعار، وتآكلت قيمة الليرة، واتسعت مساحة الفساد والمحسوبيات، بينما بقي الاقتصاد رهينًا للدعم الخارجي، بدل أن يكون بناء الدولة ومؤسساتها واقتصادها الوطني في صدارة الأولويات.
أما الخطر الأكبر، فهو أن تتحول الانتهاكات إلى قاعدة، والإفلات من العقاب إلى سياسة، والخطاب الطائفي إلى أداة تعبئة، والسلاح المنفلت إلى بديل عن مؤسسات الدولة. وما جرى في الساحل والسويداء وغيرها، في ظل غياب عدالة انتقالية حقيقية ومحاسبة شفافة، لا يؤدي إلا إلى تعميق الجراح وتهديد السلم الأهلي وفتح أبواب الثأر والانتقام.
لقد أثبتت التجربة أن لا يمكن بناء دولة ديمقراطية بعقلية الفصيل، ولا بناء وحدة وطنية بمنطق الغلبة، ولا تحقيق الاستقرار من دون عدالة.
وما سُمّي بالحوار الوطني لم يكن بالمستوى الذي يتطلبه حجم الكارثة السورية؛ إذ لا يمكن اختزال مستقبل وطن وشعب كامل في مؤتمر شكلي ووثائق معدة سلفًا، ولا يمكن أن يكون الإعلان الدستوري بديلًا عن عقد وطني حقيقي يشارك السوريون جميعًا في صياغته.
إن سوريا اليوم تقف أمام مفترق طرق خطير: إما أن تنتصر الدولة على الفصيل، والقانون على السلاح، والمواطنة على الطائفية، والسياسة على الإقصاء؛ وإما أن يستمر الانحدار نحو التفكك والفوضى والتدخلات الخارجية.
ولهذا فإن الخروج من الأزمة لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى مؤتمر وطني جامع وحقيقي، تشارك فيه القوى السياسية والمجتمعية والمدنية والنقابية، لصياغة عقد وطني جديد، ودستور ديمقراطي عصري، وبناء مؤسسات دولة تمثل جميع السوريين، وتضمن المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات، وتحمي التعدد القومي والديني والثقافي والسياسي.
إن سوريا ليست ملكًا لفصيل، ولا لطائفة، ولا لجماعة أيديولوجية. سوريا ملك السوريين جميعًا.
لقد ثار السوريون ضد الاستبداد، وليس من أجل استبداله باستبداد جديد، أو نقل البلاد من حكم الفرد إلى حكم الجماعة.
المعركة اليوم هي من أجل الدولة، لا من أجل سلطة جديدة.
من أجل المواطنة، لا الغلبة.
من أجل العدالة، لا الانتقام.
ومن أجل ديمقراطية حقيقية، لا ديمقراطية تُدار من فوق.
إن إعادة إنتاج الاستبداد، مهما تغيرت أسماء أصحابه أو شعاراتهم، ستقود سوريا إلى النتيجة ذاتها.
فلا مستقبل لسوريا إلا بدولة مدنية ديمقراطية، دولة القانون والمواطنة والعدالة، دولة تتسع لكل أبنائها، ولا يكون فيها مكان للقتلة والمجرمين إلا أمام قضاء مستقل وعادل.
سوريا لا تُبنى بالغلبة، بل بالشراكة.
ولا تُحمى بالفصائل، بل بالدولة.
ولا تستعيد وحدتها إلا بالحرية والعدالة والمواطنة.

Social Links: