من “الكتلة التاريخية” إلى “السيولة الرقمية”: مأزق الاحتجاج في العصر المعاصر

من “الكتلة التاريخية” إلى “السيولة الرقمية”: مأزق الاحتجاج في العصر المعاصر

بقلم: علي نفنوف

شهد الفكر السياسي تحولاً جذرياً في قراءة مفهوم التغيير، ولم يعد التباين بين الفعل الثوري الكلاسيكي والحراك الاحتجاجي المعاصر مجرد اختلاف في الأدوات أو الأزمان، بل هو شرخ بنيوي عميق في الفلسفة، والأهداف، والرؤية الاستراتيجية. ولتفكيك هذا التباين، لا بد من تأمل واقع المشهد الاحتجاجي المعاصر ومقارنته بالوعي الثوري الكلاسيكي عبر أبعاد فكرية وميدانية تجعل هذا التباين الفلسفي ملموساً.
تنطلق الاحتجاجات المعاصرة في كثير من الأحيان مدفوعة بغضب عارم وعفوية مطلقة، لكنها تصطدم سريعاً بمأزق غياب البديل المنظم ومأسسة الحراك. ويتجلى هذا بوضوح عند تأمل حركة السترات الصفراء في فرنسا عام 2018 كنموذج حديث؛ فقد انطلقت الحركة من حالة غضب شعبي عفوي، وتميزت بسيولة تنظيمية تامة جرى تنسيقها رقمياً عبر منصات التواصل الاجتماعي ومع ذلك، واجهت الحركة مأزقاً حقيقياً عندما دعت السلطات قادتها للحوار، إذ لم يكن للشارع رأس سياسي أو وفد موحد يفاوض باسمه، فتشتتت المطالب وتلقى الناشطون الذين حاولوا صياغة مبادرة حوارية تهديدات من الجموع الرقمية مجهولة الهوية التي ترفض التنظيم الهرمي بطبيعتها.
على النقيض تماماً، يقف المشهد الكلاسيكي ممثلاً في معاهدة ملعب التنس عام 1789 أثناء الثورة الفرنسية؛ فلم يكن الثوار الكلاسيكيون مجرد حشود غاضبة تتحرك بلا وجهة، بل كانوا نخبة سياسية وقانونية واعية ومنظمة تمثل الطبقة الثالثة. اجتمع هؤلاء وصاغوا وثيقة سياسية وتعهدوا بعدم الانفضاض حتى يضعوا دستوراً جديداً للبلاد، لقد قدموا النص البديل والنظام الموازي قبل الانتقال إلى خطوة إسقاط الملكية، مما يبرز الفارق الفلسفي بين حراك يملك مشروعاً بديلاً وحراك يملك شعاراً رافضاً فحسب.
وتختلف النظرة الفلسفية إلى سلوك الجماهير في الشارع وأدوات العنف المستخدمة بين الأمس واليوم؛ فحركات الاحتجاج الحديثة كثيراً ما تفتقر إلى الغاية السياسية من السيطرة الميدانية. وإذا نظرنا إلى أعمال الشغب التي شهدتها بريطانيا عام 2011 أو فرنسا في صيف 2023، نجد أن الاحتجاج الاجتماعي تحول سريعاً إلى هجمات منسقة لنهب المجمعات التجارية الكبرى وسرقة السلع الفاخرة والأجهزة الذكية، وهو المشهد الذي يحلله علماء الاجتماع كتمرد لمستهلكين محبطين يريدون اقتحام المنظومة الاستهلاكية بقوة وانتزاع حصتهم من السوق لا إسقاط الرأسمالية نفسها.
هذا السلوك يتناقض فلسفياً وجذرياً مع واقعة اقتحام سجن الباستيل عام 1789؛ ففي ذلك التاريخ، كان عنف الجماهير استراتيجياً وهيكلياً بالدرجة الأولى، ولم تتوجه الحشود إلى الأسواق لنهب البضائع والتربح الشخصي، بل توجهت مباشرة نحو الباستيل لأنه يمثل مخزن البارود ورمز السيادة القمعية والمطلقة للدولة، فكان العنف هنا أداة واعية لانتزاع مصادر القوة المادية والرمزية للنظام القديم بهدف إعدامها وإعادة توجيهها لبناء صرح الجمهورية.
أضف إلى ذلك أن الحراك المعاصر يعيش في بيئة نيو-ليبرالية معقدة أصبحت فيها السلطة شبكية وضبابية، مما يجعل تحديد العدو ومواجهته أمراً شديد الصعوبة والسريالية. وتلخص واقعة اقتحام مبنى الكابيتول في واشنطن عام 2021 هذا المأزق الفلسفي؛ إذ نجحت الحشود الغاضبة في اختراق قلب المؤسسة التشريعية الأبرز عالمياً، وعوضاً عن إعلان سلطة انتقالية، أو صياغة بيان ثوري، أو السيطرة على مفاصل القرار، انشغل المقتحمون بالتقاط صور السيلفي ونشرها على المنصات الرقمية، والعبث بمحتويات المكاتب وسرقة مقتنيات تذكارية بسيطة قبل أن ينسحبوا، في مشهد يجسد مهاجمة الهيكل المادي دون خطة، ومواجهة شبح سلطة غير مرئية لا يعرف الثوار كيف يديرونها أو يستبدلونها.
في المقابل، كانت المحاكمات الثورية الفرنسية عام 1792 وإعدام الملك لويس السادس عشر تعبيراً عن وضوح الخصم وتجسيده؛ فقادة الثورة الكلاسيكية من اليعاقبة وغيرهم كانوا يدركون بدقة ركائز النظام القديم، ولم يكن إعدام الملك مجرد تصفية جسدية، بل كان إجراءً قانونياً وفلسفياً لإنهاء الوجود الفيزيائي والرمزي للنظام الملكي والإقطاعي، باعتباره الشرط الحتمي والوحيد الذي لا غنى عنه لولادة العصر الجديد والجمهورية الوليدة.
إن الثورة الكلاسيكية كانت عملاً بنيوياً يتطلب هدم القائم بالتزامن مع هندسة البديل، أما الحراك الاحتجاجي المعاصر فإنه في أغلب نماذجه يمثل صرخة رفض سيالة ومفككة، تجيد تعرية النظام القائم وفضحه رقمياً، لكنها تقف عاجزة عند عتبة الحكم وإعادة بناء المجتمع على قواعد وقيم صلبة.


من الباستيل…الى إحراق مبنى بلدية ليموج التاريخي

تتجلى هذه المفارقة الصارخة بين الاستراتيجية البنيوية والفوضى العبثية عند عقد مقارنة مباشرة بين اقتحام وهدم سجن الباستيل عام 1789 وإحراق مبنى بلدية ليموج التاريخي في عام 2026. في المشهد الكلاسيكي، كان هدم الباستيل وتفكيك حجارته عملاً سياسياً ورمزياً بامتياز؛ فالجماهير لم تتحرك بدافع الانتقام الأعمى من العمارة، بل استهدفت حصناً يمثل مخزن البارود ورمز السيادة المطلقة للبلاد، فكان تقويض البناء إعلاناً مادياً عن تقويض النظام وإتاحة المساحة لبناء صرح الجمهورية الجديد. في المقابل، يأتي إحراق مبنى بلدية ليموج (Hôtel de Ville de Limoges) وبرج ساعته الأثري كفعل ينتمي بامتياز إلى سيولة الغضب المعاصر؛ فالنيران التي التهمت هذا المعلم المحمي الذي يمتد عمره لمئة وثلاثة وأربعين عاماً لم تكن خطوة في سبيل انتزاع قوة مادية للدولة أو إحلال سلطة بديلة، بل كانت صرخة رفض عدمية واستهدافاً عشوائياً لمظاهر البنية والهوية التاريخية. إن هدم الباستيل كان هدماً من أجل التأسيس، أما إحراق بلدية ليموج فكان إحراقاً يعكس غياب الأفق السياسي، حيث يتحول الاحتجاج من أداة لبناء المستقبل إلى معول لتدمير شواهد الماضي، مما يؤكد الشرخ البنيوي بين ثورة كلاسيكية صاغت نصها الدستوري قبل التحرك، واحتجاجات معاصرة تحرق رموز الحوكمة المحلية مدفوعة بضيق العيش الرقمي والواقعي دون امتلاك أي تصور عن اليوم التالي لإنطفاء النيران

وأخيراً:
بقي أن نسأل أنفسنا السؤال المرير …أين نحن من معاني الشعارات العريضة التي نحملها
يجب علينا اعادة الحوكمة لشعاراتنا ومصطلحاتنا بما تتناسب مع الفشل الذريع والواقع الذي وصلنا اليه..وهذا لايكون باستثمار العواطف الهائجة..والعنتريات الرائجة وفق خوارزمية الذباب الألكتروني ومشتقاته

  • Social Links:

Leave a Reply