د. منذر أبو مروان أسبر
نشر د. مخلص الصيادي مقالاً نقدياً، يتناول فيه مبحث الأستاذ محمد سرميني مدير مركز جسور للدراسات بعنوان “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار 2026-2030”
الصيادي وسمات النظام البائد
ذلك أن الصيادي يرى أنه كان على الباحث أن يقيم استراتيجيته على منهج توصيف النظام الأسدي البائد الذي لا يتعرض له بما يدعوه إلى طرح سماته الأساسية:
١- طائفية النظام، وهذا لا يعني أنه كان ممثلاً للعلويين وغيرهم كما يقول، وإنما لأنه كان “يمنح ويمنع” انطلاقاً من رؤية طائفية.
٢- فساد النظام وهذا لا يعني أيضاً عدم وجود ظاهرة الفساد عموماً إذ “لا يخلو كل نظام منه” إنما كون الفساد ظاهرة طغت في إدارة الدولة.
٣- استبداد النظام بوضع الدستور والقانون والقضاء في خدمة الحاكم الفرد الذي يصبح مرجع ومعيار الحق والعمل والحرية.
٤- وأخيراً إرهاب النظام باعتباره القيمة العليا له في علاقته مع المجتمع، والذي تمارسه أجهزة مخابراته دون أي وازع قانوني أو أخلاقي.
لماذا يصر الصيادي على هذا التوصيف؟ لأنه كما يقول “من الواجب إقامة سلطة ودولة مبرأة من تلك الصفات”.
والصيادي وهو يشير إلى أن الدول التي دعمت النظام خلال 50 عاماً، تخلت عنه وأرادت تغييره وأن هيئة تحرير الشام لجأت بالدعم والمساعدة الأجنبية إلى “اقتناص الفرصة للانتقال بقواتها من إدلب إلى العاصمة دمشق”.
ولما كان النظام الجديد يحتاج إلى الشرعية الداخلية فإن الصيادي يطرح نفسه فقيه هذه الشرعية، بالمعنى “الفقهي والتاريخي والواقعي، أي من خلال شرعية الغلبة” حسب ما يقول.
ويضيف قائلاً “بكل المقاييس بات الرئيس مصدر الشرعية لكل ما يتم إنجازه في سورية وهو مركز القرار. من إرادته أخذ الإعلان الدستوري شرعيته وإليه يعود أي تعديل أو تغيير في النص الدستوري ومنه يستمد الوزراء شرعياتهم….”. بهذا هل هناك من صلاحيات مطلقة يعطيها الصيادي للرئيس الجديد دون أن تعيدنا إلى شرعية وصلاحيات استبداد النظام السابق؟
من الموالاة إلى النقد المتهافت
بيد أن الصيادي رغم دعمه المطلق لسلطة غلبة المنتصر، يقوم بنقد مجلس الشعب على أنه “مجلس غير تمثيلي إذ يختصر 18 مليون ناخب من السوريين إلى 6 آلاف”.
على هذا النحو لا يمكن للمجلس “أن ينجز دستوراً وقانون أحزاب وعدالة انتقالية”، بحيث يتقدم الصيادي بنقد راديكالي لمبحث محمد سرميني، بسبب إعطائه المجلس نفسه مهام في استراتيجية تعافي سورية.
من الواضح أن الصيادي يصل في تناقضاته إلى طريق مسدود، ولهذا وبمفارقة يرى الخروج منه باستمرارية مجلس الشعب ردحاً وقد “بات أمراً واقعياً” وأن “تدفع القوى المتحكمة في سلطته التشريعية، إلى تبني الدعوة إلى مؤتمر وطني جامع”. ولكن كيف لهذه القوى المتحكمة فيه أن تقوم بذلك والرئيس الجديد “مصدر كل تشريع”؟
إن الصيادي يضع بذلك كله شرعية الغلبة الفقهية في معضلة تاريخية، لأنها لا تقول بمجلس تشريعي مدني ولا بسن القوانين ولا من دستور يفصل بين السلطات.
كيف تدار سورية؟
يجيب الصيادي أن كل الشواهد تدل على أن سورية في عهدها الجديد تحكم من خلال “حزب / قوة منظمة” هي التي “وضعت السيد أحمد الشرع في منصب الرئيس وهي التي صاغت الوثيقة الدستورية وحددت مجلس الشعب وبناء الجيش….”
بناء عليه فإن هذا “الحزب / القوة المنظمة” هي هيئة تحرير الشام التي تعيدنا بدورها إلى نفس آلية “الحزب القائد” الأسدي بحيث تصبح معادلة إدارة البلاد:
الحزب / القوة المنظمة (هيئة تحرير الشام) = صياغة الدستور الانتقالي + تشكيل مجلس الشعب + إدارة الجيش + هيكلة الاقتصاد + السياسة الخارجية.
ولكن إذا كانت هذه المعادلة لم تستقم مع الحزب الأسدي فكيف لها أن تستقيم اليوم أو غداً مع حزب هيئة تحرير الشام والذي “يجب الإعلان عنه” حسب الصيادي ليصبح الحزب القيادي مع السلطة الجديدة. إذن كفى الأحزاب في سورية بحثاً عن التعددية السياسية ومنافسة البرامج الحزبية .
القوى الوطنية الديمقراطية المقصية وبناء المستقبل
وبالرغم من إشارة الصيادي إلى تضحيات قوى الشعب المختلفة ضد النظام البائد، فإنه يقفز عن مشروع التغيير الوطني الديمقراطي السيادي الذي كان قد سبق الانتفاضة الشعبية 2011 واستمر معها وحتى اليوم وما زالت قواه تطالب بالشرعية السيادية السورية والانتقال الديمقراطي وتطبيق القرار 2254 وكافة القرارات الدولية بصدد سوريا.
بهذا فإن سورية في مأزقين:
أولاً – مأزق سياسي داخلي برفض السلطة الحالية الانتقال الديمقراطي والبناء الوطني المشترك على منوال المنتصر يقرر. إنه مأزق احتكار السلطة والدولة الجهادية الأحادية العسكرية وحزبها القيادي، لماذا؟ لأن “هيئة تحرير الشام أصبحت منذ كانون الأول 2024 هي المسؤولة عن الانتقال بسورية نحو المستقبل” كما يؤكد الصيادي نفسه.
ثانياً – مأزق استراتيجي فالصيادي وإن يشير إلى الأخطار الاستراتيجية لتعافي سورية الداخلي، فإنه لا يربطها بالأخطار الخارجية، ذلك إن جيوشاً أجنبية محتلة لم تخرج من الشمال أو الجنوب مع نهاية النظام البائد حتى اليوم وبالتالي كيف يمكن لسورية أن تتعافى بالاحتلال الأجنبي لأراضيها في الشمال والجنوب؟
الصيادي والانقطاعات الفكرية والسياسية
وإذا كان الصيادي يتحدث عن “الوحدويين الناصريين” فإنه يقطع مع الناصرية وحدة وهوية ومشروعاً عربياً شكل جزءاً من الثورة العالمية ضد الإمبريالية والتبعية الأجنبية.
كما أنه يتموقع على الضفة الأخرى من تجديد الناصرية مع د. جمال الأتاسي على ركائز الديمقراطية الاجتماعية والحياد في الصراعات الدولية والتعددية السياسية الديمقراطية .
ولا يمكننا إلا الإشارة بنفس الوقت إلى رؤية الصيادي على أن “السنة والعرب في سورية، وفي العالم العربي هم الأمة، ليس لأنهم الأكثرية – وهم الأكثرية حقاً – وإنما لأنهم الحاضن لكل أطياف الأمة”
نجدنا في هذه الأطروحة الأيديولوجية التي تستخدمها بعض أطراف السلطة الحالية في مقولة الأكثرية والأقليات الدينية، على نفس نمط المثقفين التقليديين في فرنسا والذين كانوا يعتبرون أن الأمة الفرنسية هي أمة كاثوليكية وأنها حاضنة لكافة الأطياف الأخرى.
بيد أن التاريخ لا يدلل على ذلك لأن هذه المركزية الأيديولوجية الدينية أشعلت الحروب المذهبية وفتحت الطريق واسعاً لأن يقول الملك لويس الرابع عشر الكاثوليكي “أنا الدولة”، عدا عن أن النظام الشرقي السلطاني كان قد وظفها سلطة استبدادية “لطبائع الاستبداد”.
الانقلاب على الفكرة النهضوية وخطها التاريخي
والواقع أن الصيادي يجد في نمط رؤيته الفكرية والسياسية والاجتماعية بديلاً إن لم نقل انقلاباً على الخط التاريخي لفكرة النهضة الثقافية واللغوية والتحررية ضد الوصاية العثمانية وضد الانتداب الأجنبي.
فهذه الفكرة تنطلق من وحدة المجتمع الكلي اجتماعياً، وإقامته للدولة الدستورية سياسياً وإنجاز شرعية الحكم عبر صناديق الاقتراع .
إنها الفكرة التي تجسدت خطاً تاريخياً في المؤتمر التأسيسي الجامع عام 1920 واستمرت صعوداً ضد المجتمع التجزؤي الطائفي والقبلي والعرقي في وحدة سورية عام 1936 بالدين لله والوطن للجميع، وفي الاستقلال الوطني عام 1946 والدولة الوطنية البرلمانية عام 1947 وفي تأصيل تأسيس سورية وحدة وطن ومواطنة وشعب ودولة عام 1954 ضد المجتمع العسكري الأحادي، دولة وقيادة وحكم الغلبة، على غرار ما طرحه الصيادي.
إنها فكرة المجتمع الواحد الكلي الذي ينهض بعقده الوطني المواطني وبدولته الدستورية على قاعدة الدين لله والوطن للجميع، ومنه تأتي شرعية الحاكم الانتخابية، وبه تتعافى سورية اليوم وغداً.
المؤتمر الوطني السوري العام
خاتمة نقول إن د. الصيادي فيما يقدم لم يخرج السلطة الجديدة من سمات بنية النظام المنصرم، بل إن سورية تستمر في مأزق تاريخي لشرعية الغلبة الصيادية وتسويق جهادية المنتصر مصدراً لكل السلطات وبوضع سورية في أزمة سياسية واجتماعية وجيو-استراتيجية حادة جديدة لن تجد حلاً لها إلا بمؤتمر وطني لكل السوريين.
20-10-2026

Social Links: