🔷 أبواق السلطة عند علي الوردي

🔷 أبواق السلطة عند علي الوردي

كريم جدي

لم يستخدم علي الوردي مفهوم «أبواق السلطة» بوصفه مصطلحًا نظريًا مركزيًا له تعريف واحد وثابت، لكنه ناقش بوضوح ظاهرة المثقفين والخطباء والكتّاب الذين يتحولون إلى أدوات لتبرير السلطة والدفاع عن مصالحها، ضمن نقده لبنية المجتمع العراقي والعربي وآليات إنتاج الطاعة.

🔹 من هو «بوق السلطة»؟

يمكن فهمه عند الوردي بوصفه الشخص الذي لا يكتفي بتأييد السلطة، بل يستخدم موقعه الثقافي أو الديني أو الإعلامي لمنح السلطة شرعية فكرية وأخلاقية.
فهو لا يقول للناس فقط: «أطيعوا الحاكم»، وإنما يصنع خطابًا يجعل طاعة الحاكم تبدو وكأنها:
واجب ديني.
واجب وطني.
مصلحة اجتماعية.
حفاظ على الاستقرار.
دفاع عن الأخلاق والقيم.
وهنا تكمن خطورة الظاهرة في نظر الوردي: السلطة لا تحتاج دائمًا إلى القوة إذا استطاعت أن تجعل بعض الناس يتولون الدفاع عنها بالكلمات.

🔹 لماذا يصبح المثقف بوقًا للسلطة؟

يربط الوردي ذلك بطبيعة الإنسان والمجتمع، وبخاصة ازدواجية الشخصية والصراع بين القيم المعلنة والمصالح الواقعية.
فقد يتحدث المثقف عن الحرية والعدالة عندما يكون بعيدًا عن السلطة، لكنه عندما تقترب منه السلطة أو تمنحه امتيازًا، قد يعيد صياغة أفكاره بما يتلاءم معها.
وهنا تظهر إحدى أفكار الوردي المهمة: الإنسان ليس دائمًا مدفوعًا بالمبادئ التي يعلنها، بل قد تتدخل المصلحة والمكانة الاجتماعية والخوف والطموح في تشكيل مواقفه.

🔹 السلطة لا تصنع الأبواق من الصفر

النقطة الأعمق عند الوردي أن المشكلة ليست في الحاكم وحده.
فالسلطة تجد حولها أشخاصًا مستعدين للقيام بهذا الدور، لأن المجتمع نفسه قد ينتج ثقافة تميل إلى تمجيد القوي والبحث عن رضاه.
ولهذا يمكن أن يصبح:
الحاكم ← بحاجة إلى تبرير
المثقف ← يقدم التبرير
الجمهور ← يتلقى التبرير
فتتحول السلطة من قوة سياسية إلى منظومة اجتماعية وثقافية.

🔹 المفارقة التي يكشفها الوردي

قد يكون أخطر المدافعين عن السلطة ليس الجندي الذي يحمل السلاح، وإنما المثقف الذي يحمل القلم؛ لأن الجندي يستطيع أن يُخضع الجسد، بينما المثقف الموالي يستطيع أن يحاول إقناع العقل بأن الخضوع فضيلة.
ومن هنا يمكن قراءة نقد الوردي للوعاظ والخطباء والمثقفين الذين يبررون للسلطة، لا باعتبارهم مجرد أفراد سيئين، وإنما باعتبارهم جزءًا من آلية اجتماعية لإنتاج الطاعة.

🔷 الخلاصة

في المنظور الوردي، «بوق السلطة» هو صاحب الخطاب الذي يفقد استقلاله النقدي، فيتحول من مراقبة السلطة ومساءلتها إلى تبريرها والدفاع عنها، مستفيدًا من الدين أو الثقافة أو الوطنية أو الأخلاق لإضفاء الشرعية على قراراتها.
وهذه الفكرة تتقاطع مع مفهوم «المثقف المؤدلج» عند مفكرين آخرين، لكنها عند الوردي ترتبط بصورة أكبر بمفاهيمه عن ازدواجية الشخصية، والتناشز الاجتماعي، والصراع بين البداوة والحضارة، وتأثير المصلحة والمكانة الاجتماعية في السلوك.

🔷 رابط مهم جدا:

  • Social Links:

Leave a Reply