الربيع العربي وهشاشة الانظمة والبديل السياسي

الربيع العربي وهشاشة الانظمة والبديل السياسي

الجزء- 2
مطيع اتاسي


هي كفاية المقال توتر سني–شيعي لم ينته.

إيران تريد ألا تخسر كل ما بنته في المنطقة.

روسيا ما تزال موجودة عسكرياً في الساحل؛ وفي سبتمبر 2026 عادت قافلة روسية لتزويد منشآت طرطوس وحميميم بعد اتفاق جديد أعاد تنظيم الوجود الروسي هناك.

إسرائيل موجودة عسكرياً في الجنوب، وتريد ترتيبات أمنية تقلل قدرة دمشق على التحرك بالقرب منها، كما دعمت قوى درزية وتحدث مسؤولون إسرائيليون عن حماية الدروز وعن سوريا أكثر لامركزية وضعفاً من الدولة المركزية القديمة.

وتركيا بدورها لا تستطيع النظر إلى سوريا إلا من منظور أمنها القومي أيضاً:

الحدود.

المسألة الكردية.

إيران.

إسرائيل.

واللاجئون.

وهنا تصبح المأساة السورية واضحة:

كل طرف خارجي لديه سبب مشروع من وجهة نظره للتدخل.

لكن مجموع هذه المصالح قد يجعل بناء دولة سورية مستقلة أكثر صعوبة.

الفقر يحول الخوف إلى طائفية

وهناك عنصر يجعل هذه البيئة أكثر خطورة:

الفقر.

في المجتمع المزدهر تستطيع المنافسة السياسية أن تدور حول الضرائب والتعليم والاقتصاد.

أما في المجتمع الذي يخاف فيه الإنسان على راتبه وخبزه وكهربائه وأمن أسرته، فيصبح الانتماء الأولي أكثر إغراءً.

إذا لم تستطع الدولة حمايتي، أبحث عن طائفتي.

إذا لم تستطع الطائفة حمايتي، أبحث عن الخارج.

وهكذا يصبح كل مكوّن سورياً قابلاً لأن يتحول إلى بوابة لقوة خارجية.

السني يمكن أن يبحث عن عمق سني.

العلوي عن حماية روسية أو غيرها.

الدرزي عن إسرائيل أو روابط إقليمية أخرى.

الكردي عن دعم دولي خاص به.

ولا يعني هذا أن الجماعات تريد التقسيم بالضرورة.

بل يعني أن الخوف نفسه يصنع التقسيم تدريجياً حتى من دون قرار رسمي به.

وهنا تصبح حادثة محلية صغيرة قابلة للانتقال بسرعة:

قتل طائفي.

جنازة كبيرة.

خوف جماعي.

تسلح محلي.

تدخل خارجي.

ثم تتحول مشكلة قرية إلى مشكلة دولة.

التفكك هو الجائزة الكبرى لرجال الدين وأمراء الحرب

إذا انقسمت سوريا إلى مناطق سنية وعلوية ودرزية وكردية، لن ينتصر أي مكون فعلياً.

قد ينتصر بعض القادة.

قد يصبح رجل الدين رئيس كانتون.

وقد يصبح قائد الفصيل وزير دفاع دائم.

وقد تجد بعض الدول الخارجية التعامل مع خمسة كيانات ضعيفة أسهل من التعامل مع دولة واحدة.

لكن السوري نفسه يخسر.

السني يخسر سوقه وجغرافيته وبلده.

العلوي يتحول إلى أقلية محاصرة تحتاج حامياً دائماً.

الدرزي يصبح في منطقة صغيرة بين قوى أكبر منه.

والكردي يبقى داخل صراع مفتوح مع تركيا ومحيطه العربي.

التقسيم لا يحل الخوف.

يحوّل الخوف إلى حدود.

وهذا ربما يكون أسوأ ميراث يمكن أن تتركه هذه المرحلة.

ثالثاً: الأمل… العالم لا يريد موت سوريا

بعد كل هذا التشاؤم توجد حقيقة أخرى لا تقل أهمية.

وهي ربما السبب الأساسي الذي يجعل سوريا حتى الآن في المنطقة الواقعة بين الحياة والموت:

لا أحد تقريباً يريد انهيارها الكامل.

لكن كل طرف يريد استقرارها لسبب مختلف.

أمريكا تريد سوريا لا تعود فيها داعش، ولا يعود من خلالها الجسر الإيراني الذي يربط طهران بالعراق ثم سوريا وحزب الله.

أوروبا تريد استقراراً يسمح بعودة السوريين ويمنع موجة لجوء جديدة. بالفعل عاد أكثر من 1.6 مليون سوري من الخارج منذ سقوط الأسد، وانخفضت طلبات اللجوء السورية في أوروبا بشدة، لكن المؤسسات الأوروبية نفسها تحذر من أن الاقتصاد والخدمات والأمن ما تزال تجعل العودة المستدامة هشة.

تركيا تريد دولة قابلة للحياة جنوب حدودها كي لا تستقبل ملايين اللاجئين مرة أخرى، ولكي تمنع قيام تهديد أمني كردي على حدودها.

والدول العربية تريد سوريا خارج محور إيران، بلا كبتاغون، وبلا فوضى جهادية أو موجات نزوح جديدة.

حتى النظام المالي الدولي بدأ يعيد فتح الأبواب ببطء؛ ففي أكتوبر 2026 استطاعت سوريا إصدار أول اعتماد مستندي لها منذ 14 عاماً لصفقة مشتقات نفطية مع أرامكو السعودية بمساعدة JPMorgan، وهي خطوة صغيرة لكنها تشير إلى عودة تدريجية إلى النظام المالي الدولي.

إذن هناك مصلحة دولية حقيقية في بقاء سوريا.

لكن هنا المفارقة:

العالم يريد بقاء سوريا، لكنه لا يستطيع أن يبنيها مكان السوريين.

أمريكا تريد منها قدراً من الاستقرار يكفي لهزيمة داعش ومنع إيران.

أوروبا تريد استقراراً يكفي لمنع اللجوء.

تركيا تريد استقراراً يكفي لحماية حدودها.

والخليج يريد استقراراً يكفي لمنع عودة سوريا إلى المعادلة الإيرانية.

لكن هذه ليست بالضرورة رؤية كاملة لدولة سورية ناجحة.

قد يكون ما يريده الخارج ببساطة:

سوريا لا تنهار.

بينما يحتاج السوريون إلى أكثر من ذلك بكثير:

سوريا تعيش.

بين الحياة والموت

وهنا نصل إلى السؤال الذي لا أملك له إجابة كاملة:

كيف تتحول سوريا من دولة على جهاز التنفس إلى دولة فاعلة؟

كيف نبني حياة سياسية بعدما ماتت لعقود؟

كيف يتحول التنظيم إلى مؤسسة؟

كيف يعود رجل الدين إلى مجاله الطبيعي من دون أن يشعر أن المجتمع يطرده من الحياة العامة؟

كيف يصبح الجيش تابعاً للدولة لا صاحباً لها؟

كيف نبني طبقة وسطى وإعلاماً وأحزاباً واقتصاداً بينما الناس تحتاج الطعام والكهرباء اليوم؟

لا أعرف.

وربما لا يملك أحد وصفة جاهزة.

لكنني أعرف شيئاً واحداً.

هذه لحظة تاريخية في عمر الدولة السورية.

ربما لا تحدد حكومة السنوات القادمة فقط.

بل تحدد إن كانت سوريا التي عرفناها ستبقى موجودة أصلاً.

قد نختلف على شكل الحكم.

على مركزية الدولة.

على موقع الدين.

على العلاقة مع العرب وتركيا والغرب.

على الاقتصاد والدستور.

لكن قبل كل ذلك يجب أن يبقى هناك بلد نختلف داخله.

تقسيم سوريا خسارة لكل السوريين بلا استثناء.

وقد يكون ربحاً لبعض رجال الدين وأمراء الحرب والقوى الخارجية.

أما الانتصار السوري الوحيد الممكن اليوم فمتواضع جداً:

أن تبقى سوريا.

أن تبقى حلب ودمشق وحمص واللاذقية والسويداء والجزيرة داخل دولة واحدة.

أن يشعر السني والعلوي والدرزي والكردي والمسيحي أن خسارته الانتخابات أو السلطة أو النفوذ لا تعني خسارته وطنه.

أن نستطيع تغيير الرئيس من دون تغيير الخريطة.

وأن تسقط الحكومة من دون أن تسقط الدولة.

وأن يبقى الخلاف سياسياً، لا يصبح حدوداً.

العالم قد يمنح سوريا بعض الوقت لأنه لا يريد انهيارها.

لكن الوقت الذي يمنحه الخارج لن يكون مفتوحاً.

وعلى السوريين أن يستخدموه لبناء ما لم يستطع الخارج أن يبنيه لهم:

دولة أكبر من الطوائف، وأكبر من الفصائل، وأكبر من رجال الدين، وأكبر حتى من الرجل الذي يحكمها.

وإذا نجحوا في ذلك، فلن تكون سوريا قد انتصرت على إسرائيل أو تركيا أو إيران أو روسيا.

ستكون قد حققت انتصاراً أصعب بكثير:

أن تنتصر على أسباب تفككها هي.

وإذا لم يحدث ذلك، فلن يكون هناك منتصر.

سيكون هناك فقط…

سوريون خسروا سوريا.

  • Social Links:

Leave a Reply