كيف تكون الديمقراطية وكيف لا تكون – د. فالح عبد الجبار 2/2

كيف تكون الديمقراطية وكيف لا تكون – د. فالح عبد الجبار 2/2

تنشر الرافد اليوم  الجزء الثاني من مقالة عالم الاجتماع العراقي د. فالح عبد الجبار الهامة حول الديمقراطية وهي بعنوان: (كيف تكون الديمقراطية وكيف لا تكون). 

 

أما المقاربة السياسية للديمقراطية فتركز على طبيعة الدولة ونسبية استقلالها او بنيتها المؤسساتية. وهذه رؤية (ثيدا سكوتشبول) في كتابها: “الدولة والثورات الاجتماعية”. ان وجود الدول الضعيفة، كما كان الحال في بريطانيا القرن السابع عشر، او الدول القوية، كما هو الحال في فرنسا الملكية إبان القرن الثامن عشر، يحدد طريق الديمقراطية او ألتطور السياسي اللاديمقراطي. اما المقاربات الثقافية، فللأسف، وافرة الا انها تظل قاصرة عن التفسير. ذلك ان الثقافات هي نظم من المعاني الدفاقة والمتغيرة. إن المقاربة الثقافية مفيدة فيما لو تخلصت من ثنائية فيبر الشرق – الغرب (العقلانية واللاعقلانية)، أو الغرب والآخرين. ويذهب بعض الثقافيين الى السخف المنطقي في وسم ثقافات معينة بالميل الحتمي نحو الدكتاتورية؛ مختزلين الثقافة إلى الدين أو حتى إلى طائفة أو فئة من هذا الدين أو ذاك. لقد ازدرى عظماء فلاسفة اليونان الديمقراطية لأنها تضمنت المساواة بين النخبة المتعلمة والجموع الجاهلة والعاطفية من المواطنين؛ وقد كان (أفلاطون) هو النخبوي الذي حلم ب “جمهوريته الفاضلة”، التي يديرها ملك – فيلسوف. في العوامل الخمسة آنفة النكر حاولنا التأسيس لما هو اساسي لنشوء الديمقراطية: وهي العلاقة بين الدولة والمجتمع. إن النماذج المتنوعة لهذه العلاقة يمكن ان تختصر في ثلاثة احتمالات مجردة: إما ان تكون الدولة قوية جدا فتصبح بذلك سيدة المجتمع المدني؛ او ان الدولة في حالة توازن مع المجتمع المدني وأخيرا ان تكون الدولة أضعف من المجتمع المدني. ونعتقد ان النموذجين الأخيرين فحسب يتيحان نمو الديمقراطية، أو ما يسميه (روبرت داهل) حكم المراكز المتعددة (Polyarchy).

 

حاولنا فيما تقدم ان نكشف النمو المتفاوت لمختلف الأمم التي يتوجب عليها أن تحل مشكلة بناء الديمقراطية بعد آن أصبحت هذه فرضا عالميا. إن لبعض الأمم ميزة وترفأ في النمو المتدرج للمظاهر المختلفة للحكم الديمقراطي خلال قرون من مؤسسات ومعايير وإجراءات. مثل هذه الأصول تعود في منشئها إلى القرن الثالث عشر ممثلا في “العهد الأعظم- Magna Charta ” او الوثيقة البريطانية التي أكره فيها النبلاء الانكليز الملك جون على إقرارها عام 1215، والى الجمهوريات الإيطالية في العصر الوسيط التي تميزت بإرساء نظم اولية للانتخابات (بالقرعة) وتقسمها المبكر للسلطات ومحاسبة الدولة؛ وكذلك البرلمان الفرنسي ذو الثلاث طبقات الذي سبق ثوره 1789 بوقت طويل. او لنأخذ المجتمع الأمريكي الذي تبنى الديمقراطية الأثينية المباشرة التي نمت في القرن السابع العشر قبل حرب الاستقلال بوقت طويل. ونجد أمتع التحليلات لهذه العملية التاريخية في كتاب (اليكسيس دي توكفيل) “الديمقراطية في اميركا” او لدى (اهرنبرغ) في “المجتمع المدني”، لقد استغرق الأمر عدة قرون قبل أن يتشكل وينضج نموذج حكم يقوم على الدستور ونظام التمثيل والمشاركة الشاملة التعددية وحكم القانون وبقية عناصر الحكم الديمقراطي المعترف بها عالميا. إن اي تحول من حقبة اجتماعية سياسية الى حقبة أخرى كان دائما يتم بالعنف وكان في بعض الأحيان مباغتا وغامضا. إن المساعي إلى إدخال “الطبقة الثالثة” في النظام السياسي ايام الملكية المطلقة، تطلب ثورتين في بريطانيا وهما الثورة البيوريتانية عام 1654 والثورة المجيدة عام 1696، على الرغم من ان نوعا من التوافق والمساومات بين التاج والنبلاء والعموم (أي سكان المدن) قد ساعد في تسهيل ولادة الديمقراطية الدستورية الحديثة البريطانية. آما الفشل في الوصول إلى مثل هذه التوافقات في فرنسا في القرن الثامن عشر بين التاج والنبلاء والطبقة الثالثة جعل الأخيرة تتطرف وانتهى الأمر إلى ثورة دامية. وكان ظهور “الطبقة الرابعة” في اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وسط الفئات الحضرية غير المالكة، ومطالبتها بالمشاركة السياسية قد ادى إلى إشعال لاضطرابات التي قوضت الديمقراطيات الناشئة في ألمانيا وايطاليا القرن العشرين. ولعل فتح الباب امام النساء للمشاركة السياسية هو وحده الذي شكل انعطافه سلمية. إن الأمم، وهي في اغلبها غير أوروبية، وغير صناعية، الني تحتم عليها مواكبة النموذج العالمي للديمقراطية لم تتوفر لها في الحقيقة مثل هذه الرفاهية في التدرج، يل ساقها الحظ العاثر إلى التطبيق السريع المشحون بالغموض والانعطافات الحادة، الجامحة سيئة العواقب. لقد تحتم على هذه الأمم ان تضغط كل المستويات والتدرجات لمثل هذا النمو في قفزة واحدة هائلة. لقد كان لا بد من اختزال الزمن، ولا بد أن يضغط النمو في سترة الضرورة الضيقة ٠ فبعضهم فشل جزئيا، او بعبارة ألطف، نجح جزئيا؛ وآخرون تهاووا او تأرجحوا؛ او ارتدوا نحو الخلف لينالوا هلاكهم. إن القرن العشرين مليء بجثث الأمم التي فشلت فيها الليبرالية، في كل من القارة القديمة (أوروبا) وفي البلدان النامية على حد سواء. وعلى المدى القصير يبدو نمو الديمقراطية دائريا: صعودا وهبوطا، اي نجاحا وإخفاقا. أما على المدى الطويل، يبدو المسار العام خطيا (أي استمرارية متصلة). وكذلك فإن المسالك المؤدية إلى الديمقراطية متباينة. ثمة مقاربات سوسيولوجية دولتية وثقافية لدراسة المصائر السياسية للأمم من ناحية نشوء أو بناء الديمقراطية فيها. وإن هذه المقاربات وغيرها تشير بجلاء إلى تنوع المسالك للوصول إلى هذا الهدف: الديمقراطية.

 

إن التوسع الراهن في الإصلاح الديمقراطي، الذي ينفتح في ظل ظروف متنوعة على نحو لانهائي وطنيا وإقليميا وعالميا، ويتفتح في مجتمعات متنافرة تنافر وتباعد الأكوان من ناحية تكويناتها الثقافية والاجتماعية، قد ادى إلى ظهور أدوات دقيقة لفحص نمو الديمقراطية وتحليل عواملها. إن مؤلفي كتاب “الديمقراطية في البلدان النامية”، مثلا، يناقشون في سفرهم الكبير مجموعة من المتغيرات السياسية المؤسساتية والاجتماعية كي يقارنوا بين قارات أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية أو كي يقارنوا بين دول منفردة داخل الإقليم الواحد او القارة الواحدة. إنهم يدرسون الإرث الكولونيالي والثقافة السياسية، والشرعية، والمؤسسات والبنى السياسية والعلاقات بين الدولة –المجتمع (المجتمع المدني) والمحيط الخارجي.

 

كيف تبدو الديمقراطية في بداية القرن الحادي والعشرين؟

انطلاقا من (فيليب س. شميتر) و (تيري لين كارل)، فإن الديمقراطية، أو “حكم تعدد المراكز” كما يعرفونها مستعملين اصطلاح (روبرت داهل)، “اهي نظام للحكم يحاسب فيه المواطنون حكامهم عن أعمالهم” ويتنافس فيه المواطنون بصورة غير مباشرة عبر ممثليهم المنتخبين.

 

إن؛ لإدراك بأن الديمقراطية لا تتضمن نظاما مؤسساتيا واحدا وحيدا، بل تتآلف بالأحرى من انماط عديدة ولها ممارسات متنوعة، يعني ان العناصر الرئيسة التي تعرف الديمقراطية هي: إنها نظام للحكم يتأسس على قواعد مدونة (دستور) لإشغال المناصب في الحكومة وخضوع الحكام للمحا سبة والاعتراف بسلطتهم فقط اثناء احتلالهم لمنا صبهم الرسمية. وتتميز الديمقراطية بوجود ميدان عام يقرر المعاير الجماعية والاختيارات الملزمة لكل المجتمع والمسندة بقوة الدولة. إن المواطنين هم العنصر الأكثر تميزا في الديمقراطيات، اي الاعتراف بكل أعضاء المجتمع باعتبارهم اعضاء متساوين من دون اي تقييد على اشغالهم المناصب الحكومية او مشاركتهم السياسية تبعا إلى معايير العمر والجنس والطبقة والعرق والتعليم والملكية، والقدرة على دفع الضرائب؛ إن المنافسة عامل اساسي في الديمقراطية الحديثة من ناحية صنع القرار، والانتخابات المنتظمة وحق المواطنين في التأثير على السياسة العامة بالتماس وسائل أخرى (الجمعيات والحركات الاجتماعية وما شابه)؛ وقاعدة حكم الأكثرية (أكثر من 50 ٪ ) أو حكم الأكثرية الموصوفة (الثلثين) لحماية حقوق الأقليات، أو لحماية الترتيبات الدستورية. إن الأكثرية الموصوفة تتطلب لوائح للحقوق المدنية، أو الكونفدرالية آو الفيدرالية أو التوافقية (التوافقية والتشاركية هما صيغتان لسير النظام السياسي تقوم الاولى على عدم اتخاذ قرار من الأغلبية بدون موافقة الجماعات الصغيرة، اما التشاركية فتتعلق بإقرار السياسات الاقتصادية على أساس موافقة ثلاثية والمكونة من الدولة وارباب العمل ونقابات العمال) وكل صيغة من هذه الصيغ تحتاج إلى امور معينة (قرارات، تعديلات دستورية او ما شابه ذلك) بعيدا عن مفهوم الأكثرية البسيطة؛ والتعاون بين الفاعلين السياسيين لصوغ قرارات جماعية. فضلا عن ذلك ثمة إطار إجرائي، تتكون أدنى عناصره من:

1- السيطرة على القرارات السياسية للحكومة مسندة دستوريا إلى الهيئات المنتخبة.

2- المسؤولون المنتخبون يختارون في انتخابات متكررة وعادلة تستبعد القسر نسبيا.

3 – يحق لكل البالغين من الناحية العملية انتخاب المسؤولين.

4 – كل البالغين من الناحية العملية لهم الحق في إشغال المواقع الانتخابية في الحكومة.

5- للمواطنين الحق في التعبير عن أنفسهم من دون خوف من التعرض إلى عقوبة.

6- للمواطنين الحق في البحث عن مصادر بديلة للمعلومات. فضلا عن أن المصادر البديلة للمعلومات موجودة ومحمية من قبل القانون.

7- للمواطنين أيضأ الحق في تشكيل جمعيات أو منظمات مستقلة نسبيا، يما في ذلك الأحزاب السياسية المستقلة والجمعيات الخيرية.

إزاء هذه المعايير، فإن الكثير من الديمقراطيات الناشئة(حديثة الظهور) كانت فاشلة او شبه فاشلة او محدودة النجاح.

وهنا نجد ان لأغلب الدول النامية سجلا سيئا مثلها مثل القليل من دول وسط أوروبا. أما الشرق الأوسط فهو أشد قتامة.

وبحسب قياسات نادي الحرية لتقييم حال الحريات السياسية (PR) والحريات المدنية (CL) فان تدرجات الحرية هي كما يلي: من بين 19 دولة من ضمنها كل الدول العربية وإيران وتركيا واسرائيل، ثماني دولي منها حرة جزئيا و6 ليست حرة وواحدة فقط حرة هي إسرائيل. ومن الدول الست التي وصفت بأنها “ليست حرّه” تفتقد كلها الحرية إلى درجة كبيرة او تغيب عنها الحريات السياسية والمدنية. وكان العراق والسعودية العربية وسوريا وليبيا من بين أسوآ الحالات. إن للسعودية وليبيا تاريخا طويلا من البيئة البدوية ما قبل السياسية كما عاشت في ظل نظم حكم وراثية سلطانية كاريزمية. في عام 1971 انضمت ليبيا إلى مجموعة دول السلطة العسكرية التسلطية. أما العراق وسوريا فينتميان إلى مجموعة نظام الحزب – الواحد. وتحكم السودان حكومة تسلطية عسكرية في الوقت الحالي ولها ماض يشبه الحكم الوراثي الذي قام في ليبيا أيضا. وباستثناء الكويت وتركيا والأردن، فإن كل الدول المحيطة بالعراق ذات طبيعة متشابهة من انعدام الديمقراطية.

  • Social Links:

Leave a Reply