محمد زادا  – أمي لا تعرف غيفارا .

محمد زادا – أمي لا تعرف غيفارا .

محمد زادا

أمي لا تعرف غيفارا .

في بيت صديق لي أستغلت أمي الفرصة وهمست لي تشير إلى صورة معلقة فوق الخزانة عاليآ. 

– مين ها الشب يا أبني .

كانت تقصد صورة غيفارا. . بالرغم من أنها لم تكن الصورة الوحيدة في غرفة الجلوس .. كانت هناك صور أخرى لأفراد العائلة الغائبين تحت التراب .. أنه تقليد أنساني نحتفظ بصورهم في صدر البيت فقط حين يموتون . 

ولكن لماذا تختار أمي صورة غيفارا من بين كل الصور وتنكزني مرة أخرى بفضول ..

– مين هالشب يا أبني …

وأنا أحاول إيجاد أي أختصار لهذا الأسم غيفارا كي أقطع فضول أمي الذي لا يتوقف عند الأسماء . 

أمي لم تذهب إلى المدرسة لأن خالي مجيد منعها وبرر لها منعه بكلمة واحدة ( عيب ) لتقضي حياتها في خدمة أهلها حيث كانت الفتاة الوحيدة بين أربعة صبيان إلى أن طرقت جدتي أم والدي بابهم في زيارة تفحصية لتلقي نظرة على الصبية التي صارت أمي أن كانت تناسبهم.. وكانت الزيارة إيجابية كما توقعها الجيران الذين كانوا يتمتعون بمزايا محرك غوغل للبحث السريع والدقيق . وتم الأتفاق وتحديد موعد العرس في جلسة التعارف الأولى بينما كانت أمي حينها تسترق النظر من شباك المطبخ وتراقب المرأة الغريبة التي دخلت قبل نصف ساعة وصارت في مثابة أمها بل والآمر والناهي لحياتها البالغة 16 ربيعآ صغيرآ .

لم يمض أسبوعان وكانت تلك الصبية في بيت ذلك الشاب الذي ينتمي لعائلة كبيرة ضيوفهم كثر فسرعان ما أخذت أمي التعليمات وألتحقت بمطبخ العائلة لتباشر عملها مع زوجات أعمامي في خدمة البيت الكبير .. ثم بدأت بالأنجاب وزوجات أعمامي أيضآ أنجبن وكانت أول زيارة لأمي الى بيت طفولتها جاءت بعد ان وضعت مولودها الأول بثلاثة أشهر ..وطوال تلك المدة كانت الأخبار والسلامات تأتيها عن طريق الباعة الجوالين وسائق الباص الوحيد الذي كان يعمل على الخط والذي كان يعرف كل أسرار تلك القرى . 

لم يكن لدى أمي فيسبوك ولا سكايب ولم تكن تعرف شيئآ عن الأجهزة الذكية فكانت تحتفظ بقطعة شال من رائحة أمها وتكتفي بأستنشاقها كلما هاج الحنين في قلبها .. 

ولهذا السبب أمي لا تعرف غيفارا ولا زوجات أعمامي لم يسمعن به وأول مرة شاهدت فيه التلفاز كان في بيتنا في حلب …كما أن أمي لم تكن تفهم بالسياسة فكانت نظرتها عفوية لكل ما يحدث لكنها قالت لي ذات يوم سرآ خطيرآ وأنا طفل وطلبت مني أن أكتمه. .. 

– حرب تشرين كذبة كبيرة يا أبني .. ما تحرر شي بالعكس راحت خيرة شبابنا .. العرب ما خرجهن حروب .

حين جاوبت أمي عن صاحب الصورة التي سألتني عنها بأن أسمه غيفارا وبأنه قام بثورة عظيمة .. وضعت يدها على فمي كي لا أكمل .. فأمي التي لم تذهب يومآ للمدرسة كانت تعرف مدى خطورة هذه الكلمة ( ثورة ) وطلبت مني أن أنصح صديقي على الفور ان يقوم بإزالة تلك الصورة .. ولكن لماذا أختارت أمي صورته بالتحديد.

قالت لي مبين من عيونه رجال ..أمي التي قضت حياتها في مطبخ العائلة كانت تفهم بالعيون وتميز الرجال عن أشباه الرجال بنظرة واحدة .

ثم جاءت الثورة السورية وكانت كلما ترى صورة شهيد تقول لي عيونه بيشبهوا عيون غيفارا .. أمي التي لا تفهم بالسياسة قالت لي عندما رأت بثينة شعبان على الشاشة لأول مرة ولم تكن تعرفها حيث قالت …. هاى مبين عليها كانت رقاصة مو لابقلها الطقم.. وقالت عن مي سكاف هاى عيونها متل عيون غيفارا .. ثم توالت الأحداث وأمي لا تفارق التلفاز تبكي على كل طفل تشتم شريف شحادة تقسم لي بأنها رأت بعينيها البراميل وهي تمطر على حلب وتتعجب كيف ينكر هذا الأبن حرام ويقول (ما عنا براميل أو أوان منزلية ) أمي التي لا تفهم بالسياسة ذبلت يومآ عن يوم أمام التلفاز … بصقت على مجلس الأمن وهو يعبر عن قلقه .. بصقت على الإبراهيمي و الدابي والكوفي .. 

ووزعت السكاكر في الحي عند اول ظهور للمقدم حسين هرموش على التلفاز وهو يعلن انشقاقه .. و بصقت على بوتين ويللي جاب بوتين بصقت على قناة الدنيا و على وجه ميشلين عازار. . بصقت على أوباما والناتو والأطلسي وأردوغان والأئتلاف. . وقالت عن المعارضة في ثالث ظهور لها .. هدول خرج يعملوا فرقة رقص شرقي ويهزوا خصرهم. . وبصقت على جنيف من واحد إلى ثلاثة وبصقت على إيران والمقاومة والممانعة ..وبصقت على الخيبات والغموض حينما رأت المقدم حسين هرموش جريحآ على قناة الدنيا . أمي التي لا تفهم بالسياسة وضعت وردة على الشباك وقالت (هاي لشهداء الثورة ).

ودخلت الثورة عامها الرابع وأمي لا تترك شيئين .. صلاتها والتلفاز .. في كل صلاة ترفع يداها عاليآ وتطلب من الله الحرية للمعتقلين ….. أمي صارت تنسى دوائها فخصصت لها أختي نظامآ يعتمد على الأوان والجداول كي تعرف أن كانت نسيت .. واستمرت الثورة .. تلك الكلمة التي منعتني أمي من لفظها قبل 30 عام في حلب .. ودخلت الثورة عامها الخامس وأمي توقفت عن متابعة التلفاز الذي خربته أختي عمدآ.. أمي التي تصلي منذ أن عرفتها أمي صارت تنسى وسألتني مؤخرآ عن أسم صاحب الصورة التي رأتها ذات يوم في بيت صديق لي .

  • Social Links:

Leave a Reply