المفاوضات السورية اليوم – محمود الوهب

المفاوضات السورية اليوم – محمود الوهب

المفاوضات السورية اليوم

محمود الوهب

رغم كل ما يقال عن المفاوضات السورية، في جنيف، والمستمرة على نحو أو آخر في جنيف وحتى في سوتشي، وكذلك عن وفد المعارضة، وطريقة تشكيله، والوثائق التي تصدرعنه، إلى آخر ذلك كله.. فإنني أرى أنَّ ما يجري هو بداية انتصار للشعب السوري الذي عانى نظام الاستبداد وجلاديه على مدى خمسين عاماً ونيف.. الاستبداد الذي أوصل البلاد السورية إلى حال من التخلف المقيت على غير صعيد.. إضافة إلى أنَّه، أي المستبد، وأعوانه مَنْ فتك بالشعب السوري على مدى سبع سنوات قتلاً وتدميراً وتهجيراً وعمق معاناة وشقاء.. وقبل ذلك إفساح في المجال لا لأكثر المليشيات تطرفاً بل للدول ذات المصالح بالتدخل في الشأن السوري.. ورغم ذلك أقول:

 واهمٌ من يعتقد بأن الشعب السوري لم ينتصر، فالنظام الذي جيَّش قطعان الشبيحة، وأوقد نيران الجيش المحجوبة زمناً طويلاً عن العدو الإسرائيلي المتشوِّف على سورية والسوريين، ليطلق، هذا وذاك، على المتظاهرين السلميين، وليؤلِّب المجتمع السوري ذا الأطياف المتنوعة بعضه على بعض، وليزرع الضغائن والأحقاد، وليطفو هو على السطح، ثم ليغلق طاولة الحوار السوري/السوري التي كان قد أنشأها في النصف الأول من العام 2011، وتبين، فيما بعد، أنَّ عملية الحوار كلّها كانت نوعاً من الخداع، وذراً للرماد في العيون.. إذ لم يكتف بحله الأمني، بل استعان بالأجنبي، حين غُلِب على أمره، لسحق تمرُّد الشعب الذي لم يطالب بأكثر من حريات أوسع، وحياة أفضل.. أتابع فأقول: 

إنَّ هذا النظام سيذعن، إن اليوم أو غداً، تحت ضغوط عربية وإقليمية ودولية للجلوس وجهاً لوجه أمام ممثلي هؤلاء المحتجين ملقياً بكبريائه، وعنجهيته في سلال المهملات، مدركاً أن نظامه برمته إلى زوال.. ولن يغير من الأمر شيئاً، أن بدأت المفاوضات بغرفتين مغلقتين.. أو تعنت وفد النظام أو حرده تجاه هذه القضية أو تلك، أو احتجاجه على هذه العبارة في هذا البيان أو ذاك، وحتى مغادرته نهائياً متعذراً بأسباب واهية.. فكل ذلك لا قيمة له.. إذ ليس النظام اليوم هو الأساس في اتخاذ القرار.. ومن هنا يبدو لي أنه لا بد من رؤية أمر رئيس واحد، هو أنَّ الحرية الكاملة غير المنقوصة التي انتفض لأجلها الشعب السوري، وقدَّم ما قدَّمه من تضحيات صارت في متناول اليد ولكنها قد لا تأتي هكذا دفعة واحدة.. وإنما تحتاج إلى بذل جهد كبير ومهارة سياسية، تعمل على محاصرة المجرم الرئيس، وإخضاعه في نهاية المطاف، فلم يعد لديه من أوراق لاستخدامها.. وليس أمام من يعد نفسه ممثلاً للشعب غير رصِّ الصفوف ونبذ الأنانية القاتلة، والتحلي بالثقة بالنفس، وبأخوَّة الدرب، ورفقة الهدف الواحد.. والتمسك بما هو أساسي، ونبذ الجانبي الذي سيأتي، تحصيل حاصل، كما يقال.. ومن ثَمَّ التقدم بقوة وصدق لملاقاة حلم الحرية كما يليق بها.. حلم بناء دولة المواطنة الحقة.. حلم دولة تعددية يحكمها دستور يصوغه الشعب، وتحميه قوانين تؤكد دولة المواطنة، وتداول إدارتها.. 

إن الواقعية السياسة تقتضي اليوم هذا النهج وهي ليست عيباً، كما أنها ليست تنازلاً إذا كانت الآفاق واضحة أمام من يخوض تجربتها بعد أن اجترح نضالاً مريراً تجاه استبداد مقيت.. استبداد أسواره صماء، لم تخترق خلال خمسين عاماً.. استبداد تأسست بنيته الجوهرية على مبدأ من الألوهية الوثنية.. إذ إنَّ كل شيء مردُّه إلى الحاكم الذي هو الإله الوثني ذاته.. فهذا البناء ما إن يهتز حجر واحد في بنيانه حتى يتداعى كلُّه.. وقد أشار إلى ذلك، منذ ثمانينيات القرن الماضي، الصحفي البريطاني “باتريك سيل” في كتابه “حافظ الأسد/الصراع على الشرق الأوسط” ما ملخصه:

 “إن حافظ الأسد يريد الديمقراطية ولكنه يخشى إن حلَّ برغياً واحداً في آلة النظام أن تتخلخل الآلة كلها.” وعندئذ يفقد الأسد السلطة..! وهذا ما لا يمكن القبول به.. فالنظام ما أسس إلا لحافظ الأسد ولأسرته من بعده..

وتدرك المعارضة اليوم أنَّ من انتصر عسكرياً هم الروس والإيرانيون! أي انتصر من لا نصر له.. ومع ذلك فثمة تباينات بينهما يجب الاستفادة منها! ويجب التعاطي معهما على أرضية وطنية، فالانتهاء من داعش، ومن التطرف عموماً إنما جاء لصالح الشعب السوري وثورته أولاً.. (ولسنا بحاجة الآن للدخول إلى تفصيل ما حدث) ولكن لا بد من الانتباه إلى أمر في غاية الأهمية هو أنَّ ما يهم الروس فعلياً هو بناء علاقات مع ممثلي الشعب السوري بكامله، وليس مع طرف واحد قد لا يحقق الآمال الروسية على المدى البعيد.. وبخاصة أن لا أحد على الصعيد الدولي مع موضوعة تقسيم سورية، كما أنَّ المخطط الإيراني قد صار واضحاً ومفضوحاً، في المنطقة والعالم، ناهيكم بأن أمامه عقبة كبرى في سورية هي الغالبية السنية، وقد تعطيهم اليمن درساً مفيداً.. إذ إنَّ الإيرانيين يدركون أنَّ هذه الغالبية لا يمكن لها أن تقبل بمحاولات التغيير الديموغرافي داخل سورية.. ولا شك أنَّ المعارضة، ووفدها المفاوض يدركان أن ثمة أمرين مهمين في عالم السياسة أولهما: أنَّ السياسة هي “فن الممكن..” وأعتقد أن هذا التعريف مازال سائداً في علم السياسة حتى الآن.. أما الأمر الآخر فثمة مبدأ أو مقولة متعارف عليها في المطالب السياسية تحديداً هي:

 “خذ وطالب” وفي هذا وذاك ثمة أوِّليَّات في تقديم هذا الشعار أو ذاك استناداً إلى أهميته السياسية، وللمعارضة ووفدها المفاوض، في “صلح الحديبية” الذي وقَّعه النبي الكريم، وهو يرى نصره خلف مماحكات خصومه، أسوة حسنة.. 

إنَّ ما يهم في هذه الأوليات اليوم، هو ما يخلخل بنية النظام، أي ما يفسح في المجال، لإعادة الحياة السياسية المرجوة.. كتلك التي كانت لسورية في خمسينيات القرن الماضي.. ولا شك أنَّ وجود هيئة حكم انتقالية تتوقف معها العمليات القتالية، وتتعافى خلالها المناطق المحاصرة، ويجري عبرها الافراج عن المعتقلين السياسيين، وتفتح الأبواب أمام عودة ملايين المهجرين إلى بلدانهم، وفي ذلك مكسب عظيم للشعب السوري، أمَّا ما سيأتي بعده، فهو ليس أكثر من تحصيل حاصل، وهو قادم لا ريب..!

وأخيراً أقول إن المهام الملقاة على عاتق الشعب السوري تعب كثيراً وعانى ما لا يحتمل، أكبر بما لا يقاس مما كانت عليه قبل الثورة.. إنها المهمات المزدوجة، مهمات حركة التحرر الوطني المترافقة مع إعادة البناء السياسي والاقتصادي على نحو معاصر.. وألف بائها وجود الشعب السوري بكامل قواه على أرض وطنه..

 

  • Social Links:

Leave a Reply