إن السُّيوفَ معَاقِلُ الأَشْرافِ
عبد الرزاق دحنون
“من الأفضل أن تشرع في العوم, وإلا غطست مثل حجر”
المغني بوب ديلان
1
سألني هل عكست القصَّة القصيرة التي يكتبها القصَّاصون في ضوء الاحتجاجات الشعبية العارمة التي شهدتها العديد من البلدان العربية الوجع العميق الذي ألمَّ بهؤلاء الغوغاء (أصحاب الشحاطات)؟ قلتُ :الفن القصصي على العموم ليس فقط مرآة تعكس حال المجتمع, بل قد تظهر القصة المكتوبة بشكل جيد المخفي و المسكوت عنه, وتكون الحيلة التي يقاوم بها الناس عسف السلطة واستبدادها, وهي أحد أشكال الهمس والنميمة التي تستعملها العامة من خلف ظهر الحاكم, على حد تعبير جيمس سكوت في كتابه (المقاومة بالحيلة- كيف يهمس المحكوم من خلف ظهر الحاكم) لأننا لو عدنا لمفهوم القصّ في المعاجم لوجدناه تتبع الأثر, أي قصّ أثره قصّاً تتبعه, والخبر أعلمه, ونحن نقصّ عليك أحسن القصص, أي نبين لك أحسن البيان, والقاص من يأتي بالقصّة. والكلمة عربية , وهي تذهب إلى تتبع الأثر المتروك في رمل الصحراء. والقصّ من أفعال الحركة, ومنها جاء المقص أي المقراض. وبما أن حركة الاحتجاجات التي شهدها الشارع العربي حاولت قرض أو قصّ الظلم والاستبداد من حياة الناس فيمكننا تأكيد فكرة تقول: إن هذه الاحتجاجات لم تستلهم قيمها ورموزها من الفكر السائد عند النُخب المثقفة ماركسية كانت أو قومية أو ليبرالية أو كما وصفهم هادي العلوي البغدادي: أهل الثقافة المترجمة -وأنا هُنا لا أُعيب هذه الاتجاهات الفكرية- ذلك لأن هذه العقائد الفكرية بقيت في العالم العربي هامشية معلقة على جسم الثقافة والوعي العربيين لا جذور لها وحسب -كما يصرح بذلك صاحب كتاب: نقد السياسة الدولة والدين- بل لأنها لا تبدو في الصورة التي هي عليها اليوم قادرة على الرد على مطالب احتجاج عوام الناس وفهم أبعاد هذه الاحتجاجات المتعددة والشاملة. ويمكننا التأكيد هنا أنه بعد أكثر من نصف قرن من تجربة الأنظمة الأمنية الشمولية, جاء أوان التغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وهذه سيرورة تاريخية قليل ما يدرك أهل السلطة أبعادها كافة.
2
أظن لا مشكلة فيمن يكون الحامل أو الساعي لهذا التغيير, الملايين من نساء اليمن المكللات بالسواد, أم آلاف النساء السافرات في شوارع بعض المدن العربية, لأن النتيجة المرجوة واحدة: تغير شامل في مفهوم شرعية السلطة, ونسف لتلك الأبنية القانونية التعسفية-المخالفة لأبسط حقوق المواطن- والتي حكمت من خلالها المجتمع وأوصلته إلى حالة العبودية بأبشع صورها. وعوام الأرياف والمدن اللذين يعيشون على هامش الحياة السياسية لا يخافون من ذلك التغير الشامل -أكثر من القرد ما مسخ ربك- والذي سينقل المجتمع إلى باب الحرية التي بكل يد مضرجة يُدق–إن السُّيوفَ معَاقِلُ الأَشْرافِ- بل يظهر الخوف جلياً عند المرعوبين من أهل الثقافة المترجمة وأهل السلطة. وبما أن قوى اليسار: الاشتراكية العلمانية التقدمية القومية الوحدوية, ما تزال مرتبطة بتجربة عالمية مهزومة, وتجربة محلية سلبية, وقد أصبحت مركز توظيف نفسي وفكري خاص أنتج سلوكاً معيناً هو الذي ارتبط بسلوك النخبة الحاكمة السائدة. ولم يعد بإمكانها بالتالي أن تتحول إلى منهل لقيم جديدة, معارضة وشعبية, وأن تواكب ممارسة متجددة وتقود تجربة تاريخية جديدة. إضافة إلى أنها عند تراجع النظام العام تراجعت معه وربطت نفسها به نظراً لخوفها من مزاحمة الإسلام السياسي لها في احتلال موقع العقائديات والقيم المعارضة. وما كان لهذا إلا أن يزيد من عزلتها ويضاعف من فرص العقائدية الإسلامية في احتلال هذا الموقع دون منافس. نعم…هذا ما أكد عليه الكتاب أعلاه في مطلع تسعينات القرن العشرين. وهذا ما حصل تماما…وكأننا لا نقرأ كُتبنا لأنها مش مترجمة. وقد جاءت بعض هذه المحاولات القصصية لتعبر عن واقع هذه الاحتجاجات الشعبية الواسعة ورصدها إلا أنها لم تصنع فرقاً واضحاً في مسيرتها و انحصرت التجربة في نخب ثقافية خائبة. وفي ظني أن الأغنية الشعبية والأهزوجة والقصيدة والشعارات المكتوبة في اللافتات التي تُضمر سخرية وجرأة قاتلة من وجه الحاكم القبيح -أهل كفر نبل في محافظة إدلب في الشمال السوري مثلاً- هي المرآة الحقيقية التي عكست ما يختلج في نفوس العباد. وانظر إلى ما فعله مغني يساري من جبل العرب في الجنوب السوري من خلال أغنية واحدة بعنوان (يا حيف) أطلقها بصوته الصارخ في البرية, فكان لها وقع الزلزال, وصارت تصادر على الحواجز الأمنية كمنشور سري يقض مضجع ذلك الحصير في القصر الجمهوري.

Social Links: