أربع كرتونات من الماركسية-اللينينية – عبدالرزاق دحنون

أربع كرتونات من الماركسية-اللينينية – عبدالرزاق دحنون

أربع كرتونات من الماركسية-اللينينية

عبدالرزاق دحنون

 كُنتَ ماركسياً وتبت –سامحكَ الله- فهل أنت بالضرورة على باطل؟ وهل أنا الماركسي -ما أزال- على حق؟ هل أحدنا محق والآخر مخطئ؟ أو هل كلانا محق وكلانا مخطئ؟  لا أنا ولا أنت نعرف ذلك ولا سوانا. من ينبغي أن نسأل ليعطي القرار الصحيح؟ قد تسأل أحداً يتفق معك ولكن مادام يتفق معك كيف يمكنه صوغ القرار؟ وقد تسأل أحداً يتفق معي ولكن مادام يتفق معي كيف يمكنه صوغ القرار؟

1

في سياق هذه  التساؤلات التي كُنتُ أُحاور فيها الفيلسوف الصيني “تسوانغ تسي” ابن القرن الرابع قبل الميلاد, وصلتني أربع كرتونات كبيرة, ثقيلة, محكمة الإغلاق, بذلت جهدي في نقلها من سيارة رفيقي المتوقفة على زاوية كنيسة الروم الأرثوذكس إلى باب مكتبتي في مدخل زقاق المسيحيين في مدينة إدلب في الشمال السوري. نعم يا سادتي أربع كرتونات بلغ عدد كُتبها أزيد من مئتين. أصدقكم القول فرحتُ بهذه اللُقِيَّا. رحتُ أتصفح الكتب على مهل. الوقت وفير عكس باقي الأشياء, ولكنَّه يبقى كالسيف إن لم تقطعه قطعك. وجدت في القراءة المن والسلوى. وتذكرتُ كم كان المتنبي حكيماً في قوله: أعزُّ مكان في الدُّنا سرج سابح, وخير جليس في الزمان كتاب. السرج السابح بعيد المنال يا أبا الطيب ولكنك أنتَ هُنا في حضرة كُتب أئمة الماركسية وشيوخها و مجاهديها.

2

جُلُّ هذه الكتب قرأته وأعرف جيداً ما فيه, والبعض غِبْتُ عنه مثل كتاب (خالد بكداش يتحدث) أصدره عماد نداف عام 1993 وكنتُ تلك الأيام أعمل في أبو ظبي ولم اسمع به. وتساءلتُ في سري: هل ترك المرء كُتبه التي عاش معها سنين طويلة من حياته تعفيه من آثارها؟ أم هي مثل اللِّص الذي سرقنا مع ذلك تركناه, فماذا فعل؟ تشبَّث بنا وما كان يتركنا. وحقيقة أن يكون المرء علمانياً لا يتعارض مع كونه مسيحياً مؤمناً يُصلي في الكنيسة, وذلك لا يتعارض مع كونه ينشط في حزب شيوعي, ولا يمنعه من أن يكون صديقاً لعدد كبير من المسلمين, يدخل بيوتهم ويأكل  خبزهم. أي شخص هو عضو في جماعات مختلفة متعددة – ومن دون أن يكون ذلك تناقضاً بأي شكل من الأشكال- وكل من هذه الهويات الجمعية التي ينتمي إليها هذا الفرد تعطيه هوية اجتماعية تجعله شخصاً مهماً بالفعل.

3

عادت بي هذه الكتب إلى تلك الأيام التي لها طعم ولون ورائحة تفوح بنكهة التوابل, النعناع والزعتر واليانسون, أيام دار التقدم  و رادوغا في الاتحاد السوفيتي عندما حاول بلاشفة روسيا بقيادة حكيمهم لينين قلب الدنيا لصالح الفقراء فنزلت عليهم نازلة من بينهم. وما يزال الجياع والفقراء والمساكين  وأهل السبيل في الانتظار. مع أن لينين وعدهم في مقال خطير منشور في جريدة البرافدا في العدد 251 تاريخ السابع من تشرين الثاني سنة 1921 تحت عنوان حول أهمية الذهب: (…حين  ننتصر في النطاق العالمي, سنصنع من الذهب, كما أعتقد, مراحيض عامة في شوارع بعض أكبر مدن العالم. وسيكون ذلك أعدل استعمال للذهب واوضحه دلالة للأجيال التي لم تنس أنه بسبب الذهب ارتكبت أبشع المجازر بحق الإنسان…) حلمان في قول لينين: حلم انتصار الجياع وبناء مجتمع العدل, وحلم التخلي عن الملكية, وجعلها مشاعاً بين الناس. تحوَّل لينين في حياته إلى طاقة روحية خالصة مستثمرة لأجل الجياع. لقد أهلك نفسه من أجل الفقراء المساكين. وهذه من نوادر التاريخ, إذ المعتاد أن  يهلك الحاكم نفسه من أجل نفسه.

4

حكم لينين دولة مترامية الأطراف إلا أنه لم يخص نفسه بشيء من خيراتها, بل اختار الفقر وحتى الجوع فمات سريعاً. لو عاش لينين بضعة أعوام أخرى لاقترب من تحقيق حلمه في مجتمع لا مالك فيه ولا مملوك ولا قامع ولا مقموع, مجتمع مشاعي كما تبلور في وجدان أهل الحكمة والفلسفة. وهؤلاء الأبدال, كما يسميهم معلمي هادي العلوي البغدادي, حاولوا عمارة الأرض بالعدل, فما أفلحوا. وكان ما كان مما لست أذكره, فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر. و يمكننا  القول بثقة  أن لينين  مات غمَّاً, لأنه لم يجد بين رفاق دربه من يملك القدرة على صيانة هذا الحلم العظيم. وزاد الطين بلَّه تحنيط جثمانه في موسكو ووضعه في الساحة الحمراء فُرْجَة للناس. وأغلب الظن أن زوجته كروبسكايا ماتت غماً هي الأخرى  لرؤية زوجها بهذا المنظر. وقد عارضت تحنيطه وطالبت دفنه مثل كل البشر.

  • Social Links:

Leave a Reply