فاجعة سوريا الوطن لم تبدأ من اليوم – المهندس سامر كعكرلي

فاجعة سوريا الوطن لم تبدأ من اليوم – المهندس سامر كعكرلي

فاجعة سوريا الوطن لم تبدأ من اليوم

في زحمة الموت والدمار التي تعيشه سوريا، يأتيني خبر موت عمي المرحوم عيسى إبراهيم كعكرلي (أبو عمر) في الولايات المتحدة الأمريكية، ليزداد الحزن حزناً، ولكن يبقى هذا الحزن حزن شخص فقد عمه، ولكن عندما تعلم بأن لا طريقة لتنفيذ وصية عمك بدفنه في مقبرة الحي الذي نشأ وتربى فيه ودفن فيه والديه وأشقائه وكل عائلته وهي مقبرة الشيخ خالد في حي الأكراد الدمشقي،  وأيضاً عندما تعود بذاكرتك لماضي العم أبو عمر تعلم عندها بأن الفاجعة بموت شخص عزيز ليست فاجعة شخصية بل هي فاجعة وطن تم سرقته من قبل عصابة وحكمته بالحديد والنار لمدة تجاوزت الخمسين عاماً تخللها قتل أو تهجير أو تهميش كل سوري حر شريف رفض الخنوع لها.

فالمرحوم (أبو عمر) من مواليد حي الأكراد الدمشقي عام 1929، وأختار الانتساب للجيش السوري الوطني الذي أسسه البطل يوسف العظمة، فانتسب للكلية العسكرية بحمص وتخرج منها عام 1951 والتحق بالجبهة السورية في قرية جسر بنات يعقوب في الجولان المحتل، ونظراً لتفوقه. تم إيفاده من قبل الشهيد عدنان المالكي إلى فرنسا في بغثة عسكرية لدراسة علم الإشارة العسكرية، وعند عودته مزوداً بالعلم والمعرفة تم تعينه مدرباً لسلاح الإشارة في الكلية العسكرية بحمص، وهو ما زال برتبة ملازم أول.

كان يحلم بتلك الفترة أن يتحول الجيش الذي أمن به وانتسب له جيش وطني عالي القدرات يستطيع أن يذود عن سوريا التي أحبها لدرجة العشق، ولكن لم تسعفه الأقدار بتحقيق حلمه، فبعد أن باع الشوفينيين سوريا لجمال عبد الناصر الذي حكم سوريا بنزعة شوفينية عنصرية ناسياً بأن سوريا الجميلة هي عبارة عن نسيج وطني يشبه بروكارها المكون من عدة أنواع من الخيوط ولكنها منسجمة لتشكل لوحة من أروع اللوحات التي عرفها العالم، قام جمال عبد الناصر بتسريحه وهو برتبة رائد مع مجموعة كبيرة من الضباط الأكفاء ومن كافة صنوف الأسلحة (طيارين، مدرعات، مدفعية، إشارة…الخ)، وذلك بموجب قوائم أعددها الضباط البعثيين في الجيش والذين أقنعوا جمال عبد الناصر بأن هؤلاء الضباط أما شيوعيين مثل اللواء عفيف البذرة قائد أركان الجيش أو أصولهم غير عربية. وكان نصيب حي الأكراد من الضباط المسرحين لا يقل عن 25 ضابط منهم العميد بكري قوطرش الذي كان ملحقاً عسكريا في موسكو ووصله أمر التسريح لمقر عمله، والعقيد محمد زلفو قائد سلاح المدرعات، والعقيد فؤاد ملاطلي قائد التسليح، والعقيد محمود ميرخان قائد الشرطة العسكرية،  والعميد ممدوح بارافي من سلاح المشاة ، والملازم بكري ظاظا الذي كان يعتبر أصغر طيار في الجيش السوري،.

وقد أضعفت عمليات التسريح هذه الجيش السوري ومهدت لانقلاب البعث الذي رفض إعادة الضباط المسرحين لمواقعهم العسكرية، ليمهد ذلك لهزيمة حزيران عام 1967.

بعد الانفصال وانقلاب البعث فيما يسمى ثورة الثامن من آذار لم يرفض الانقلابيين عودة هؤلاء الضباط الأكفاء لمواقع عملهم، فحسب بل زاد من وتيرة تسريح الضباط الأكفاء ليؤدي ذلك لإضعاف الجيش السوري الذي خاض حرب حزيران عام 1967 بضباط لا يملكون أي خبرة، مما سهل لوزير الدفاع آنذاك حافظ الأسد لتمرير بيان العار رقم /66/ الذي أعلن سقوط القنيطرة بيد الجيش الإسرائيلي قبل سقوطها الفعلي، ليرتكب بذلك أكبر خيانة بحق الوطن سوريا.

بعد التسريح لم يتوقف أبو عمر عن العطاء بل اختار أن يكرس العلم الذي تعلمه في فرنسا في علم الإشارة لخدمة بلده في المجال المدني فساهم من خلال شركة فرنسية في تجهيز مطار دمشق الدولي كخبير أشارة واتصالات. ومارس حياته المدنية بكل تفاصيلها ضارباً بعرض الحائط كل الضغوط التي مورست عليه ليكون شريكاً في جريمة البعث إلى أن تسنى له الخروج من سوريا بحجة زيارة أولاده في الولايات المتحدة الأمريكية في ثمانينات القرن الماضي.

وأذكر بأنه قال لي حادثة أثرت عليه كثيراً وجعلت في قلبه غصة وذلك في أول يوم تطأ قدمه الولايات المتحدة الأمريكية، حيث عندما استلم موظف الأمن الأمريكي جواز سفره، خرج من كوته وقدم له التحية العسكرية، فاستغرب أبو عمر هذا التصرف من قبل موظف الأمن الأمريكي وسأله عن ذلك، فقال له الموظف بأن جواز سفرك مكتوب به أنك ” مايجر ” أي رائد وأنا ” ليفتنت ” أي ملازم والعرف العسكري يتوجب علي إلقاء التحية العسكرية عليك. يتابع أبو عمر هنا دمعت عيني وتذكرت كيف كان عسكريي البعث يعاملونني بعد تسريحي.

نعم لقد كان المرحوم عيسى كعكرلي من أصول كردية ولكنه لم يتعصب يوماً لكرديته، وكان مسلماً ولكنه لم يتعصب يوماً لإسلامه، تعصب فقط لسوريته، ولم لا وهو الذي دافع عن ثراها عندما كان ينتمي لجيشها الوطني وشرب وأكل من خيراتها وعرف محافظاتها وعاشر أهلها وأحبهم وأحبوه.

لم أسرد هذا السرد من أجل فخر عائلي شخصي ( وهو مشروع بكل الأحوال) ولكنه فخر وافتخار بسوريا ورجالاتها الذين أثروا الغربة عن العيش بوطن يحكمه مجرمين، فلم يحلم أبو عمر بجنازة عسكرية وأن يجثا جثمانه على عربة مدفع، فقد كان جُّل حلمه بأن تقام له جنازة بسيطة بسيارة دفن الموتى العادية وأن يجتمع حول جثمانه رجال وشباب حارته ويقرؤوا الفاتحة على روحه، وأن يدفن في مقبرة الشيخ خالد مع والديه وأشقائه الذين سبقوه، ولكن كما حرم الاستبداد أبو عمر في حياته من حلمه في بناء جيش وطني يدافع عن سوريا، كذلك حرمه في مماته من حلمه البسيط ذلك.

المهندس سامر كعكرلي

04/08/2018

  • Social Links:

Leave a Reply