سياسة الدعم الاقتصادي
رؤي عبد الصمد
أولا” :
مفهوم و اسباب سياسة الدعم الاقتصادي ؟
إن سياسة الدعم الاقتصادي في الأساس كانت تتبع في البلدان التي لا توجد فيها احصائيات رسمية دقيقة عن عدد السكان ، و لا توجد فيها بنى تنظيمية تسمح بتوزيع بعض المساعدات الحكومية على المواطنين .
هذه هي ضرورة سياسة الدعم الاقتصادي في الأساس ، فحينما يكون الشعب فقيرا” لدرجة الجوع و لا يمكن معرفة عدد السكان بدقة و ليس لهؤلاء السكان وثائق ثبوتية تثبت شخصياتهم ، عندها تلجأ الحكومة لدعم بعض السلع الأساسية مثل القمح و الرز و السكر و الزيت ليتمكن المواطن الفقير من شراء حاجاته بسعر أقل ، و تتحمل الحكومة الفارق بين السعر الحقيقي لهذه المواد و السعر الذي طرحته للبيع .
أما في حالة وجود هذه الأحصائيات الدقيقة هذه الأيام في كل البلدان ، فما هو الداعي لهذا الدعم المتخلف في أسلوبه في الحقيقة ، حيث يمكن أن تقدم الحكومة اليوم فارق السعر للمواطن بحسب أعداد أسرته ، و (لا بدها تبيع و لا بدها تشتري )
و يكون المواطن بالطبع مسرورا” حين إنه يتصرف بالمبلغ المعطى له بالشكل الذي يريد .
ميزة أخرى لهذه الطريقة ، يكون المواطن تحت سيطرة الحكومة نسبيا” حيث إنه يحرم من هذا المبلغ في حالة مخالفة القوانين كمثل عدم دفع فواتير الماء و الكهرباء و الضرائب مثلا” أو الهروب من وجه العدالة أو من الخدمة الإلزامية …
قصة سياسة الدعم الاقتصادي في سورية :
في الفترة بين (١٩٨٥-١٩٩٠) كنت أدرس في الجامعة مهتما” جدا” بموضوع الدعم الاقتصادي و كانت تفاجئني بعض الحقائق و الأرقام المذهلة و منها ..
في أحد الأعوام كان حجم الدعم الاقتصادي في سورية حوالي ١٦٠ مليار ليرة سورية و كانت كتلة رواتب الموظفين في الدولة و هم تقريبا” ( نصف اليد العاملة وقتها ) هي فقط ٦٠ مليار ليرة سورية !!!
و كان الدعم بشكله الرئيسي موجه نحو مادتي المازوت و الطحين
طبعا” بعملية حسابية بسيطة يمكن الاستناج أنه يومها لو رفع الدعم عن هاتين المادتين لتضاعف دخل المواطن إلى أكثر من أربعة مرات و نصف !!!!!
و كنت دائما” أدعو لرفع الدعم و زيادة الرواتب بتلك النسبة و لكن !!!
لم أكن أنا بالطبع يومها أذكى من كل خبراء الاقتصاد و الوزراء و رجال الأعمال و المال حتى أطرح هذا الطرح و لكن مرة أخرى !!!
كيف كان توزيع الدعم الاقتصادي ؟!!
سهل جدا” ، إن التكلفة للتر المازوت يومها كان حوالي ١٥ ليرة سورية ،و كانت الدولة تبيعه بأقل من أربع ليرات بقليل ، أي تخسر تقريبا” ١١ ليرة في الليتر ، فإذا كان استهلاك سوريا يومها من المازوت ٣ مليار ليتر بحسب تقديراتي يومها أي بخسارة سنوية قدرها ٣٣ مليار ليرة ، و كان السيد الرئيس الخالد يومها حافظ الأسد يطلب من وزير التموين و التجارة الخارجية و وزير النفط أن يسجل الاستهلاك ١٢ مليار ليتر أي بخسارة قدرها ١٣٢ مليار ليرة ، يذهب منها فعليا” ٣٣ مليار لتغطية الخسائر الحقيقية ، و ١٠٠ مليار ليرة لحساب السيدة أمينة !!!
أي السيدة أمينة تستولي على نسبة أكبر من كل أجور العمال و الموظفين في الدولة !!!!
طبعا” خسارة البلد كانت أكثر من ذلك ، لماذا ؟ لأنه عندما كان المازوت رخيصا” إلى هذا الحد كان الهدر كبيرا” و كانت حتى ال ٣ مليارات ليتر كثيرة ، فالتدفئة كانت على المازوت و هي أكثر القطاعات استهلاكا” ، بينما في دولة مجاورة تعتبر غنية مثل تركيا لا تزال حتى اليوم تستخدم الفحم الحجري في التدفئة
طبعا” كان هناك أيضا” قطاع النقل، حيث كانت السيارات ذاهبة آيبة لرخص المازوت ، فبينما في كل دول العالم توجد مواقف محددة لسيارات تكسي الأجرة ، كانت التكاسي في سورية تسير طوال النهار تبحث عن راكب !!
الخبز !! و ما أدراك ما الخبز في سورية !!!
كان سعر الطحين يومها يباع من قبل الدولة للأفران تقريبا” بسعر ٦ ليرة سورية ، في حين كان السعر الحقيقي حوالي ١٢ ليرة ، و كان يقدر الاستهلاك يوميا” ٣٠٠ غ طحين لكل شخص ، فتدفع الدولة خسارة سنوية تقريبا” ٦٥٠ ليرة ، و هو ما يعادل تقريبا”١٠ مليارات ليرة ، كانت تسجل على فاتورة الشعب ٢٠ مليار ، ١٠ منها لحساب أمينة المذكورة سابقا” !!
بقيت عشرة مليارات كان يصرف منها ٥ على ما يسمى التموين ( كيلو واحد أو كيلو و نصف من الرز و السكر شهريا” تبتع بسعر رخيص ) و كانت تنتقى من أسوأ الأنواع و أرخصها ، و توزع على المواطنين على أنها رز و سكر ممتاز ، و كانت تضاف الخمسة مليارات المتبقية أيضا” لحساب أمينة !!
التي تكون قد حصلت تقريبا” ١١٥ مليار ليرة مقابل ٦٩ مليار ليرة لباقي موظفي القطاع العام البالغ يومها حوالي مليون و نصف انسان !!
بالعودة إلى موضوع الخبز ، لم تكن المشكلة في العشرة مليارات المسروقة ، بل كان في الصف على الدور للحصول على الخبز يوميا” ، حيث يحتاج المواطن يومها كل يوم خمس ساعات للحصول على الخبز ، و كان في كل أسرة أحد الأشخاص مخصص فقط لجلب الخبز ، إما المرأة و إما أحد الأولاد ( بغض النظر عن المدرسة ) و إما الجد ، فقد كان كل فرن يعمل ساعات محددة فقط بحسب كمية الطحين المخصصة له ، ثم يغلق ، بينما كانت الأفران في دول الجوار تعمل ٢٤ ساعة ، و لم نسمع عن دور في الأردن أو لبنان على الخبز ..
طبعا” ناهيك عن استخدام الخبز لرخصه يومئذ كعلف للحيوانات من قبل الكثير من مربي الماشية
إضافة إلى أن غالب الأفران كانت تبيع بعض الطحين ( تهريبا” ) بالسوق السوداء بضعفي الثمن، و كان المواطن يدفع من جيبه هذه الفاتورة ، في حين كانت الدولة تضبط بعض من يهرب الطحين لنعلن للملأ أن هؤلاء هم الذين يسرقون الطحين ، و ليست أمينة !!
أخيرا” : من أمينة ؟
لمن لا يعرف من الإخوة العرب ، سئل حافظ الأسد في تلك الفترة في لقاء صحفي ، أين تذهب أموال البترول السوري علما” أنه لا يدخل في الميزانية و كان بحدود ٦٠٠ ألف برميل يومها فأجاب :
– هي في أيد ٍ أمينة !!!!
كفاكم الله شر يد أمينة !!!!

Social Links: