(الحاج مراد …رواية تولستوي المنسيَّة)
عبد الرزاق دحنون
تُرجمت رواية الحاج مراد إلى العربية أول مرة في سلسلة روايات مجلة الهلال المصرية في خمسينيات القرن العشرين بقلم الأستاذ مجد الدين حفني ناصف. ثم وجدت ترجمة أخرى بقلم المحامي السوري سهيل أيوب, طباعة دار دمشق الطبعة الأولى 1982. وهناك ترجمة حديثة قام بها هفَال يوسف وصدرت عن دار نشر التنوير 2016 .
والذي نبهني لأهمية هذه الرواية الأديبة السورية المعروفة ألفت الإدلبي -رحمها الله- حيث قرأت لها رواية بعنوان: حكاية جدي. تناولت فيها كفاح أهل داغستان ضد الاحتلال الروسي. وألفت الإدلبي كاتبة قصة عريقة ازدهرت في النصف الثاني من القرن العشرين وهي دمشقية كرست معظم كتاباتها لمدينتها. ومدينتها دمشق مش إدلب وإنما تأدلبت تبعاً لزوجها على حسب العادة الغربية .ورواية ألفت الإدلبي هي الثانية التي تناول هذه الفترة من كفاح أهل داغستان بعد رواية تولستوي الحاج مراد. تحدث تولستوي أثناء كتابة الحاج مراد عن الحاجة إلى التعبير بالفن عن الجوانب المتغيرة والمتناقضة عند البشر إذا تغير السياق بدا الشخص ذاته بصورة جديدة. قال: ما أحسن أن يتمكن المرء من كتابة عمل فني يعبر بوضوح عن طبيعة الإنسان المتحولة عن واقعة أنه شيطان وملاك في آن معاً حكيم وأحمق. وتماشياً مع هذه الآراء حاول تولستوي أن يقدم بطله الحاج مراد مقنعاً بأقنعة كثيرة مختلفة. ومن هنا نلمح جاذبية المشاعر العاطفية البشرية التي يتحرك من خلالها الحاج مراد والتي يسميها تولستوي مشاعر شديدة البساطة يومية ومتاحة للجميع.
الحاج مراد رواية قصيرة من روايات تولستوي كتب مسوداتها العشر خلال السنوات من 1896 إلى 1904 لذلك لا نجد نصاً ناجزاً بيد المؤلف. في هذه الرواية يمسك تولستوي ناصية القول الفني المدهش, والذي يجمع على جودته خلق كثير, و تطرب لوقعه أفئدة الملايين من البشر. أنظر كيف يطل علينا من عليائه, من قمة التعبير الأدبي الساحر, وليس بيننا وبينه سوى مسافة الاستجابة لهذا السحر. فقد استقى عبقري الأدب الروسي من يومياته المسودة الأولى من رواية الحاج مراد وكان عنوانها (التوت البري) وهذه الشجيرة تنبت ما تزال في ضواحي مدينة إدلب في الشمال السوري, ونسميها (سنية برية) نأكل من ثمرها.

Social Links: