مدنية ديمقراطية عدالة اجتماعية تصدرها اللجنة المركزية لحزب اليسار الديمقراطي السوري العدد 1250 الأحد 09/01/2023
ما وراء تمهيد موسكو لجريمة النظام الكيمياوية المقبلة في إدلب! – مصطفى الولي

ما وراء تمهيد موسكو لجريمة النظام الكيمياوية المقبلة في إدلب! – مصطفى الولي

 

خلال التصريحات المتصاعدة، متعددة المصادر، حول مصير محافظة إدلب في شمال غرب سورية، حيث تشير التقديرات إلى احتمال نشوب معركة في المحافظة، بين سلطة الطاغية المدعوم من روسيا، وبين القوى المسلحة التي تسيطر على المحافظة؛ برزت مجددًا أخطار استخدام السلاح الكيمياوي هناك. فمن الجانب الأميركي، صدرت تحذيرات من إمكانية قيام قوات بشار الأسد باستخدام السلاح الكيمياوي، مع التلويح بتوجيه ضربة أميركية – غربية لسلطة الدكتاتور.

لكن الدبلوماسية الروسية التي تُعبّر عنها تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وجنرالات من وزارة الدفاع الروسية، تحاول الظهور بمظهر الحريص على تجنيب إدلب معركة الحسم العسكري، لكن مع تأكيد دائم على دعمها لبسط سلطة الطاغية هيمنتها على المحافظة، وعلى ضرورة إنهاء وجود القوى (الإرهابية)، وتسليط الأضواء على خطر النفوذ الواسع لـ (جبهة النصرة) في تلك المنطقة. وجراء التداخل للوجود العسكري التركي هناك، تسعى موسكو لتحييد الدور التركي، ولو جزئيًا، حرصًا منها على بقاء العلاقات المناسبة لها مع أنقرة.

اللافت للانتباه هذه المرة، في الموقف الروسي من جرائم استخدام الكيمياوي المتعددة، وجود خطة دفاعية مسبقة، دبلوماسية واستخباراتية، تهدف إلى تمرير الجريمة التي ستُرتكب في إدلب، في حال انفجار المواجهة، وإلى تبرئة حليفها المجرم، وإلقاء المسؤولية على خصوم السلطة، وتحديدًا على (جبهة النصرة) المسماة (هيئة تحرير الشام).

جاء هذا الاتهام المسبق لـ (جبهة النصرة)، في إطار الرد على التحذير الأميركي لبشار الأسد، حيث صرحت الإدارة الأميركية بأن استخدام السلاح الكيمياوي في إدلب لن يمرّ دون عقاب، وشارك واشنطن في هذا التحذير الدولُ التي قامت بضرب مواقع لقوات الأسد، عقب الاستخدام الأخير للكيمياوي في غوطة دمشق.

كان الأسلوب الاستخباراتي واضحًا في الرد على التهديد الأميركي؛ إذ سرعان ما أعلنت وزارة الدفاع والاستخبارات الروسية، وجود حاويات معبأة بغاز الكلور وصلت إلى إدلب، وتم تخزينها في مستودعات (جبهة النصرة)، لتوصل بذلك رسالتين: الأولى -وهي الأهم والأخطر- أن الكيمياوي سيُستخدم إذا نشبت معركة إدلب، والثانية توجيه الاتهام المسبق لـ (النصرة)، ورفع المسؤولية عن سلطة الطاغية، التي أدينت في كل جرائم الكيمياوي المرتكبة منذ العام 2013 والتي تقودها وتوجهها وتحتضنها القيادة الروسية.

في الجرائم الكيمياوية السابقة، التي عرفها العالم ومؤسساته المتخصصة والمحايدة، كان صعبًا على القيادة الروسية، على الرغم من كل الأكاذيب والذرائع، رفعُ التهمة عن سلطة الأسد، وتبرئتها، بدءًا من جريمة 2013 في غوطة دمشق، وصولاً إلى جريمة سراقب. واستدراكًا لأي تخبّط وارتباك تواجهه في (جولة كيمياوية) جديدة، خلال دفاعها عن الجريمة التي يبدو أنها مقبلة، إذا انفجرت معركة السيطرة على إدلب، تفتّقَ عقل المسؤولين الروس عن إشاعة المناخ (الكيمياوي)، لكن بإلقاء التهمة في أي ضربة كيمياوية جديدة على طرف آخر غير العصابة الحاكمة، إلى جانب محاولة سحب الذريعة من يد الإدارة الأميركية، التي تتهمها موسكو بأنها تُعِدّ لهجمات كبيرة ضد حليفها – أداتها، بشار الأسد.

وعلى ذلك؛ يمكن الاستنتاج أن الضربة الكيمياوية المحتملة على إدلب لا تتم بعلم من القيادة الروسية، فحسب، بل تجيء واضحة هذه المرة بأن التخطيط لها روسي بامتياز؛ ما يطرح السؤال أيضًا عن حقيقة الجرائم الكيمياوية السابقة، حين قامت موسكو باستخدام موقعها في مجلس الأمن الدولي، لتمنع أي تحقيق متخصص ومستقل عن دور قواتها في سورية، وسعت لتكون هي المسؤولة عن ترتيبات عمل لجان التحقيق وأدواتها وسبل عملها، ونجحت على الأقل، ليس في إقناع العالم ببراءة سلطة الطاغية من الجرائم، إنما في منع المنظمات الدولية المتخصصة من الوصول إلى النتائج الموضوعية، التي تعلم موسكو علم اليقين أنها ستكون نتائج إدانة كاملة للسلطة التي تحضنها وتُغطي على جرائمها وفظائعها.

من المؤكد أن موسكو تأخذ التهديد الأميركي لسلطة بشار -إذا استخدم الكيمياوي مجددًا- على محمل الجد، غير أنها تعلم علم اليقين أن ليس في وارد حسابات واشنطن تسديد ضربة حاسمة، تقصم ظهر سلطة الطغيان، وتُدمّر مرتكزات قوته وبقائه. وفي المرتين اللتين قامت فيهما واشنطن وحلفاؤها بتوجيه الضربات لعدد من المطارات والمستودعات، لم يتأثر وضع قوات الأسد بالمستوى الذي يُهدد وجودها، وتابعت استخدام الكيمياوي، حيث التقديرات تفيد بأكثر من مئتي جريمة كيمياوية منذ العام 2013، ومرت كلها من دون عقاب يُذكر، ووقف مجلس الأمن عاجزًا عن فرض آليات للتحقيق تكشف عن حقيقة تلك الجرائم، ودائمًا كانت موسكو تجترح الأكاذيب والسيناريوهات المفبركة، لترفع التهم عن (حليفها) بشار الأسد.

بالعودة إلى موضوع الاستخدام المحتمل للكيمياوي في إدلب، وإصرار روسيا المسبق على أن (جبهة النصرة) هي من سيرتكب الجريمة، وبتلفيقها معلومات استخبارية عن حاويات من غاز الكلور هي اليوم في حوزة هذا التنظيم؛ يتضح أن موسكو هي التي تُخطط للتنفيذ، وهي المُفبرك للرواية التي تُقدِّم تبرئة الطاغية، وتُضلل العالم عن حقيقة الجريمة المتوقعة. وإذا كانت موسكو قد قدّمت، في الجرائم السابقة التي ارتكبتها عصابة السلطة المتوحشة، الحمايةَ لحليفها من المحاسبة الدولية بعد ارتكاب الجريمة؛ فإنها على أبواب معركة إدلب تُعدّ السيناريوهات الملفقة مسبقًا، حتى يكون موقفها الدفاعي عن جرائم جديدة مرتقبة أكثر قوة وتأثيرًا على الدبلوماسية الدولية. وعلى ذلك، فإن موسكو هذه المرة تكشف أنها كانت تعلم بكافة الجرائم السابقة ضد السوريين، بل كانت تُشارك في ترتيبها، ولم يكن دورها يقتصر على الدفاع عن المجرم وتضليل العالم. وها هي اليوم تُقدّم سيناريو مسبقًا للجريمة، وتُلقي المسؤولية عنها على (جبهة النصرة)، وسواها من القوى.

هل يمكننا القول إن جريمة كيمياوية جديدة سترتكبها العصابة الحاكمة المدعومة من موسكو، إذا انفجرت معركة إدلب؟… نعم، فموسكو الآن تُعدّ مسرح الجريمة، وتُركّز على زوايا الإضاءة المطلوبة لإخفاء المجرم الحقيقي.

  • Social Links:

Leave a Reply