التفاهمات الإيرانية – الروسية والأمن الخليجي

التفاهمات الإيرانية – الروسية والأمن الخليجي

د. محمد السعيد إدريس

يبدو أن إيران باتت مقبلة على الانخراط في تحول سياسي يصعب وصفه بأنه «غير استراتيجي» يتعلق بالعلاقة بين طهران وموسكو. فإيران أعلنت عام 1979 شعار «لا شرقية ولا غربية» الذي كان يجسد رؤية حيادية في الصراع الدولي بين واشنطن وموسكو، وكان يؤكد في ذلك الوقت إدراكاً لضرورة عدم الثقة في أي من القوتين العظميين الأمريكية والروسية معاً، والتركيز على بناء الذات، وإعطاء الأولوية لتأسيس كتلة عالمية ثالثة محورها «العالم الإسلامي» تقودها إيران.
ترجمة هذا الإدراك في الممارسة العملية جعلت أمريكا «شيطاناً أكبر» كما جعلت من روسيا شيطاناً آخر لا يقل خطورة، وهو ما يعني عدم الانجراف في علاقة مميزة مع روسيا تحت وطأة الصراع ضد الولايات المتحدة، كما دفع القيادة الإيرانية إلى التأسيس لمبادئ حاكمة لسياستها الخارجية منها ما دُوِّن في الدستور مثل «عدم إقامة أي قواعد عسكرية أجنبية على الأراضي الإيرانية»، ومنها ما سعت إيران إلى فرضه إقليمياً مثل التأكيد على أن «أمن الخليج مسؤولية الدول الخليجية وحدها» من دون أي شريك أجنبي.
إيران الآن، تجد نفسها تحت ضغوط صراعها العنيف مع الولايات المتحدة و«إسرائيل»، مضطرة للتراجع، ولو جزئياً، عن تلك الالتزامات والمبادئ والقبول بشراكات وأدوار روسية جديدة قد تفرض إجراء تغييرات، أو تعديلات في الصياغة الدستورية للسماح بإقامة قواعد عسكرية روسية على الأراضي الإيرانية، بعد أن وصلت طهران إلى قناعة مزدوجة، تقول إنها إذا كانت لن تستطيع الوقوف في وجه التوجه الأمريكي لجعل المحافظة على أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز مهمة ل «تحالف عسكري تقوده الولايات المتحدة» فالرد، على ما يبدو، يمكن أن يكون بإدخال أطراف دولية أخرى مناوئة للسياسة الأمريكية للاضطلاع بالأدوار نفسها عن طريق البوابة الإيرانية، وتقول من ناحية أخرى: إن الشراكة الإيرانية مع روسيا التي أثبتت جدارتها في سوريا وفي مجالات أخرى ، سواء في الدعم العسكري والسياسي الروسي لإيران، وفي أزمة الاتفاق النووي، تجعل من روسيا على رأس قائمة القوى العالمية التي يمكن أن تعوِّل عليها إيران لموازنة العداء الأمريكي المستحكم ضدها.
روسيا من ناحيتها أثبتت جدارة في دعم المواقف الإيرانية في أكثر من مجال كان أبرزها رفض المسعى الأمريكي – «الإسرائيلي» للتأسيس لشراكة ثلاثية: أمريكية – روسية – «إسرائيلية» ضد إيران في سوريا عبر «صفقة»، مضمونها تقديم كل الدعم «الإسرائيلي» والأمريكي للمشروع الروسي في سوريا، وعلى الأخص تثبيت النفوذ الروسي في سوريا حتى لو كان ذلك من خلال إعادة تثبيت حكم الرئيس السوري بشار الأسد في البلاد مقابل أن تعمل روسيا على إخراج إيران من سوريا. روسيا رفضت هذه الصفقة ..
الجدارة الثانية أثبتتها روسيا لإيران عندما رفضت موسكو الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي كما رفضت سياسة العقوبات الأمريكية ضد طهران، ورفضت الدعوة الأمريكية لتشكيل تحالف دولي عسكري ضد إيران يكون هدفه المعلن «حماية الملاحة والممرات البحرية في الخليج ومضيق هرمز وباب المندب»، لكن الجدارة الأهم التي حملت أبرز الإيحاءات الروسية لإيران للتفكير في تأسيس شراكة روسية – إيرانية في الخليج لموازنة النفوذ الأمريكي جاءت عبر المشروع الروسي الجديد للأمن في الخليج العربي الذي طرح معالمه الأولية ميخائيل بوجدانوف المبعوث الخاص للرئيس الروسي للشرق الأوسط، من خلال طرح وثيقة تضمنت خمسة بنود لتأسيس معادلة جديدة للأمن الخليجي، أبرز معالمها إبعاد النفوذ الأمريكي عن الخليج، وجعل الأمن الخليجي «مسؤولية إقليمية ودولية متعددة الأطراف» من خلال الدعوة إلى تأسيس «منظمة للأمن والتعاون في الخليج» تشمل الدول الإقليمية وروسيا والصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند.
مجمل هذه التطورات من المنظورين الإيراني والروسي بقدر ما أرست قواعد الثقة المتبادلة بينهما تسهم في ما يمكن اعتباره «توافق إرادات» على شراكة استراتيجية موسعة بين طهران وموسكو تمتد إلى الشأن الخليجي، بما فيه ما أعلن أن إيران وروسيا تعتزمان إجراء تدريبات بحرية مشتركة في المحيط الهندي، وأن البلدين يجريان مفاوضات تهدف إلى منح إيران لروسيا حقوق استخدام الأسطول الروسي لميناءين بحريين لمدة تصل إلى 49 عاماً، ضمن اتفاقية أوسع حول التعاون العسكري والبحري بين البلدين.
يحدث ذلك في ظل أوضاع تعني أن الدول الخليجية ستكون هي المعنية، أكثر من غيرها في تدبر ما يمكن أن تؤول إليه مثل هذه التطورات على مستقبل الأمن في الخليج، وما يمكن أن تفرضه من تحديات جديدة.

  • Social Links:

Leave a Reply