هل دفعت الحرب  السوريون للتسول

هل دفعت الحرب  السوريون للتسول

جيهان الخلف

أثرت ظاهرة التسول التي تملأ شوارع العواصم الأوربية والعربية سلبا على أسلوب التعامل مع اللاجئين السوريون وقد تداولت وسائل الإعلام ومواقع التواصل  الاجتماعي في عدة مقاطع فيديو شخص أو عدة أشخاص يتسولون باسم السوريين، ويحملون لافتات كتب عليها “عائلة سورية بحاجة للمساعدة”، مستغلين تعاطف الشعوب الأوربية  والعربية مع المأساة السورية، وكان اللافت للأمر أن أغلب هؤلاء لا يتكلمون اللغة العربية أصلا وقد لا تخلو محطة مترو أو موقف أو ساحة في الدول الأوروبية  من متسول يدعي أنه سوري

وبحسب “الأناضول أكّد “سليمان صويلو” وجود “جهات تتعمد تشويه صورة سياسات الحكومة التركية المتبعة بالتعامل مع اللاجئين السوريين” معتبرة أن السوريين متسولين، إلا أن الحقيقة بخلاف ذلك “فمن بين كل 100 متسول يتم ضبطه ربما تجد واحداً سورياً من بينهم”.

وقد لاحظ بعض المهتمين بالشأن الاجتماعي ازدياد ظاهرة التسول في ولاية اورفة التركية بطريقة مسيئة للاجئين أو للمجتمع المضيف مما دفعهم للبحث في أسباب ودوافع انتشار هذه الظاهرة حيث قام فريق من المتطوعين وعلى رأسهم الباحث  السيد درغام العيادة من مركز NoR EAST بعمل دراسة بحثية حول هذا الظاهرة بدأ من أسباب انتشارها وأثارها ونتائجها على المجتمعين السوري والتركي

حيث تبين لهم أن أكثر الأسباب التي دفعت المتسولين لمزاولة التسول هو الفقر بنوعيه سواء كان أصيلاً منذ أن كان يعيش في سوريا ام طارئاً نتج عن اللجوء وفقدان ما يملك بسبب الحرب في سوريا، كما ان النزوح شكل نسبة ٧٣٪  من مجمل الأسباب التي أقر بها المتسولون

كسبب دفعهم للتسول، ومن اللافت للنظر انخفاض نسبة المرض والإعاقة وفقدان العمل كأسباب دفعت للتسول مقارنة بغيرها، وربما يعود ذلك لحالة التأمين الصحي الشامل للاجئين رغم أنه يغطي العلاج  و لا يغطي الحاجات اليومية

واللافت في الدراسة بالنسبة للإناث فإن ٦٥٪ منهن معيلاً لأسرته وهو رقم يدل على غياب المعيل للمتسولات في مجتمع طالما كان الرجل فيه هو المعيل، وغيابه هنا نتيجة فقد أو تفكك أسري او إصابة وليس تغييراً في عرف مجتمعي بطبيعة الحال..

وبالرغم من أن غالبية المتسولين من (النور) الذين يعيشون على التسول ويمتهنونه، ، وهذه الظاهرة التي انتشرت بشكل كبير، عن طريق جماعات كانت تعيش في سوريا سابقاً وأخذت التسول مهنة رسمية لها

ولم يكن التسول أصيلا في المجتمع السوري فقد عرف الناس في دمشق وحلب وحمص وغيرها من المدن السورية جمعيات خيرية تكفلت بالأيتام والأرامل والمحتاجين وكان المشرفون عليها هم أئمة المساجد ورجال الدين والتجار وكبار القوم وقد روت قصص كثيرة عن حكايا لأسر كانت مكفولة من أشخاص مجهولون ولم يعرف أحد هذه الحقيقة الا بعد وفاة الأب وكان من بين هؤلاء توفيق أحمد الكركوتلي  أو توفيق المنجد كما عرفه أهل الشام نسبة الى مهنة والده وبلبل الشام ومنشدها الديني والذي صدحت فترات السحر في رمضان بصوته الشجي ورددت أعمدة الأموي الكبير صدى الآذان بصوت فرقته حيث يقول أبنه بعد أن توفي والدي لفت نظرنا أن بعض الناس يأتون الى الدكان ويسألون عنه وحين يعلمون أنه توفي يذهبون ولا يعودون ولم يمونوا زبائن ولا معارف ولا أقارب وبعد مدة وبينما يتم نفض المحل وجدنا في سقيفة المحل خزنة كبيرة وحين فتحناها توقعنا أن نجد فيها مالا ولكننا تفاجئنا بوجود دفتر كبير جدا مما كان يستخدمه التجار تلك الأيام وعندما فتحنا الدفتر لنرى ما فيه فاذا به جدول شهري بأسماء عوائل لا نعرف أصحابها كان والدي يخصص لها سرا عنا مبلغا شهريا أيتام المرحوم فلان وأرملة فلان وأسرة فلان وبجوار كل أسم المبلغ الذي يستحقه وكان يفعل ذلك دون أن يعلم بصدقته هذه أحد من أولاده ويؤكد الأبن أنه لدى كل دكان بدمشق دفتر مثل هذا ويعمل عليه سرا كل تاجر دمشقي

وقد استطاع السوريين أن يثبتوا أنفسهم ووصلت أسماء لاجئين سوريين إلى وسائل إعلام البلدان التي انتقلوا إليها، لما فعلوه من إنجازات في مجالات شتى، وحاز بعضهم على جوائز وتكريم بسبب إنجازاتهم واندماجهم السريع في المجتمعات التي يعيشون بها.

منهم ملكة المطبخ اللاجئة ملكة جزماتي التي اختارت طريقتها الخاصة لعكس الصورة الجيدة للاجئين في ألمانيا(link is external)، حيث استطاعت تحويل المطبخ والطعام إلى لغة مشتركة بين شعوب العالم، و لقبها معجبوها بـ”ملكة المطبخ”  وتحمل جزماتي شهادتان في الأدب العربي و العلاقات الدولية، ولكنها اختارت أن تبدع في المطبخ.

واستطاعت جزماتي إثبات أن المرأة السورية فعالة، وقادرة على الاندماج بسوق العمل و المجتمع الجديد. وانتشر اسمها في وسائل إعلام عالمية، من خلال تقديمها لبرنامج خاص بالطهي، بالإضافة أنها أنشأت كتاب عن الطبخ باللغة الألمانية، كما أن المستشارة الألمانية ميركل، تذوقت طعامها وأحبته كثيراً.

ولا تنتهي قصص اللاجئين السوريين المتميزين عند هذا الحد، فهنالك قصص أخرى لسوريين تميزوا ومثلوا نموذجاً إيجابياً لما يفعله اللاجئون في مجتمعات اللجوء التي انتقلوا إليها، في وقت تتزايد فيه العنصرية من اللاجئين في بعض الدول، كما يُنظر في بعض الأحيان للاجئ على أنه عالة على المجتمع الذي يعيشه فيه.

ورغم مرارة العيش خارج الوطن، فإن أغلب السوريين لا يجدون بديلا سوى الاستمرار بالإقامة في الخارج، وعدم العودة خوفا من مواجهة الموت.

ومنهم عباسي من مدينة حلب السورية، الذي اجتهد منذ الوصول الى ألمانيا الى تعلم لغتها، مما سهل عليه الحصول على فرصة في الدخول إلى كلية طب الأسنان، وبسبب اختلاطه في المجتمع الألماني، استطاع الانضمام والعمل كمتطوع في مركز لمساعدة اللاجئين السوريين.

حيث عمل مع صديقه السوري علاء فحام على تصوير مشروع “جيرمان لايف ستايل” الذي يساعد اللاجئين السوريين على تعلم اللغة الألمانية، وكيفية الالتحاق بالجامعات الألمانية، بالإضافة إلى مساعدتهم في إيجاد فرص عمل مناسبة لهم من خلال نشر فيديوهات توضيحية.

استطاع لاجئون سوريين  إثبات أن اللجوء لم يكن عائقاً لتحقيق النجاح رغم الظروف الصعبة التي يمرون بها، واستطاعوا تغيير الصورة النمطية المأخوذة عن اللاجئين لدى البعض، وتركوا بصمة إيجابية في المجتمعات التي لجأوا إليها. وأثبتوا للعالم كله أن السوري هجر قسرا من وطنه وأنه لم يخرج جائعا ومتسولا أنما خرج باحثا عن الحرية والكرامة والعيش الكريم التي فقدها في وطنه الأم سوريا في ظل حكم عائلة الأسد.

  • Social Links:

Leave a Reply