إعلان موسكو: انطلاق سكة “حل سياسي”
يحظى إعلان موسكو الأخير بجملة معطيات تدلل على اقتراب “إنجاز مستند سياسي” يدفع بحكم النتائج الأخيرة للصراع العسكري باتجاه بلورة “خارطة طريق” تطلق العملية السياسية من جديد بقواعد جديدة تعزز السردية الروسية للملف السوري. من جملة هذه المعطيات يمكن تصدير ما يلي:
1 ــ امتلاك الأطراف المتبنية للإعلان (موسكو – طهران – أنقرة) القدرة الحقيقة على تنفيذ ودعم خارطة الطريق بحكم تواجدها المباشر في الجغرافية السورية وامتلاكها لقنوات ضغط رئيسية على حلفائها المحليين.
2 ــ توافق بنود هذا الإعلان مع ما كرسته سياسة أوباما من محددات وغايات، واتساقها مع تطلعات الرئيس القادم ترامب.
3 ــ تنامي احتمالات توسيع الفواعل الإقليمية والدولية لشرعنة هذا الإعلان وتبنيه دولياً، لا سيما المملكة العربية السعودية وقطر التي هي بالأساس تنسق سياسياً مع تركيا.
4 ــ اتساق “الإنجاز السياسي” مع المعطيات العسكرية الناشئة لا سيما في الاتجاهات المتعلقة بتذليل المهددات الأمنية للأطراف الموقعة على هذا البيان.
5 ــ تسارع استكمال العناصر الشكلية المساعدة لعملية “الهندسة السياسية” تلك، فواقع عسكري جديد يدعم بإجراءات تثبته فرق المراقبة الدولية التي تشرف على إتمام عمليات الإخلاء (قرار 2328)، تلاه اتفاق سياسي للفواعل الرئيسية، وملامح جدية لمؤتمر في كازخستان يدعى إليه الأطراف المحلية -بعد تغيير تموضعها-للتوافق على إعلان موسكو ثم يتوقع بدء عجلة تنفيذ القرار 2254.
يشكل هذا الإعلان وما ينتظره من أجندة تعززه كمستند رئيسي لإطلاق العملية السياسية تحدياً واختباراً لأدوات المعارضة السورية الدبلوماسية التي لا تزال تشهد تداعيات خسارة حلب ومآلات التصدع المحتملة. ورغم ما يتضمنه الإعلان من إشكالات قد لا تتطابق مع غايات وأهداف قوى المعارضة، إلا أن سياسة التعاطي معه وفق مبدأ النقاط المشتركة تشكل منطلقاً أساسياً للتعامل مع هذا الواقع الجديد والتفاوض حول ملفات التغيير الوظيفي والبُنيوي. إذ تفرض هذه السياسة نفسها أمام المعارضة بحكم مبدأَي الواقعية السياسية وضرورات التماسك بعد سلسلة الخسارات المتلاحقة. ولعل أهم النقاط التي تُشكل قاعدة أولية تجعل المشاركة في هذه الأجندة تكتيكاً مقبولاً، موضحة في (وحدة الأراضي، سيادة الدولة السورية، دولة ديمقراطية، لا يوجد حل عسكري في سورية، توسيع وقف إطلاق النار، وعدم إعاقة المساعدات الإنسانية، وتوفير الزخم اللازم لاستئناف العملية السياسية في سورية وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254).
ولتحقيق النجاعة لهذا التكتيك، ينبغي على المعارضة توفير منصة أولية تجمع الفرقاء وشركائها المحليين تتبنى مبادئ الثورة الخمسة، وتكون بمثابة مرجعية عابرة لمجموعة الرياض والائتلاف، والتوصل لملامح استراتيجية تفاوض متماسكة، ومد الوفد المفاوض بكافة متطلبات العملية التفاوضية والاحتفاظ بحق الانسحاب والعودة إلى المرجعية في حال تعثر الاستمرار، وهذا يتزامن مع جملة من السياسات التي ينبغي أن تبدأ المعارضة بالعمل عليها.
مواجهة الامتحانات ضرورة لم تعد تقبل التأجيل
ثبتت معطيات معركة حلب أمام المعارضة ضرورة تبني مبدأ المراجعة وتقييم كافة أدواتها السياسية والعسكرية. وتطرح في هذا السياق ضمن فعاليات قوى الثورة والمعارضة مجموعة من ردود الفعل لا ترتقي لمستوى الحدث الذي يؤسس لمرحلة جديدة تتطلب سياسات أكثر اتساقاً مع أهداف الحراك الثوري، إذ أن ضرورات مواجهة المرحلة تتطلب عدم تأخير الامتحانات الوطنية والامتناع عن سياسة “دفع الكرة إلى الأمام” والإعداد لسياسات واستراتيجيات تساهم في استيعاب الأولويات ومواجهة الاستحقاقات بأدوات أكثر فعالية. وفي هذا المضمار وبالتزامن مع مبدأ “استيعاب الأزمة” يمكن تصدير مجموعة من السياسات الآتية:
1 ) المراجعات الجدية/المتأنية/المنظمة للعمل السياسي والعسكري، كتقييم الأداء والسلوك العام لكافة الأجساد السياسية وعلى رأسها الممثل الشرعي للشعب السوري ” الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية”ومدى نفعية بقائها في المرحلة القادمة بحلتها الراهنة، والتدارس الموضوعي لصلاحية البُنية الحالية لهذه المرحلة بعد أن اتخذت شكلاً ثابتاً ومصمتاً خلال الأعوام الستة الفائتة؛ الشكل الذي حال دون أي فعل سياسي حقيقي يُحدث أثراً ملموساً سواء على المستوى المحلي كتنظيم الصف الثوري الداخلي أو على المستوى الخارجي وتمثيل بديل مقنع للمجتمع الدولي، ما ولد فراغاً سياسياً في الثورة السورية، وغُربة عن الشارع الثوري والذي عزز من عدم لحظها في معادلة الصراع السوري، وأعلى من شأن الخيارات العسكرية التي اتسم حراكها بالفصائلية المغرقة وغيبت أثر وفعالية الحراك المدني والسياسي وأقصته وتدخلت في كافة مفاصل المحلياتية. بالمقابل لا يمكن في هذا الصدد تبني سياسة “جلد الذات” دون مراعاة السياق العام للملف السوري الذي تحكمت به الرؤية الأمنية الدولية ومقاربات الضبط والتوجيه.
2 ) تقوية المكونات المحلية المدنية وخاصة منظومة المجالس المحلية كجسم تمثيلي شرعي رغم التفاوت في مستوى الأداء بما يهدف إلى ملء الفراغ الإداري وتمثيل رأي المواطنين في الحقل السياسي في مقابل طُغيان غير متوازن للفصائل العسكرية والأجسام السياسية التقليدية في المشهد التفاوضي.
3 ) تدعيم منظومة “الجيش السوري الحر” وتصحيح سياساتها العامة بدءاً من علاقاتها مع غرف الدعم العسكري والمالي الدولية وتوسيع هوامش امتلاك القرار وعناصر التحكم العسكري العملياتي، ومروراً بإكمال بناء العقيدة العسكرية الثورية وما تتطلبه من مأسسة وهيكلية واضحة ولحظ لعناصر عسكرياتية تتعدى مفهوم السيطرة والنفوذ، لتشمل مفهوم التصدي العام لكافة خطط النظام الأمنية والعسكرية كالاختراق وتمتين بُنيته ومنحه فرص الانتعاش والتنسيق العام والمهام الخاصة، وليس انتهاءً بتحديد أهدافه العامة واتساقها العضوي مع متطلبات التغيير السياسي وضرورات التنسيق التام مع السياسي، وعدم التدخل في الفعاليات المحلية إلا بما تمليه الضرورة الأمنية القصوى وبتفويض واضح من القوى المدنية المحلية.
4 ) الحفاظ على أوراق القوة وتدعيمها بخطط استراتيجية، إذ تدلل المعطيات أن اتجاهات حراك النظام وحلفائه ستركز على أربعة ملفات الغوطة وادلب وبرامج الاستقرار وإعادة البناء ناهيك عن الاستعداد لمعركة الرقة، وبناء عليه ينبغي على المعارضة العمل على ما يلي:
_ حسن إدارة ملف الغوطة والذي يتطلب التدارس الحثيث لكافة الخيارات المتاحة لاسيما الهدنة والعمل على الدفع بها وفق منطق “توازن الردع” وضرورات التكامل مع مناطق برزة والقابون وأحياء دمشق الجنوبية، ومبدأ وقف إطلاق النار وليس التسليم والتهجير، وحتمية إنهاء الاقتتال البيني.
_ توفير أسباب الصمود والقوة في إدلب وما يحتاجه من تحصين عسكري وحسن إدارة ملف المهجرين وتقوية موارد التنمية والالتفاف حول المجلس المحلي باعتباره الحالة الأكثر شرعية من الناحية التمثيلية.
_ ضرورة اتخاذ معركة الرقة كخيار استراتيجي وهذا يُعلي من شأن تدعيم عمليات درع الفرات والاستعداد التام لملء الشواغر الإدارية والأمنية بعد التحرير.
_ تبني مقاربة وطنية متكاملة لبرامج عودة اللاجئين وإعادة الإعمار، ناهيك عن استراتيجيات مكافحة الإرهاب وما تتطلبه من سياسات وطنية تتقاطع مع الضرورات الأمنية الإقليمية والدولية.
5 ) تبني سياسات الحسم ضمن محددات العلاقات البينية لا سيما اتجاه المشاريع السياسية العسكرية والعقدية العابرة للثورة وعدم تركها سائلة وخاضعة للظروف العسكرية والسياسية، وأن تكون هذه المحددات مرتبطة بالمشروع السياسي والأيديولوجي للثورة الذي يحتاج تظافر كافة الجهود والفعاليات لإتمامه وإخراجه بصيغة فكرية تأصيلية. وفي هذا المضمار لا بد من حسم العلاقة مع جبهة فتح الشام وجند الأقصى وأخواتها واتخاذ موقف حاسم تجاهها رافضاً لأطروحاتها وسياساتها، ويعتمد مقاربة عسكرية خاصة قائمة على فك كامل لأي ارتباطات معها وعدم مشاركتها بالقتال في أية معارك أو غرف عمليات مشتركة، إضافة إلى انتهاج سياسة مجتمعية تدفع المجالس المحلية والمنظمات الأهلية للضغط على الجبهة للابتعاد عن المدن والتجمعات السكنية بالطرق المتاحة، مع عدم استعجال الاقتتال معها رغم ضرورة الاستعداد لذلك.
وفي سياق آخر لا بد لكافة الفعاليات المعارضة أن تعمل بالاتساق التام مع مفاهيم المراقبة والمحاسبة لكافة الهيئات والأجساد السياسية والمدنية والعسكرية وتعزيز هذه المفاهيم ضمن منظومات العمل التي ينبغي لها أن تراعي أولويات المواطن وصيانة أمنه وتوفير السبل المثلى لتوصيل الخدمات له بالدرجة الأولى.
عموماً بقدر ما شهدته جغرافية مناطق سيطرة المعارضة من ارتكاسات بُنيوية حادة جراء خسارة حلب وخروج أهم الجيوب الاستراتيجية في دمشق ومحيطها من معادلات الصراع العسكري، وبقدر ما ترسمه الفواعل الإقليمية والدولية أيضاً لملامح “حل سياسي” يراعي السردية الروسية المتوافقة بدرجة عالية مع النظام وإيران، فإن ضرورات الصمود وامتلاك مقوماته وعدم الانجرار لردات فعل غير محسوبة الأبعاد تفرض نفسها بقوة على المعارضة وتجعلها أمام امتحان مصيري يطالبها بالثبات والاستعداد التام لمواجهة المآلات والتداعيات المحتملة لهذه الارتدادات المتسارعة، ويفرض عليها بذات السياق اتخاذ سياسات المراجعة والحسم تجاه كافة التحديات.

Social Links: