40 ألف زلمة !!

40 ألف زلمة !!

رؤى عبد الصمد

كان خلف زميلنا في الجامعة ، من قرية في شرق حلب ، قصيرا” نحيلا” ، يسكن في غرفة احد الاقبية قرب الجامعة .
و لما كانت لدينا اوقات فراغ كثيرة كنا دائما” نزوره في غرفته.
كان حديثه ممتعا” و مثيرا” ، خصوصا” و انه يتحدث اللهجة البدوية رغم قرب قريته من مدينة حلب ، و كان هو بالحقيقة محدثا” مفوها” ، و كنت استمتع جدا” بكلمته التي كان يرددها دائما” (طخو ) ..
اظن انكم عرفتم الآن عم كان يتحدث زميلنا في كل مرة ، إنه عن عشيرته التي يبلغ عدد افرادها المحاربين 40 الف زلمة !!
-اربعين الف زلمة يا خلف ، إي ضيعتكم يا دوبها كلها 6000 نسمة
-لك حبيبي عشيرتنا مو بس ضيعتنا ، في عشرين ضيعة تابعة النا ، و في النا ابناء عمومية في الرقة و الدير و بدرعا كمان
-بس اربعين الف كتير ، اي الجيش العربي السوري يا دوبه ميتين الف
-اخي نحنا الولد من عمره 12 سنة بيحمل بارودة ، شو انتي مفكر !!
صح لعشيرة خلف اربعين الف مقاتل ، و هم يزجون في المعركة لاقل سبب ، لخلاف على ديك او شجرة او حتى على رمي زبالة ..و هات طخ …
آخر مرة من شهرين عشيرة خلف طخت 20 زلمة من عشيرة تانية ، شو السبب نسيت ، بس هادا واحد من الامثلة ..
في الحقيقة كانت في مخيلتنا عن قرية خلف انها تعيش مرحلة امرؤ القيس ، حيث كنا نتصور الناس هناك بلباسها التقليدي القديم حاملة سيوفا” و خناجر و لربما بواريد ، روحهم بانوفهم يطلقون النار عند ادنى حركة ..
كنا نسال خلف طبعا’ :

  • طيب وين الدولة ؟
    -الدولة ؟! ما نحنا دولة لحالنا !!
    -طيب اللي عبيطخو ها الناس ما بينسجنو او بيتحاكموا ؟!
    كان خلف لا يجيب بالكلام عندها كان ابهامه بسبابته كناية عن دفع النقود ..
    فعلا” اربعين الف ، إذا دفع الواحد منهم الف ليرة بينجمع اربعين مليون پتشتري قصر العدل بما فيه !!
    بالمختصر و لاسباب لا مجال لذكرها الآن ، قررت انا و احد زملائي زيارة خلف في قريته
    ………
    صحبنا خلف و هو يتمايل خيلاء” إلى سيارة قريته ، ركبنا السيارة معا” و صار طوال الطريق يشرح لنا ، هذه القرية ايضا” تتبع لعشيرتنا ..و هذه ايضا” ثم قال لنا بصوت هامس :
    -وطو صوتكم هاي الضيعة تابعة للعشيرة اللي طخينا منهم عشرين زلمة من شهرين ..
    خفنا بشكل لا شعوري ، و لكن بالاصل نحن لم نكن نتكلم ، كان هو فقط يشرح لنا طوال الطريق ..
    اخيرا” وصلنا القرية المستهدفة ، قرية خلف ، صرنا نتامل الشوارع ، الناس عاديين ، لباسهم عادي ، هذه امراة تشتم بعض الرجال ، هؤلاء باعة يتصايحون ، هذا شرطي يامر السيارات بالوقوف ..لا شيء غير اعتيادي كما كنا نظن ..
    مشينا في الشوارع الطينية المتسخة ، كان اناس كثيرين في الشارع و لكن لا احد يسلم على زميلنا خلف ، و خلف لا يسلم عليهم ، استغربنا كيف هم من عشيرته و لا يسلم بعضهم على بعض ..
    ثم …اوقف احدهم ، شاب مفتول العضلات خلف ، و صار يصرخ :
  • وقف عندك ، اخوك يعني وين بدو يهرب مني ، بدكم تدفعوا العطل و الضرر غصب عن …
    قال خلف : انا مالي علاقة منك لأخوي ..
    ابتعدنا نحن قليلا” عنهم ليكملوا حديثهم و إذ بالرجل بدا يصفع خلف على وجهه بشدة ، استغربنا الموقف ، كان ان يضرب طالب جامعة يعني بالنسبة لنا الكثير ، ارتبكنا ، ماذا نعمل ، نحن غرباء و في منطقة ما في اسهل من الطخ ، الافضل لنا ان لا نتدخل ، و لكن من غير اللائق ان يضرب زميلنا امامنا و لا نتدخل ، اقتربنا منهما محاولين وقف ضرب زميلنا كمصلحين ..و لكن خلف فجاة هرب و اختفى و صرخ علينا :
    -هربو !!
    نحن ؟! اين سنهرب و لماذا ؟! توقعنا ال 40 الف احاطوا بنا بنادقهم و سيوفهم ، نظرنا لا احد إلا هذا الرجل ، و بشكل لاشعوري اندفعنا نحوه و قلنا معا” برعب :
  • و الله العظيم نحنا ما النا علاقة !!
    الرجل نظر إلينا باستغراب و كانه لاول مرة انتبه لنا ، ظهرت عليه علامات الخوف منا رغم اننا كنا نستعطفه ، بالطبع لم يكن ليقدر علينا معا” ..قال لنا :
    -انتو مين حكى معكم ؟!
    و تابع طريقه ، و كأنه يفر منا !!!
    هنا تداولنا انا و زميلنا كيف سنعود إلى حلب ، هل ننتظر هنا السيارة أم في مكان آخر ، كنا خائفين ان نسأل أحد المارة فلربما إذا لم تعجبه اشكالنا (طخنا ) بعدما فقدنا الحامي و الظهير ، ابن العشيرة خلف ، الذي ظهر إلينا بعد قليل من وراء احد الابنية و هو يشير إلينا ..
    اشرنا إليه اننا نريد العودة إلى حلب ، و لكنه كان يشير إلينا بإلحاح
    توقعنا ان شيئا” خطيرا” بانتظارنا ، هرعنا إليه و سالناه برعب:
    -شو في ؟
    -لك ما في شي ، بس ما معقولة بعد ما وصلتو الضيعة تروحو بلا غدا !!
    فعلا” مو حلوة ، و نحن لم نرد ان نترك هذه الذكرى السيئة عند صديقنا ، فجبرا” لخاطره قررنا ان نكمل معه إلى المنزل و نتغدى ..
    فعلا” جهزوا لنا الغداء و لكن الادرينالين جعل طعمه مرا” بالنسبة لنا ، كنا نريد ان ننتهي من طعامنا بسرعة و نعود إلى المدينة ..
    كان إخوته و ابوه يدخلون الغرفة و يخرجون ، يسالون خلف عن تفاصيل الواقعة ، يشتمون احيانا” و يكفرون ..و لكن لم تبد عليهم آثار الاستعداد للثأر و الانتقام ..
    و بالرغم من ذلك انهينا نحن طعامنا بسرعة و طلبنا الاذن بالذهاب ، قال خلف :
    -طيب اشربوا جاي بالاول ..
    و رددنا :
    -معليش ما بدنا ناخركم ، يمكن بدكم تجهزوا حالكن لشي معركة
    قال خلف :
    -لا ما في شي ، هادا واحد من العشيرة ، لهيك ما بدنا نرد عليه !!
    هنا سال زميلي الآخر بخبث :
    -يعني هادا واحد من الأربعين الف ؟!
    يبدو ان خلف انتبه لغمزته ، فقال بانزعاج :
    -لك إي ، انا قلتلكم كل الضيعة هي تابعة النا لعشيرتنا !!
    ………..
    عدنا و في السيارة ، حتى منتصف الطريق لم نتفوه بكلمة ، انا و زميلي ، كان مزيج من الخوف و الاستغراب و الانزعاج ، ثم فجاة ضحكت انا بشكل لاشعوري ..
    سأل زميلي : لماذا تضحك
    لم ارد ان أجاوب ، و لكنه اصر على جوابي فقلت :
    -انا عبحسبها إذا خلف اكل قتلة من كل واحد من هدول الاربعين الف مرة وحدة بحياته ، هيك بيطلعله اربع خمس قتلات باليوم !!
    قال زميلي : إي بس لا تنسى هدول القتلات من أولاد العشيرة ، يعني مو محسوبات !!!
    ………………….
    انتهت القصة
    ………….
    هذا هو حالنا في الحقيقة ، كان المنشد في المسجد يصرخ : يا أمة المليار …
    وينهم هدول المليار (و هلق صاروا اكتر ) ؟! اذا انت عبتموت من الجوع و كل واحد دفعلك قرش سوري بتصير مليونير ، بس خليك ..موت و ما حدا رح يدفع ..
    400 مليون عربي شو رح يقدمولك ؟!
    25 مليون سوري اكتر من نصهم صاروا أعداءك
    حتى الحلبية تلات ارباعهم صاروا ضدك
    لك حتى اولاد الضيعة
    شو رح يفيدك الاربعين الف زلمة اذا عبتاكل منهم قتل كل يوم ، رح يحموك ، من مين رح يحموك ..انتي اسلم منهم بالاول ..
    و عمم يا وطن !!!

  • Social Links:

Leave a Reply