فرح العاقل

حتى في ظل التصريحات الأخيرة للرئيس الشرع عن التوصل لاتفاق بما يخص الجنوب السوري لا زالت
تشهد محافظة السويداء في سوريا توتراً بين السلطة المركزية والفصائل المحلية، حيث تلعب الشخصيات الدينية والسياسية، وعلى رأسها الشيخ “حكمت الهجري” دورًا محوريًا في صياغة موقف المحافظة تجاه الإدارة العامة في دمشق. ورغم أن أيّ من الطرفين لم يصرّح علناً بوجود الخلافات وإنما اختلاف بوجهات النظر حول بعض النقاط، إلا أنه باتت التساؤلات تُطرح حول ما إذا كانت هذه الأطراف تمثل عائقًا أمام الدولة السورية الموحّدة أم أنها تسعى لتصحيح المسار وتحقيق مطالب عادلة لأبناء المنطقة.
ـ الشيخ حكمت الهجري: قيادة روحية أم سياسية؟
يُعد الشيخ حكمت الهجري الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز، لكنه أيضاً صاحب دور سياسي بارز في السويداء تصاعد بعد تأييده لحراك ساحة الكرامة المدني السلمي الذي استمر قرابة العام ونصف بشكل يومي للمطالبة بإسقاط النظام المخلوع، حيث اتخذ مواقف حازمة ضد بعض سياسات دمشق، مما جعله في مواجهة مباشرة مع السلطة. ومن بين أبرز مواقفه:
١- رفض التدخل الأمني المركزي في شؤون المحافظة، والتأكيد على استقلالية القرار المحلي.
٢- المطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمية، حيث تعاني السويداء من إهمال متزايد في قطاعات البنية التحتية، الصحة، والتعليم.
٣- التوسط في النزاعات بين الفصائل والسلطة لمنع التصعيد العسكري.
وعلى الرغم من أنه لا يتبنى خطابًا معاديًا للدولة السورية بشكل مباشر، فإن انتقاداته لسياسات دمشق الأمنية والاقتصادية جعلته في موقف حساس، حيث تعتبره بعض الأوساط الحكومية عاملاً معرقلاً لاستعادة السيطرة الكاملة على المحافظة.
ـ الفصائل المسلحة في السويداء: دفاع محلي أم تمرد؟
مع اندلاع الثورة السورية، والدموية التي قابل بها النظام المخلوع الشعب السوري الثائر، شهدت السويداء ظهور تشكيلات مسلحة محلية، أوّلها وأبرزها “حركة رجال الكرامة” التي تشكلت بدايةً لحماية المحافظة لكنها لاحقًا لعبت أدوارًا متعددة منها:
١- مقاومة التجنيد القسري الذي حاولت دمشق فرضه على شباب السويداء.
٢- التصدي لتدخلات الأجهزة الأمنية ورفض محاولات بسط النفوذ العسكري في المحافظة.
٣- حماية المجتمع المحلي من الفوضى الأمنية التي تفاقمت بسبب غياب الدولة المركزية الفاعلة.
٤- التصدي للهجوم الدموي على المحافظة بواسطة داعش ومن وراءها النظام المخلوع وازلامه في المحافظة، والذي خلّف مئات الضحايا والجرحى.
إلا أن الحالة الفصائلية تحولت من دورها الإيجابي الذي كرّسه مؤسس حركة رجال الكرامة المرحوم وحيد البلعوس إلى حالة من الفوضى أعقبت اغتياله المدبّر من قبل النظام المخلوع بالتعاون مع مخبري الأجهزة الأمنية في المحافظة الذين بدورهم شكلوا فصائل مسلحة مدعومة من هذه الأجهزة كانت مهمتها تخريب النسيج الاجتماعي للمحافظة والعمل على ضرب السلم الأهلي بينها وبين الجارة درعا عبر عمليات الخطف والتعذيب بغرض الفدية وسرقة السيارات وانتاج وتجارة المخدرات.
وعلى الرغم من أن هذه الفصائل المدعومة أمنياً تمّ حل بعضها، مع بقاء قوتين مسلحتين فاعلتين على الأرض هما “حركة رجال الكرامة” و “فصيل لواء الجبل” وأعلنا استعدادهما للانضواء تحت راية الجيش السوري الجديد حال استقرار الدولة،
إلا أن الحكومة السورية تنظر إلى هذه الفصائل بعين الريبة لرؤيتها أنها تساهم في إضعاف سلطة الدولة، مما جعلها هدفًا لمحاولات التفكيك والاحتواء عبر التفاوض.
ـ جذور التوترات بين السويداء ودمشق
هذه العلاقة المتوترة مع دمشق ليست وليدة ما يجري على الساحة المحلية حالياً، بل تعود جذورها إلى عقود من التهميش السياسي والاقتصادي الذي عانت منه المحافظة، بدايةً بتوتر العلاقة بين سلطان باشا الأطرش رمز الحرية في وقته وحافظ الأسد رمز الاستبداد والديكتاتورية، مروراً بقصف الشيشكلي للسويداء لاعتباره أن سوريا أفعى والسويداء رأسها وليس انتهاءً بالمجزرة التي ارتكبها جيش الأسد الابن بحق أبناء السويداء عام 2000، وهجوم داعش الغادر لتطويعها عام 2007. ومن أبرز العوامل التي زادت التوتر خلال السنوات الأخيرة:
١- التهميش الاقتصادي والخدمي، حيث تعاني السويداء من نقص كبير في الخدمات الأساسية، مما أدى إلى انتشار البطالة والفقر بين سكانها وهجرة شبابها لتأمين العيش الكريم لعائلاتهم.
٢- غياب الحلول السياسية للمطالب المحلية، حيث يطالب أبناء السويداء منذ عقود بالمشاركة الفاعلة في القرار السياسي، ورفض فرض حلول أمنية بالقوة.
٣- محاولات دمشق فرض السيطرة بالقوة، وهو ما قوبل بمقاومة من قبل المجتمع المدني والأهلي والزعامات الدينية والفصائل المسلحة.
ـ هل تعرقل السويداء الحل أم تصحح المسار؟
تنظر الحكومة السورية إلى السويداء على أنها جزء من الدولة ويجب أن تخضع لسلطتها بشكل كامل، بينما ترى القوى المحلية أن ما تقوم به دمشق لا يراعي الخصوصية الاجتماعية والسياسية للمحافظة، وهنا ينقسم مجتمع السويداء على نفسه إلى فريقين غير متساويين يغلب فيه تحييد خصوصية السويداء باعتبارها جزء لا يتجزأ من المجتمع السوري، كما يبرز هنا اختلاف وجهات النظر بين دمشق والسويداء، حيث أنه من منظور دمشق، فإن رفض السويداء للقرارات المركزية وإبقاء الفصائل المسلحة نشطة، يشكل تحديًا لاستعادة السيادة الكاملة على الأراضي السورية، بينما من منظور القوى المحلية، فإن ما يحدث هو دفاع عن حقوق السكان، وضمان لعدم تحول المحافظة إلى بؤرة نفوذ أمني قمعي كما حدث في مناطق أخرى.
ـ سيناريوهات المستقبل
عدة حلول قد تكون مطروحة خلال الفترة القادمة:
١- تصعيد أمني بين دمشق والفصائل المسلحة، خاصة إذا حاولت الدولة فرض نفوذها بالقوة وهوأمر مستبعد جداً في ظل توجهات الإدارة الجديدة للتعامل مع القضايا الحساسة حالياً .
٢- حلول وسط عبر التفاوض من خلال إيجاد تسوية تضمن للسويداء استقلالًا إداريًا نسبيًا ضمن الدولة السورية الجديدة
٣- استمرار الوضع الراهن حيث تبقى المحافظة في حالة من الجمود السياسي، بلا تصعيد ولا حلول جذرية وهو ما ترفضه الشريحة الأعظم في مجتمع السويداء.
يبقى الوضع في السويداء سهلاً ممتنعاً، حيث تتداخل مجموعة من العوامل السياسية، الأمنية، والاقتصادية في صياغة مستقبل المحافظة. وبينما تسعى دمشق لاستعادة السيطرة الكاملة، تستمربعض القوى المحلية باحتكار قرار السويداء السياسي بذريعة الدفاع عن خصوصية المنطقة. فهل سيطول الوقت قبل أن يتمكن الطرفان من إيجاد أرضية مشتركة تحقق الاستقرار لينعم السوريين بحياة حرة كريمة حرمهم منها نظام الأسد المخلوع عشرات السنين؟

Social Links: