ماجد كيالي
ثمة مسألتان يفترض لفت الانتباه إليهما، الأولى، أن تلك الحركة لم تنخرط في الكفاح المسلح الفلسطيني، الذي انطلق في منتصف الستينات، فقد حصل ذلك بعد 22 عاما…والثانية، أن تلك الحركة لم تنضو في الإطار الجامع للحركة الوطنية الفلسطينية، أي في “منظمة التحرير”، بل إنها عدت نفسها بديلا لها على كافة المستويات…ولعل أهم ما يجب إدراكه أن ولادة “حماس” أحدثت انشقاقا عموديا في الحركة الوطنية الفلسطينية التي باتت بمثابة حركتين، مع قيادتين ومرجعيتين، على أساسين وطني وديني، وهو أمر لم تعرفه الحركة الوطنية الفلسطينية في تاريخها، رغم خلافاتها السياسية، قبل النكبة وبعد النكبة.
في مراجعة تجربتها، في السياسة والمقاومة والسلطة، يمكننا ملاحظة أن “حماس” لم تحسم بين كونها حركة سياسية أو حركة دينية، ولا في طبيعتها بين كونها حركة وطنية، أو حركة للإسلام السياسي، أو بين مكانتها كحركة تحرّر أو سلطة، وأي جانب من الجوانب الثلاثة المذكورة يغلب على الآخر، لأن لكل طابع متطلباته، ووظائفه، واستهدافاته…
في هذا الإطار، وبعيدا عن عقلية المؤامرة، لا يمكن تجاهل أن إسرائيل رأت أن من مصلحتها تسهيل صعود “حماس”، في المشهد الفلسطيني، في خضم معركتها ضد “منظمة التحرير الفلسطينية”، وفي سياق محاولاتها إضعاف وحدانية التمثيل الفلسطيني، وتقويض الكيان الناشئ عن اتفاق أوسلو، باعتبار أن الفلسطينيين غير مؤهلين لحكم أنفسهم…
صعود “حماس” إلى القيادة والسلطة
من نتائج هذا التطور العاصف أن الفلسطينيين باتوا إزاء كيانين أو سلطتين فلسطينيتين، متنافستين ومتعارضتين، واحدة لحركة “فتح” في الضفة، والثانية لحركة “حماس” في غزة…المشكلة هنا، أيضا، تتعدى الجانب الفلسطيني، أو تداعيات الانقسام، إذ إن الأطراف الدولية والإقليمية والعربية لم تسهل لـ”حماس” تمددها، بيد أن هذه وجدت ملاذا آمنا لها من بعض الأطراف، لا سيما النظام السوري (أقله إلى حين اندلاع الثورة السورية)، ونظام “الولي الفقيه” في إيران، اللذين أرادا الاستثمار في تلك الحركة، بالضد من قيادة “منظمة التحرير”، ولأغراض ابتزاز الأنظمة الأخرى، وبغرض تعزيز أدوارهما على الصعيد الإقليمي…
ولعل مسؤولية “حماس” هنا أنها لم تدرك أنها بانقلابها أضعفت شرعيتها الفلسطينية، وأن الواقع العربي والدولي لا يمكن أن يتعاطى معها، وأنها بذلك تسهم في تبرير مساعي إسرائيل لتشديد حصار قطاع غزة، والتملص من كل استحقاقات التسوية مع الفلسطينيين، ناهيك عن وضع غزة في المهداف الإسرائيلي، الذي يضغط عليها كسلطة، من مختلف النواحي، وهو ما حصل.
إشكاليات “حماس” كسلطة
تعاملها بطريقة قدرية وإرادوية في الصراع مع إسرائيل، مع مبالغتها بقدراتها الذاتية، وكأن قطاع غزة بمثابة جزيرة معزولة عن العالم، أي عن المعطيات الدولية والإقليمية والعربية، التي لا تسمح بهزيمة إسرائيل، ولو على أي مستوى، بفرض أن الفلسطينيين يستطيعون ذلك، علما أن موازين القوى والمعطيات الدولية لم تسمح حتى باستثمار التضحيات والبطولات التي بذلت، في الانتفاضتين، وفي الحروب الإسرائيلية على غزة منذ عام 2008، بدليل خوضها “طوفان الأقصى” (2023) على أساس أن إسرائيل آيلة للانهيار، وعلى وهم مساندة “الملائكة”، و”وحدة الساحات”.
لم تنجح “حماس” في اختبار الديمقراطية، وإدارة المجتمع، إذ إنها لم تنجح في إشاعة الثقة بشأن إمكان تحول الحركات الإسلامية إلى الديمقراطية، التي تتضمن احترام الرأي الآخر، وإغناء التنوع والتعددية في المجتمع، والقبول بالمشاركة، واحترام الرأي الآخر، وبمبدأ تداول السلطة، في ظل سلطة أحادية لا يشاركها فيها أحد.
في العلاقات الخارجية، ثمة اضطراب، أو نوع من التخبط، في الموقف من إيران، بين اعتبار “حماس”، أو جناح فيها، لهذه الدولة كجزء من معسكر المقاومة والممانعة، الذي يضم النظام السوري، وكدولة إسلامية، وبين اعتبارها دولة إقليمية تحاول أن تهيمن على المشرق العربي، مع تحميلها مسؤولية التصدع الدولتي والمجتمعي في هذه المنطقة، لتسببها بإثارة النعرة الطائفية-المذهبية، وإنشائها ميليشيات مذهبية مسلحة تشتغل كأذرع إقليمية لها، ولتوظيفها الصراع ضد إسرائيل لخدمة أجندتها، ناهيك عن دورها في خراب العراق ومقاتلتها السوريين دفاعا عن نظام الأسد، ما أفاد إسرائيل أكثر مما أضرها. أي إن إيران قدمت في ما فعلته في تلك البلدان أكبر خدمة لإسرائيل، التي أضحت الدولة الأكثر أماناً واستقراراً في الشرق الأوسط، ونظرة إلى واقع سوريا والعراق ولبنان واليمن تؤكد ذلك…
“طوفان الأقصى” كنكبة
بنت “حماس” عملية “طوفان الأقصى” على أوهام، أو على رؤى غير مدروسة وقاصرة وقدرية ورغبوية، دون النظر إلى موازين القوى بصورة موضوعية، ودون اهتمام بالمعطيات العربية والإقليمية والدولية السائدة، المواتية لإسرائيل.
هكذا راهنت “حماس” على وهن إسرائيل، التي هي برأيها “أوهى من بيت العنكبوت”، كما على هشاشة جبهتها الداخلية، في حرب تتكبد فيها خسائر بشرية، وعلى قصر نفسها في حرب طويلة الأمد، كما راهنت، كما قدمنا، على ما يسمى “وحدة الساحات”، وحلف “المقاومة والممانعة”، ودعم العالمين العربي والإسلامي، فضلا عن الاعتقاد بتدخل “الملائكة”!…
اللافت أن “حماس”، بعد تلك الكارثة المهولة، لم تذهب نحو مراجعة خياراتها، ولم تبحث عن استراتيجية تراجع، لتجنيب شعبها المزيد من الكارثة، بل إنها ظلت، حتى الأمس، وفي بياناتها في ذكرى انطلاقتها الـ38، تشهر مقولاتها عن أن العدو لم يحقق أهدافه، وأن القضية الفلسطينية باتت في وضع أفضل، وهي ما زالت تدعو الأمتين العربية والإسلامية للتدخل، في انفصام شديد عن الواقع.
ولعل أكثر مأزق تمر به “حماس” هو طرحها الإبقاء على سلاحها، أي على نوع من السلاح الفردي، لضمان أمن المستوطنات، أي تقديمها ذاتها كسلطة موثوقة في هذا المجال، بثمن إبقائها كسلطة في قطاع غزة، وهو التصريح الذي تزامن مع مثيله، الذي خرج على لسان الأمين العام لـ”حزب الله” مؤخرا، في سياق تبريره رفضه نزع سلاحه…
والحاصل، فإنه ورغم كل هذه التجربة الصعبة والمعقدة والخطيرة، فإن حركة “حماس”، مثل كل الحركات السياسية في عالمنا العربي، إسلامية أو علمانية، يسارية أو يمينية، وطنية أو قومية أو أممية، لم تعتد على المراجعة والنقد، مع فارق آخر بالنسبة لحركات الإسلام السياسي، يكمن في أنها تحاول أن تضفي نوعاً من القدسية على سياساتها ومواقفها، بحيث تخرج نفسها من إطار المساءلة والنقد والمحاسبة، علما أنها ممكن أن تخطئ وأن تصيب، ويمكن أن تخفق أو تنجح، في هذا الأمر أو ذاك.
تشاء الأقدار أن تكون عملية “طوفان الأقصى” ذروة صعود “حماس”، وتاليا مقدمة هبوطها في المشهد الفلسطيني، وربما تكون تلك العملية أيضا بمثابة الصفحة الأخيرة، لتيار الكفاح المسلح في إطار الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، التي افتتحت بـ”عملية عيلبون”، التي أعلنت انطلاقة حركة “فتح”، مطلع عام 1965، أما بعد ذلك فبالتأكيد أن الفلسطينيين سيواصلون كفاحهم، من أجل حقوقهم، في أطر سياسية وكفاحية أخرى، ومغايرة، وبناء على دروس تلك التجربة المريرة والطويلة والغنية(مادة طويلة، للاطلاع عليها لمن يرغب في الرابط في مجلة المجلة اليوم

Social Links: