ماركو العلبي
◄ بعد قرارات المصرف المركزي الأخيرة، والتي ستدخل حيّز التنفيذ في مطلع أيار 2026، فإن كل 100 دولار محولة إلى سوريا اليوم، يخسر المواطن حوالي 16 دولاراً منها نتيجة الفارق بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق، وذلك دون احتساب رسوم التحويل نفسها، والتي تصل في كثير من الحالات إلى نحو 4% من قيمة الحوالة.
◄ هذا الرقم كبير جداً، ويعكس تحوّلاً عميقاً في وظيفة التحويلات داخل الاقتصاد. فهذه الأموال، التي تشكّل شرياناً أساسياً للاستهلاك ومعيشة مئات آلاف الأسر، لم تعد تصل كاملة إلى مستحقيها، بل يُعاد اقتطاع جزء منها عملياً عبر آلية سعر الصرف، بما يجعلها تتحول جزئياً إلى مورد تمويلي غير مباشر للخزينة أو للقطاع العام المالي.
◄ في هذا الإطار، يأتي قرار إلزام تسليم الحوالات الخارجية بالليرة السورية وفق سعر صرف إداري أدنى من السعر المتداول في السوق. لا شك لدي أن هذا القرار سيُطرح على أنه في سياق تنظيم السوق وتعزيز دور القطاع المصرفي، لكنه يعكس في الوقت نفسه توجهاً نحو تشديد السيطرة على تدفقات القطع الأجنبي، بعد أن أظهرت سياسات تقييد (حبس) السيولة بالليرة محدودية قدرتها على تحقيق الاستقرار النقدي المطلوب.
◄ من منظور العرض والطلب، يرتفع سعر الصرف عندما يتزايد الطلب على الدولار مقابل عرض محدود، بينما يؤدي تدفق الدولار عبر القنوات الرسمية إلى زيادة العرض وتخفيف الضغوط السعرية. غير أن تقييد الوصول إلى الدولار أو فرض أسعار غير توازنية يدفع المتعاملين إلى السوق الموازية، ما يعيد اختلال العلاقة بين العرض والطلب ويُبقي الضغوط قائمة.
◄ خلال المرحلة السابقة، ركّزت السياسة النقدية على تقليص الكتلة النقدية بالليرة بهدف الحد من الطلب على الدولار. إلا أن هذه المقاربة واجهت تحديات واضحة، في مقدمتها ضعف الثقة بالعملة الوطنية واتساع النشاط الاقتصادي خارج القنوات الرسمية. ومع استمرار هذه العوامل، أصبح من الصعب تحقيق نتائج ملموسة عبر الأدوات التقليدية وحدها، ما دفع إلى اعتماد مقاربة أكثر مباشرة ترتكز على التحكم بمصادر تدفق الدولار، وفي مقدمتها الحوالات.
◄ في المقابل، سيجري تقديم هذه الإجراءات تحت عنوان «إصلاح القطاع المصرفي» واعتبارها خطوة نحو إعادة تنشيط دور البنوك في الوساطة المالية. غير أن هذا الطرح يثير كثيراً من الشكوك، ذلك أن الكتلة الأساسية من السيولة بالدولار داخل سوريا تقع خارج الجهاز المصرفي أصلاً، سواء لدى شركات الصرافة وشبكات التحويل أو في حيازة الأفراد. وفي ظل هذا الواقع، فإن فرض قيود سعرية على الحوالات لا يضمن عودة هذه الأموال إلى البنوك، بل قد يدفع إلى مزيد من الابتعاد عنها واللجوء إلى قنوات بديلة أكثر مرونة، تنشط فيها السمسرة والمضاربة، وتبرز فيها كيانات شبه رسمية مثل بنك شام وذراعه «شام كاش».
◄ الفارق بين السعر الرسمي البالغ 11050 ليرة والسعر الموازي الذي يدور حول 13200 ليرة، أي ما يمكن التعبير عنه بفجوة الـRate التي تترجم عملياً إلى اقتطاع يقارب 16.3% من قيمة كل تحويلة. وإذا استمر حجم الحوالات عند مستوى 4 مليارات دولار سنوياً خلال الفترة الممتدة من مايو 2026 إلى مايو 2027، فإن هذا الفارق يعادل نحو «652 مليون دولار سنوياً». هذا الرقم لا يمكن قراءته فقط كمؤشر مالي، هذه «ضريبة جديدة غير مباشرة» تُفرض على التحويلات، من دون إعلان صريح، لكنها تؤدي وظيفة مالية واضحة في إعادة توجيه جزء من دخول الأسر نحو الدولة بشكل قسري يفتقر لأدنى شرعية ممكنة!
◄ هذا الأثر يمتد إلى ما هو أبعد من الدخل الفردي، حيث يؤدي تراجع القدرة الشرائية إلى إضعاف الاستهلاك، وهو اليوم العامود للنشاط الاقتصادي الذي يُدرٌّ للدولة إيرادات (من الجمارك والرسوم). ومع انخفاض الطلب، تتراجع حركة الأسواق تدريجياً، ما يعمّق حالة الركود القائمة. في الوقت نفسه، يزداد الحافز للبحث عن قنوات بديلة لتلقي الحوالات خارج الإطار الرسمي، وهو ما يساهم في توسيع نطاق السوق الموازية بدلاً من تقليصها.
◄ تتجه هذه السياسة إلى تحقيق مورد مالي ملموس خلال فترة زمنية قصيرة، لكنها في المقابل تفرض كلفة مباشرة على الأسر وتؤثر في توازنات السوق. ومع استمرار الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، تزداد الضغوط على النظام النقدي، ويصبح الحفاظ على الاستقرار أكثر تعقيداً. وفي بيئة اقتصادية تعاني أساساً من هشاشة واضحة، تبرز الحاجة إلى مقاربات تعيد بناء الثقة وتستوعب السيولة ضمن الأطر الرسمية، بدلاً من دفعها إلى الخروج منها. لا يمكن أن تجبر الناس على الثقة بالعملة بالقوة.
◄ المقاربة يجب أن تنطلق من تعزيز ثقتهم بالعملة الوطنية، وذلك عبر اعتماد سياسات اقتصادية تعيد الاعتبار للإنتاج الحقيقي في الاقتصاد، وفي مقدمتها تخفيف الاعتماد على الاستيراد وضبطه بما يتناسب مع القدرات التمويلية، مقابل دعم الإنتاج الوطني ورفع تنافسيته. فالقيمة الفعلية للعملة لا تُفرض بقرارات إدارية، وإنما تنبع من قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير وتوليد القطع الأجنبي. وعندما يصبح هناك عرض حقيقي من السلع والخدمات المحلية، وتتراجع الحاجة إلى الدولار لتمويل الاستيراد، تبدأ العملة باستعادة جزء من قيمتها بشكل طبيعي ومستدام، بعيداً عن الضغوط المصطنعة والإجراءات القسرية.

Social Links: