من سياسة الرضا الى صناعة الخضوع

من سياسة الرضا الى صناعة الخضوع

د محمود عباس

حين تخفض الحكومة السورية الانتقالية سعر شراء طن القمح إلى نحو 340 دولارًا، بعد أن كان في الموسم الماضي أعلى بكثير- 460 دولاراً، فهي لا تُصدر قرارًا زراعيًا فقط، بل تكشف فلسفة حكم كاملة.

ففي العام الماضي، حين كانت الحكومة هشّة ومرتبكة وتبحث عن كسب الشارع، رفعت السعر واسترضت الفلاح. أما اليوم، بعدما شعرت أنها غرست جذورها في السلطة، بدأت تنتقل من سياسة الاستمالة إلى سياسة الإفقار، ومن شراء الرضا إلى صناعة الخضوع.

فالقمح في سوريا ليس محصولًا عابرًا؛ إنه عرق الريف، وذاكرة الأرض، وميزان العلاقة بين الدولة والإنسان. وحين تشتري الحكومة قمح الفلاح بثمن لا يحترم كلفة البذار والوقود والسماد والنقل والتعب، فهي لا تخفض السعر فقط، بل تخفض قيمة الإنسان الذي زرع وسهر وانتظر المطر وواجه الجفاف والحرب والغلاء.

هذه ليست سياسة اقتصادية بريئة، بل إخضاع ناعم. فالسلطة التي لا تستطيع إقناع الناس بمشروعها، والتي كانت بالأمس ترتجف من غضب الشارع، تحاول اليوم أن تقتل الأصوات التي قد تهددها عبر إفقار المجتمع وإشغاله بلقمة العيش. تُبقي الناس تحت ضغط الحاجة، كي لا يفكروا في الدستور، ولا في الحقوق، ولا في الحرية، ولا في سؤال من يحكمهم وكيف يحكمهم ،فالإنسان المرهق بالخبز اليومي لا يجد وقتًا كافيًا ليسأل عن وطنه المسروق.

إن تخفيض سعر القمح ليس رقمًا في نشرة زراعية، بل رسالة قاسية إلى الفلاح، ازرع لنا الخبز، وسنترك لك الفقر. وحين تشتري الدولة قمح الفلاح بثمن بخس، فهي لا تسرق محصوله فقط؛ إنها تسرق وقته، وكرامته، وقدرته على أن يرفع رأسه ويسأل، لمن هذا الوطن؟

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
17/5/2026م

  • Social Links:

Leave a Reply