هل يعيد أحمد الشرع طلاء السجون؟

هل يعيد أحمد الشرع طلاء السجون؟


زكي الدروبي

عضو المكتب السياسي لحزب اليسار الديموقراطي السوري

أعلن المعتقل السابق فاتح جاموس على صفحته في فيسبوك عن استدعائه يوم (الثلاثاء) الماضي إلى فرع الأمن السياسي ليتم إبلاغه بـ “أدب شديد واحترام عالٍ” – حسب وصف جاموس – ضرورة وقف نشاطه السياسي في قاعة بيته بحجة “عدم الترخيص”.

بدايةً، دعوني أوضح وبشكل قاطع أنني أختلف في الكثير من المواقف السياسية مع الأستاذ جاموس، سواء موقفه من الثورة أو مواقفه الحالية، فنحن لا نلتقي في نفس الخندق السياسي، لكن قضيته اليوم ليست قضية “شخص”، بل تتعلق بما يمكن تسميته بـ “قواعد اللعبة السياسية” التي نبنيها لسوريتنا الجديدة بعد الخلاص من أقذر نظام مستبد مرَّ علينا في تاريخ سوريا.

الحرية لا تُباع بالتقسيط، والديمقراطية ليست “منحة”
في الدول الطبيعية، لا تُقاس الديمقراطية بكيفية تعامل السلطة مع المؤيدين، بل بكيفية حماية حق “خصومها” في التعبير عن رأيهم المعارض لها. إن الدفاع عن حق “جاموس” أو أي مواطن سوري في ممارسة نشاطه السياسي، هو دفاع عن حق أي شخص منكم في ألا يكون مجرد رقم في زنزانة ما.

عندما يستدعي الأمن مواطناً سورياً، أياً كان فكره ورأيه، ويطلب منه الصمت في بيته بذريعة “قانون أحزاب” لم يصدر، فهو يقوم بالاحتيال السياسي؛ فالأصل في الأشياء الإباحة، وحين نكون في مرحلة انتقالية خارجين من أبشع استبداد عاصرناه في عصرنا الحديث، ونتذرع بقوانين لم تصدر لتكميم الأفواه، فهذا مؤشر خطير يجب التوقف عنده بدقة؛ فكيف إن كان هذا المواطن معارضاً سياسياً لنظام الأسد، قضى سنوات طويلة في معتقلاته؟!

سياسة ممنهجة وليست تصرفاً فردياً
ما قام به فرع الأمن السياسي في اللاذقية ليس تصرفاً معزولاً، بل نستطيع أن نقول بأنه سياسة ممنهجة؛ فالاغتيالات المعنوية التي تُمارس يومياً من قبل نشطاء وشخصيات قريبة من السلطة تجاه المعارضين لها، وصدور تعليمات تمنع الفنادق والمقاهي والصالات العامة من استضافة أي اجتماع سياسي دون “موافقة أمنية مسبقة”، والاعتداءات بالضرب من قبل جمهور محسوب على السلطة على وقفات تنتقد أداءها، كلها مؤشرات توضح أن ما يجري هو سلسلة حلقات تطارد الكلمة المستقلة حتى داخل البيوت. إنها محاولة لتحويل سوريا إلى سجن جديد بأسماء مختلفة ويافطات متنوعة، حيث يُسمح لك أن تجوع بصمت بسبب الاحتكارات والفشل في الأداء، لكنك ممنوع من الاجتماع لتناقش أسباب جوعك.

بين رغيف الخبز وغرفة فاتح جاموس
يرى البعض أن انشغالنا برغيف خبز الناس وسرقة بضع غرامات منه “قضية تافهة”، ويرى آخرون أن هذا الانشغال مرده الموقف من السلطة، وليس الحرص على لقمة عيش الناس، بينما يرى اتجاه ثالث بأن التضييق على النشاط السياسي أمر عابر، لكنه في الحقيقة أمر خطير ينطلق من مبدأ واحد وهو “غياب المحاسبة”.

القمع السياسي هو المظلة التي تحمي الفساد وتدهور معيشة الناس، والسلطة التي تخاف من “طاولة يتحاور حولها بضعة أشخاص” في بيت أو مقهى، أو منشور فيسبوك عابر لم يتعدَّ عدد “لايكاته” العشرين، هي سلطة غير واثقة بنفسها وعملها، وهي نفسها التي تستقوي على رغيف المواطن الفقير وتتوقع منه التصفيق.

في النهاية
في سوريا بعد الأسد، نحن نحتاج إلى “دولة القانون” التي ترفع يد الأمن عن عقولنا، ولن تدغدغ مشاعرنا المعاملة اللطيفة – “المؤدبة” حسب تعبير الأستاذ جاموس – الحالية لعناصر الأمن؛ فقد خبرنا القتل تحت التعذيب في سجون السلطة الانتقالية حين كانت سلطة تحكم مدينة إدلب، وخبرنا قمع الثوار والأحرار في ذلك الوقت. إن حرية العمل والتنظيم السياسي، والكلمة، حق طبيعي، لا يحتاج إلى إذن أو ترخيص مسبق من “أبو فلان” في الأمن.

أنا أدافع عن حق فاتح جاموس أو أي مواطن سوري في العمل السياسي والمعارضة؛ لأنني أؤمن أن الوطن الذي لا يتسع لخصمي، لن يتسع لي غداً، والكرامة تبدأ بـ “كلمة حق” وتنتهي بـ “رغيف خبز” كامل غير منقوص.

  • Social Links:

Leave a Reply