زكريا نمر
في الازمنة المضطربة يكثر الحديث عن الثقافة ويقل وجود المثقف الحقيقي. تصبح الكلمات اكثر من الافعال والشعارات اكثر من الوعي والضجيج اعلى من الفكرة نفسها. الجميع يريد ان يبدو مثقفا: صورة مع كتاب او اقتباس فلسفي او منشور غاضب او هجوم على السلطة او خطاب طويل عن الحرية والعدالة. لكن خلف هذا المشهد المزدحم يظل السؤال الحقيقي غائبا: ما وظيفة المثقف اصلا؟
هل وظيفة المثقف ان يلعن الواقع فقط؟ هل دوره ان يثبت تفوقه العقلي على الناس؟ هل الثقافة مجرد تراكم معلومات واسماء فلاسفة ومصطلحات معقدة؟ ام ان المثقف الحقيقي هو الذي يقلص اكبر قدر من السلبيات ويوسع دائرة الايجابيات داخل المجتمع؟ هذه الفكرة تكشف ازمة عميقة تعيشها كثير من المجتمعات الافريقية والعربية. لاننا نعيش زمنا اصبح فيه بعض المثقفين جزءا من الازمة بدل ان يكونوا جزءا من الحل. لم يعد المثقف دائما حامل للوعي بل احيانا يتحول الى ناقل للاحباط والكراهية والعدمية والتعالي.المثقف الحقيقي لا يقاس بحجم مكتبته بل بحجم الاثر الانساني الذي يتركه. ليس المطلوب ان يكون خطيبا دائما ولا ناقدا غاضبا باستمرار، بل ان يكون عقلا يعمل على تقليل العنف والجهل والكذب والانقسام داخل المجتمع.من اكبر الاخطاء التي وقع فيها بعض المثقفين انهم تعاملوا مع الثقافة باعتبارها سلطة فوق الناس لا مسؤولية تجاههم. ظهر نموذج المثقف المتعالي الذي يحتقر المجتمع بحجة انه جاهل ومتخلف وغير واع. هذا النموذج يعتقد ان السخرية من الناس دليل ذكاء وان احتقار العامة علامة تفوق فكري. لكنه في الحقيقة يعيد انتاج الاستبداد بشكل اخر.
المثقف الحقيقي لا يعيش ضد الناس بل بينهم. لا ينظر اليهم ككتلة غبية بل كضحايا لتاريخ طويل من القمع والفقر والتضليل. هناك فرق بين مثقف يحاول رفع الوعي ومثقف يستمتع بإثبات ان المجتمع ساقط. الاول يحمل مشروعا انسانيا والثاني يعاني من تضخم الذات.النقد وحده لا يصنع مثقفا. النقد اذا تحول الى عادة نفسية بلا افق بناء يصبح نوعا من الادمان الذي يمنح صاحبه شعورا زائفا بالتفوق. كثير من المثقفين ينتقدون كل شيء الدين والقبيلة والدولة والمعارضة والتعليم والاعلام لكنهم لا يقدمون بديلا حقيقيا يساعد الناس على العيش بشكل افضل.في زمن وسائل التواصل الاجتماعي تحولت الثقافة احيانا الى استعراض لغوي. بعض الكتاب يكتبون بطريقة معقدة فقط ليبدو عميقا لا ليقول شيئا مفيدا. الغموض في كثير من الحالات ليس عمقا بل ضعف في الفكرة. المثقف الحقيقي لا يعقد المعنى ليبدو مختلفا بل يبسطه دون ان يفرغه من قيمته.
كم من شخص يحفظ اسماء الفلاسفة لكنه يفشل في احترام انسان مختلف عنه. كم من كاتب يتحدث عن الحرية وهو يمارس الاستبداد داخل دائرته الصغيرة. كم من مثقف يهاجم العنصرية علنا لكنه يمارسها قبليا او طبقيا. المشكلة ليست في وفرة الخطابات بل في غياب الصدق الاخلاقي.المثقف الحقيقي لا يحول الثقافة الى قناع. بل يجعلها سلوكا يوميا. لان المعرفة دون ضمير قد تتحول الى اداة خطيرة. التاريخ مليء باشخاص متعلمين استخدموا علمهم لتبرير الظلم والحروب والاستبداد. لذلك السؤال ليس من يعرف اكثر بل من يستخدم معرفته بشكل انساني.في كثير من البلدان الافريقية والعربية يعيش المثقف ازمة مزدوجة. ازمة مع السلطة التي تحاول تدجينه او شرائه او توظيفه. وازمة مع مجتمع مرهق ينظر احيانا الى المثقف ككائن منفصل عن الواقع. بين هذين الطرفين يفقد المثقف الحقيقي مساحته تدريجيا.
هناك مثقف يعيش حياته كلها داخل معركة شخصية مع خصومه لا مع افكاره. يتحول الى كائن غاضب يكتب بدافع الانتقام لا بدافع الوعي. ومع الوقت تصبح الثقافة اداة لتصفية الحسابات بدل ان تكون اداة للفهم.واحدة من اعمق الاشكالات هي علاقة المثقف بالقبيلة والانتماءات الضيقة. كثيرون يتحدثون عن الدولة والحداثة والانسانية لكن عند اول اختبار يعودون الى الانتماء الضيق. هنا تسقط الفكرة الثقافية امام الواقع الاجتماعي.لا يمكن لمثقف ان يدعي الدفاع عن العدالة وهو يبرر الظلم عندما يصدر من جماعته. ولا يمكن لمن يمارس الكراهية القبلية ان يتحدث عن الانسانية. تجاوز هذه الدوائر الضيقة شرط اساسي لبناء وعي حقيقي.مع صعود الفضاء الرقمي ظهر نوع جديد من المثقفين يعتمد على التفاعل السريع. يقيس قيمته بعدد الاعجابات لا بعمق الفكرة. يكتب ما يثير الجدل لا ما يفتح افقا. وهكذا تحولت الثقافة عند البعض الى منافسة على الانتباه لا على الحقيقة.
المثقف الحقيقي قد يخسر الشعبية احيانا لانه يرفض السطحية ويرفض تبسيط القضايا المعقدة بطريقة مضللة. الفكرة العميقة تحتاج وقتا ولا تعيش دائما في منطق السرعة.المثقف ليس معزولا عن الاخلاق. يمكن للانسان ان يكون قارئا جيدا ومثقفا من حيث المعلومات لكنه يستخدم ذلك في تبرير الاستبداد او الكراهية. لذلك الثقافة ليست فقط معرفة بل مسؤولية اخلاقية تجاه المجتمع.المجتمعات لا تنهض بكثرة المتعلمين فقط بل بنوعية الضمير الثقافي الذي يحكمهم. حين تتحول المعرفة الى وسيلة للتعالي تفقد معناها. وحين تتحول الى اداة للايذاء تصبح شكلا من العنف الناعم.
السؤال حول قدرة المثقف على التغيير يبقى مطروحا. المثقف وحده لا يغير المجتمع لكنه يمنع انهياره الكامل. دوره ان يحافظ على وجود العقل داخل الفوضى. ان يخلق مساحة للتفكير في زمن الضجيج. ان يربط الفكرة بالحياة اليومية لا ان يجعلها نخبوية معزولة.التغيير الكبير يبدأ احيانا من اسئلة صغيرة تزرع الشك في اليقين الزائف. من فكرة تعيد فتح النقاش. من خطاب يخفف الكراهية بدل ان يضاعفها. من محاولة فهم بدل ادانة دائمة. المثقف الحقيقي ليس من يكتب اكثر بل من يقلل الاذى. ليس من يصرخ اعلى بل من يختار متى يتكلم ومتى يصمت. ليس من يضيف طبقة جديدة من الصراع بل من يحاول تخفيفه.الثقافة ليست زينة فكرية بل مسؤولية ثقيلة. والمثقف الذي لا يقلص مساحة السلبيات ولا يوسع دائرة الايجابيات يصبح جزءا من المشكلة حتى لو امتلك لغة عالية وكتبا كثيرة.

Social Links: