لطيفة زهرة المخلوفي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن نقد الاستعمار، وتحليل تبعاته على مصائر بلدان الجنوب، ليس مجرد تعقب لتدخلات مباشرة أو غير مباشرة لتقويض السيادة، بل إلى جانب ذلك هو تفكيك ببنية معرفية مهيمنة تحتكر تمثيل الآخر، معتبرة إياه آخر أدنى وأقل، فما تنتجه الشعوب المستعْمِرة صنف في دائرة الثقافة المحلية والخرافة، ولم يرتقي ليصبح معرفة أو علما، في المقابل اعتبر الاستعمار أن كل ما أنتجه علوما ومناهجا علمية موضوعية لا يستقيم أي بحث بدونها.
ارتباطا بتعبيرات العصيان المعرفي التي وضعت أسسها الديكولونيالية، ستنوقف عند مساهمة واحد من أبرز الأقلام السردية الأفريقية، “تشينوا أتشيبي” Chinua Chinụalụmọgụ Achebe، من مواليد 1930.
في “أوجيدي” شرقي نيجيريا، وتوفي بتاريخ 21 مارس 2013 بولاية بوسطن.
تلقَّى تعليمه بالكلية الحكومية في أومواهيا، ثم بكلية إبادان الجامعية، وعمل بالإذاعة والخدمة المدنية أيضا. كما اشتغل في الفترات الأخيرة من حياته بالتدريس في الجامعات النيجيرية، وجامعات بالولايات المتحدة الأمريكية. له مؤلفات عديدة منها: سهم الرب 1964، ابن الشعب 1966، كثبان السافانا 1987.
لم يولد اهتمام “تشينوا أتشيبي” بمقاومة الاستعمار في مساحات الأدب من فراغ، بل تشكل لديه الوعي النقدي منذ طفولته، حيث عاين تحولات كبيرة في حياة أسرته مع بداية التدخل البريطاني، وبدأت أولى هذه الهزات الكبرى باعتناق والداه الدين الجديد، فانضما إلى جمعية التبشير بالكنسية البروتستانتية في نيجيريا. انطلقت تعاليم الدين المسيحي تفرض نفسها بالقوة عليه وعلى أشقائه الخمسة، حيث تم تلقيبهم بأسماء دينية تحمل دلالات ذات صلة بالمسيحية. فكان الاسم الكامل لأتشيبي تشينولموجو عبارة عن دعاء لطلب الحماية الإلهية والاستقرار، وهو ما يترجم حرفيا: “لعل الرب يحارب عنّي”.
من أصغر المساحات إلى أكبرها، بدأت العوالم المحلية للإغبو تتداعى تحت سطوة الهيمنة الإستعمارية، وأصبح ينظر للثقافة والعادات المحلية لقومية الإغبو كأعراف خرافية يجب طمسها خاصة مع الانتشار الواسع للبعثات التبشيرية في نيجيريا، والتي كانت البداية العملية للاستيطان البريطاني.
وقد كان الحكي عمودا فقريا للعادات التراثية والمحلية لشعب الإغبو، مما جعله جزءاً أصيلا في تكوين المجتمع نفسه. فنشأ أتشيبي في بيئة كانت فيها الحكايات منهجية تفكير جماعي، وأرشيفا لتاريخ المنطلقة، وبذلك رافقته روايات الإغبو في طفولته، وزرعت فيه بذرة الابداع السردي بشكل مبكر.
من المفيد أن نتوقف عند المحطات البارزة في مسيرة “تشينوا أتشيبي”، ولعل أبرزها التحاقه بالكلية الحكومية بنيجريا سنة 1948، والتي اعتمدت منهجا وطرازا إنجليزيا بالكامل، مع تمويل كامل من الإدارة الاستعمارية الإنجليزية آنذاك، بغاية تكوين نخب محلية تخدم مصالحها في المستقبل. احتكمت السلطة الإستعمارية إلى معايير صارمة؛ فقد كان قبول التلاميذ بها قائم على أساس قدرات علمية فائقة. ولغة المستعمِر اللغة الرسمية، لمحو التنوع اللغوي بنيجيريا، وتنصيب الإنجليزية لغة مشتركة بين الطلاب من المجموعات اللغوية النيجيرية المختلفة. وقد عبر “أتشيبي” عن أهداف تلك الإجراءات بقوله:
“أن يهجروا لغاتهم الأم على أن يتواصلوا بلغة المستعمِر”.
وتم تطبيق كل ذلك بكل حزم وقوة، وكان من نصيب “أتشيبي” أول عقوبة بسبب خرقه لهذا القانون حين طلب من أحد زملائه خدمة بلغته الإغبو.
أحرز “أتشيبي” تفوقا ونبوغا في المدرسة منذ سنته الأولى، وبرز اهتمامه وتعلقه الشديد بالمطالعة، والالتصاق بالأدب، حيث أصبحت قراءة اصدارات الأدب الإنجليزي وغيره كوة يكتشف عبرها عوالم رحبة. فمن خلال سيرة “الخروج من الرق”، والتي صدرت عام 1901 لعبد أمريكي سابق، تعرف على حياة العبودية في الولايات المتحدة الأمريكية، وبفعل الهيمنة الثقافية والمعرفية التي مارسها الإستعمار وتقوت دعائمها عبر التعليم، كان منحازا للرجل الأبيض فهو كما صورته السردية البيضاء: عقلاني، شجاع ونموذجي عكس الرجل الأسود.
وعلى الرغم من كونه أول روائي افريقي بارز يكتب بالإنجليزية، لكن هوية كتاباته كانت محلية خاصة بعد نضجها، فلم تخلو من نقد الإستعمار وتداعياته المرئية والخفية. بحيث اشتغلت أعماله على دراسة مخلفات الإمبريالية البريطانية على المجتمعات الإفريقية.
من هذا المنطلق يمكن القول أنه رام توظيف اللغة كأداة المستعمِر لتغذو وسيلة مقاومة يكشف من خلالها كيف هدم الوجود الاستعماري البريطاني الحياة القبلية التقليدية.
بفعل تفوقه الدراسي حصل على منحة دراسة الطب بجامعة “إبادان”، لكن أتشيبي ترك دراسة الطب وتحول لدراسة اللغة الإنجليزية والتاريخ وعلم اللاهوت. وكان من أقدم الأقسام بالكلية.
من رحم هذا المسار ولدت روايته “الأشياء تتداعى” أو “عندما ينهار كل شيء” الصادرة سنة 1958 باللغة الإنجليزية. ينقل الكاتب صورة حية للقارئ عن حياة قبيلة الإغبو، حتى أن الحبكة والشخصيات شكلت رموزا مثلت نمطا حياة تاهت مع توغل التدخل الكولونيالي.
تدور أحداث الرواية حول شخصية “أكونكو”، والذي يكافح ضدد الإرث المهين الذي تركه له والده والذي كان مديونا ولا يعرف إلا حب العزف على آلة الفلوت. كما تطرقت القصة للتعقيدات والتناقضات التي نشأت منذ وصول البعثات التبشيرية إلى قرية أموفويا. كما تعرض الرواية ألوان الصراع الثقافي ولاسيما ذلك الذي ظهر بين تقاليد قبائل الأغبو والعقيدة المسيحية التي حملها الإستعمار الانجليزي، ومن خلال القصة يستعرض أتشيبي بعضا من الحكايات الشعبية والتي تنبع من نشأته على مثل هذه الحكايات.
تعد رواية اليوم “لأشياء تتداعى” من أهم كتب الأدب الأفريقي. وقد بيعت منها أكثر من ثمانية ملايين نسخة حول العالم، كما تم ترجمتها إلى أكثر من خمسين لغة، مما أهل “أتشيبي”، ليكون من أكثر الكتاب الذين تمت ترجمة كتبهم له على مدار التاريخ.
أدرجت الرواية ضمن مجموعة من الكتب في مكتبة “بوكلبين” العالمية والتي تم ترشيحها من خلال مائة كاتب من أربع وخمسين دولة مختلفة، وتم تجميعها وتنظيمها من قبل النادي النرويجي للكتاب. وتسعى هذه المجموعة لعرض الأدب العالمي من خلال كتب مختلفة، من جميع الثقافات، ومن فترات زمنية متنوعة.
وقد علّق الكاتب النيجيري الحائز على جائزة نوبل للأداب “وولي سوينكا”، على هذا العمل بالقول أن هذه هي الرواية الأولى المكتوبة بالإنجليزية والتي تتحدث من أعماق الشخصية الأفريقية، دون تصوير الشخصية الأمريكية للرجل الأفريقى كونه ذلك الغريب، أو كما يراها الرجل الأبيض.
من صميم ما كابده “أتشيبي” الأب من تعبيرات العنصرية، ووهم التفوق العرقي خاصة من طرف المدرسين أصحاب البشرة البيضاء، إلى جانب الكتب والتي عكست وجهة نظر مغايرة عن الحياة الأفريقية. خاض أتشيبي غمار أدب الطفل، ونشر سنة 1966 كتابه الأول للأطفال “تشيكي والنهر” مستعرضا بعضا من هذه المخاوف بشكل بسيط لكن لا يخلو من نزعة نقدية.
ختاما، إن عرض هذه الملامح من سيرة الكاتب “أتشيبي”، جاء خدمة لغرض إضاءة هذه المساحة من الجنوب العالمي، وتعرف الكيفيات التي انتقد من خلالها الابداع السردي الافريقي مجمل السرديات الكبرى التي بشرت بها خطاب المركزية الغربية في قراءتها للعالم والتاريخ وثقافات الشعوب، وهو ما يندرج ضمن مشروع تفكيك ثنائية الهامش/المركز، لخطاب الهيمنة الامبريالي، بافريقيا كجزء من الجنوب العالمي.
Social Links: