د شهد صالحة

إنّ تغيّر ملامح الإيمان بالوطن والانقلاب نحو الوثنيّة بدا في مجموعة من المظاهر الّتي شهدها الفضاء المعرفيّ السّوريّ، والّتي استطعت رصدها على سبيل المثال لا الحصر، في جملة من الممارسات الّتي لوّثت المفاهيم والقناعات، وخصوصا في الاغتراب، وهي:
أوّلا: استبدال «الوطن» بـ «المعسكر» (تلوّث البيئة الحاضنة).
لقد أدّى هذا التّشتّت إلى «تلوّث كيميائيّ» في بنية الشّتات السّوريّ؛ فالبيئة الحاضنة لم تعد مجتمعا عضويّا، بل استبدلت بـ «معسكرات أيدلوجيّة». السّوريّ في مغتربه لم يعد يبحث عن سوريّ يشاركه وجع الغربة، بل يبحث عن «مرآة أيدلوجيّة» تعيد إنتاج يقينيّاته الضّيّقة. إنّ غياب «التّقويم الموحّد» ليس خلافا تقنيّا، بل هو إعلان عن «إقصاء الآخر»؛ فمن لا يصوم بقرار «مرجعيّ الأيدلوجيّ» هو غريب يجب نبذه. هذا التّلوّث حوّل الشّتات من حضن ترميميّ للذّات المكلومة إلى بيئة طاردة تقتات على التّخوين المتبادل.
ثانيا: شرعنة الشّتات الأسريّ واغتيال الذّاكرة المشتركة
أخطر تجلّيات هذا التّلوّث هو ما يتغلغل في «الخليّة الأسريّة» السّوريّة. عندما تقتحم الصّراعات العابرة للحدود مائدة العيد على سبيل المثال، فنحن لا نفقد يوما زمنيّا، بل نغتال «الذّاكرة المشتركة». التّباين في توقيت الشّعائر داخل البيت الواحد يزرع لغما في هويّة الجيل القادم؛ جيل ينمو في كنف «التّفتّت كقدر محتوم». هذا التّشظّي الأسريّ هو «تلوّث بيئيّ» يمنع تراكم الرّأس المال الاجتماعيّ، ويجعل من «التّمزّق» هويّة بديلة عن الانتماء السّوريّ العريق.
ثالثا: تآكل «الكتلة الحرجة» أمام المجتمعات المضيفة
على المستوى السّوسيولوجيّ الكلّيّ، يؤدّي هذا التّشتّت إلى فقدان السّوريّين لـ «المظلّة الأخلاقيّة» أمام الآخر. عندما يعجز مجتمع عن الاتّفاق على «يوم فرحه»، فإنّه يفقد هيبته الحضاريّة وخصوصيّته السّياديّة أمام الدّول المضيفة. هذا التّلوّث يمنح المبرّر للآخرين للتّعامل مع السّوريّين ككتل متصارعة هشّة يمكن تفكيكها أو ترحيلها، لكونهم لا يشكّلون «كتلة حرجة» ذات مرجعيّة متماسكة، بل مجرّد أفراد مشتّتين يسهل استلاب حقوقهم.
يشبه الإنسان السّوريّ أسطورة «سيزيف»؛ لكنّه لا يحمل صخرة صلبة، بل يحمل «شظايا هويّته المكسورة». وفي كلّ مرّة يقترب فيها من قمّة «التّوحّد الرّوحيّ» في لحظة العيد، تهوي به رغبات المموّلين وأهواء «سلطات الظّلّ» إلى قاع الشّتات من جديد. إنّ السّوريّ اليوم لا يجد وطنا في أخيه، بل يجد «خصما» ينتظر توقيت «هلال سياسيّ» ليثبت بطلان انتماء الآخر. إنّ تلوّث البيئة الحاضنة هو المرحلة الأخيرة من مراحل «هتك النّسيج»، حيث يصبح الإنسان السّوريّ لاجئا حتّى في قلب أخيه.
Social Links: