هوغو ميشيرون

مقال إشكالي كتبه هوغو ميشيرون، المتخصص في شؤون الحركات الجهادية، والذي كان ضمن الوفد الذي رافق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا، حيث التقى أحمد الشرع. ويسرد هنا مشاهداته.
“ما الذي رأيته في دمشق إلى جانب إيمانويل ماكرون”
فُتح باب طائرة “إير فرانس وان”، فيما كانت أشعة الشمس عند الغروب تغمر مدرج المطار الذي تلفحه نسائم دافئة. هكذا بدأت أول زيارة لرئيس فرنسي إلى سوريا منذ سبتمبر/أيلول 2008. لقد سقطت سلالة الأسد، ويقود البلاد اليوم أحمد الشرع. وهو جهادي سابق عُرف باسم أبي محمد الجولاني، يتولى السلطة منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، ويسعى منذ ذلك الحين، وبقدر كبير من المهارة، إلى إضفاء الشرعية والقبول على حكمه.
عند أسفل الطائرة، كان أحد مسؤولي المراسم السوريين منشغلاً بتنظيم السجادة الحمراء. رجل أسمر، ممتلئ البنية، أنيق المظهر، بلحية كثيفة مشذبة بعناية. بدا وجهه مألوفًا لي. وسرعان ما أدركت أن هذا الموظف المجتهد ليس سوى مقاتل سابق في هيئة تحرير الشام، التنظيم الجهادي الذي كان يقوده الشرع في إدلب. ورغم الإعلان عن حل هذا التنظيم، فإن كثيرًا من أعضائه أعيد دمجهم ببساطة داخل مؤسسات الدولة السورية الجديدة.
الطائرات المسيّرة والسيارة المفخخة
استقليت موكب الرئيس الضخم. كانت الإجراءات الأمنية في أعلى درجاتها؛ فالطريق السريع أُغلق في الاتجاهين، وتحلق فوقه المروحيات والطائرات المسيّرة، فيما انتشرت سيارات الشرطة عند كل تقاطع، وتمركز الجنود فوق الجسور، ووقف رجال مسلحون كل مئة متر تقريبًا.
لكن ما إن دخلنا دمشق حتى تغير المشهد تمامًا. المدينة بأكملها غارقة في الظلام. لا أضواء، ولا أي مؤشر على الحياة في هذه المدينة التي يقطنها أربعة ملايين نسمة. وحتى وصولنا إلى فندق فورسيزونز حيث يقيم الوفد، بالكاد ظهرت أي ملامح للنظام الجديد. فلم تكن هناك صورة واحدة لأحمد الشرع معلقة على الجدران. وفي صباح اليوم التالي، خُففت الإجراءات الأمنية قليلًا وعادت حركة المرور إلى طبيعتها.
بعد ذلك بدقائق دوى انفجاران على بعد بضع مئات من الأمتار من الفندق. انفجرت أولًا سيارة مفخخة، ثم أعقبها انفجار قنبلة كانت مخبأة داخل حاوية نفايات واستهدفت فرق الإسعاف الأولى. ونُسب الهجوم إلى تنظيم داعش، الذي كان قد نفذ قبل أيام هجومًا دمويًا على أحد المقاهي وسط دمشق. وقد أضعف هذا الاعتداء الانطباع بأن الحكومة الجديدة تفرض سيطرتها الأمنية الكاملة، حتى داخل العاصمة.
سلفنة هادئة
أعرف هذه المدينة جيدًا. فقد عشت فيها سابقًا وتعلمت فيها اللغة العربية، لكنني لم أزرها منذ خمسة عشر عامًا.
وأول ما لفت انتباهي أن الثورة السورية أصبحت واقعًا ملموسًا. فالناس استأنفوا الأحاديث التي كانوا قد اضطروا إلى قطعها في عهد بشار الأسد. وأصبح ما كان مستحيلًا في سوريا الأسد أمرًا طبيعيًا اليوم: الناس يتحدثون في السياسة علنًا.
كان من التقيت بهم يقارنون بين النظام الحالي والنظام السابق، ويعبرون عن غضبهم من الارتفاع الجنوني للأسعار الذي يخنقهم، ويشتكون من غياب أي آفاق اقتصادية. يناقش السوريون اليوم السياسة، والحياة اليومية، والمستقبل بحرية. ومن عرف سوريا التي حكمها الخوف يدرك مدى أهمية هذا التحول.
أما من الناحية العمرانية، فلم تتغير المدينة كثيرًا، لكنها بدت وكأنها شاخت خمسة عشر عامًا. فالسيارات والمتاجر والمباني تحمل آثار الزمن. وفي الوقت نفسه ظهرت تغيرات أكثر دقة على طول خطوط الانقسام السياسية والدينية.
فالنساء المنقبات، اللواتي كن نادرات خارج بعض الأحياء البعيدة، أصبحن يظهرن اليوم في الأحياء المسيحية مثل باب توما وباب شرقي. كما أن بعض الحانات والمطاعم أزالت المشروبات الكحولية من قوائمها أو أخفتها عن الأنظار. ويرى الكاتب أن هذه كلها مؤشرات خفيفة لكنها ذات دلالة على ما يسميه “سلفنة هادئة” للمجتمع.
“إدلبة” النخبة
في الاستقبال الذي أقيم في القصر الرئاسي، تركزت المحادثات على الشراكات الاقتصادية المستقبلية. وبدا رجال الأعمال الفرنسيون واثقين من أنفسهم في بلد تكفي أهميته الجغرافية الاستراتيجية لجذب الاهتمام.
لفت انتباهي الرجل الجالس إلى جانبي، فقد كان يشبه مسؤول المراسم الذي رأيته في اليوم السابق. وأخبرني أنه أصبح مؤخرًا مديرًا للتعاون الدولي في إحدى الوزارات السورية.
سألته: ماذا كنت تعمل قبل سقوط نظام الأسد؟
أجاب: كنت مقاتلًا في إدلب أيضًا.
وسألته: هل التقيت جهاديين فرنسيين هناك؟
فأجاب: “نعم، كان هناك عدد قليل منهم.”
ثم سألته: هل تخيلت يومًا أنكم ستسيطرون على دمشق؟
فابتسم وقال: “لا، أبدًا… حتى في الأحلام.”
وتكرر هذا الانطباع طوال الزيارة: فقد أحاط الرئيس أحمد الشرع نفسه برجاله الموثوقين القادمين من إدلب، المحافظة الواقعة شمال غرب سوريا، والتي حكمها عندما كان يقود تنظيمه الجهادي بعد خروجه من حلب.
ويشغل هؤلاء اليوم أهم المناصب في دمشق. ولا يزال بعضهم يخاطبه بلقب “الشيخ”، في إشارة إلى المكانة الدينية التي ما زالوا يمنحونه إياها.
لقد بلغت عملية “إدلبة” النخبة الحاكمة في سوريا مرحلة متقدمة. فأصبح رجال الشرع يعملون جنبًا إلى جنب مع مسؤولين خدموا سابقًا في عهد الأسد. ويتسامح مقاتلو إدلب السابقون مع هؤلاء المسؤولين لأنهم يفتقرون إلى الخبرة الاقتصادية والإدارية، ويحتاجون بشدة إلى كفاءاتهم لإدارة الدولة.
قصر رئاسي يعكس طبيعة القيادة الجديدة
قُدم الغداء في قاعة ضخمة داخل القصر الرئاسي، وهي عبارة عن مكعب رخامي يبلغ ارتفاعه عشرين مترًا، بلا نوافذ.
وكانت الخدمة يقدمها شبان مهذبون، لكنهم قليلو الخبرة.
أما النادلات فكن يرتدين ملابس أنيقة للغاية: قفازات، وفساتين طويلة، وسترات عالية الياقة، مع حجاب لا يظهر سوى بيضاوي الوجه.
ولفت نظري على الفور تدني مستوى الطعام، إذ كان أقرب إلى طعام مطعم مدرسي متواضع.
وفي بلد طالما اعتبر فن الطهي جزءًا من هويته الحضارية، فإن هذا التفصيل ليس أمرًا هامشيًا.
ويرجح الكاتب أن الطهاة من المقربين الذين رافقوا الشرع من إدلب، وأنهم يمثلون الضمانة الأقوى لحمايته من محاولات التسميم، حتى لو أدى ذلك إلى خفض مستوى موائد الدولة إلى معايير معسكرات المقاتلين في ريف إدلب.
هل يمكن الوثوق بأحمد الشرع؟
في ظل قيادته لحكومة شديدة الحساسية أمنيًا ومحاطة برفاقه السابقين في السلاح، ما الذي يخطط له أحمد الشرع؟
يرى الكاتب أنه ما زال من المبكر تحديد المسار النهائي للنظام الجديد.
فالتحدي الحقيقي في سوريا اليوم ليس إقامة ديمقراطية، بل تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي عبر حكومة تفتقر من الناحية البنيوية إلى الأدوات اللازمة لإدارة بلد كبير ومعقد مزقته أربعة عشر عامًا من الحرب الأهلية.
ويتعين على الشرع أن يوازن بين متطلبات قاعدة شعبية ضيقة نسبيًا، لا تزال قريبة من الفكر السلفي والجهادي، وقد تنزلق نحو التطرف في أي وقت.
كما يتعين عليه إعادة بناء الجيش، وإحياء مؤسسات الدولة المركزية، وإنعاش اقتصاد مدمر، مع مواصلة الحرب ضد تنظيم داعش.
ويواجه أيضًا تحدي إدارة 15 مليون نازح، وتأمين نحو 200 مليار دولار لإعادة الإعمار، أي ما يعادل عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي الحالي لسوريا.
ويجب أن يحقق كل ذلك في ظل غياب قطاع مصرفي فاعل واستمرار العقوبات الأمريكية والأوروبية.
أما الأموال السعودية التي وُعد بها في فبراير، فلا تصل إلا ببطء شديد، بينما تبدي الإمارات تحفظًا تجاه زعيم تعتبره قريبًا أكثر من اللازم من تركيا.
وفي هذا السياق، يبدو أحمد الشرع، بحسب الكاتب، سياسيًا بارعًا بلا شك، وأقل أيديولوجية مما يوحي به ماضيه، وقادرًا على التفاوض بمهارة حتى من موقع ضعف.
ويؤكد أن ما يجري اليوم في دمشق سيحدد مستقبل الشرق الأوسط.
ولهذا السبب يرى أن فرنسا تتصرف بحكمة، ومن منطلق مصالحها الوطنية، عندما تنخرط مباشرة مع القيادة السورية الجديدة على أعلى المستويات.
ومع ذلك، يختتم الكاتب بالتنبيه إلى أن المحيطين بالشرع، إلى جانب عدد من تصريحاته الدقيقة لكنها ذات دلالات، ينبغي أن تبقي المراقبين في حالة يقظة.ويحذر من أنه من المحتمل جدًا أن يكون أحمد الشرع يعمل وفق أفق زمني أطول بكثير من أفق الحكومات الغربية، وأن يكون الاعتدال الذي يظهره اليوم مجرد واجهة مؤقتة وملائمة لتحقيق أهدافه.
هوغو ميشيرون أستاذ مشارك في معهد العلوم السياسية في باريس (Sciences Po)، ومتخصص في الشأن السوري والحركات الجهادية، وأحد مؤسسي شركة Arlequin AI.
Social Links: