د سلامة درويش
الامين العام لحزب اليسار الديموقراطي السوري
الرفيقات والرفاق أعضاء اللجنة المركزية،
تعيش سوريا اليوم مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، تتداخل فيها العوامل الداخلية مع التوازنات الإقليمية والدولية، الأمر الذي يفرض علينا قراءة سياسية واقعية بعيداً عن الشعارات والتبريرات. فمنذ سقوط النظام السابق، لم تتمكن السلطة القائمة من تقديم مشروع وطني جامع يؤسس للاستقرار وبناء الدولة، بل استمرت في إدارة البلاد بعقلية الغلبة والاستئثار، مستندة إلى مقولة «من يحرر يقرر»، وهي مقولة تتناقض مع أبسط مبادئ الديمقراطية وحق الشعب في تقرير مصيره عبر مؤسسات منتخبة ودستور ديمقراطي.
إن ما جرى تحت عنوان «ردع العدوان» لم يكن حدثاً سورياً خالصاً، بل جاء في سياق تفاهمات إقليمية ودولية كان لتركيا والولايات المتحدة دور أساسي فيها. لذلك فإن شرعية أي سلطة لا تُستمد من القوة العسكرية أو الدعم الخارجي، وإنما من قدرتها على تمثيل السوريين جميعاً وبناء عقد وطني جديد يقوم على المواطنة والمساواة وسيادة القانون.
لقد أدى تركيز السلطة على كسب الشرعية الخارجية وإهمال معالجة الأزمات الداخلية إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والأمنية، واتساع دائرة الفقر والتهميش، في وقت كان السوريون ينتظرون حلولاً حقيقية لمشكلاتهم اليومية. كما كشفت أحداث الساحل والسويداء عن فشل المقاربة الأمنية وعن غياب مشروع وطني قادر على إدارة التنوع وحماية السلم الأهلي.
إن عدم تطبيق العدالة الانتقالية، وعدم محاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات بحق المدنيين، وغياب جبر الضرر وإنصاف الضحايا، كلها عوامل أسهمت في انتشار مشاعر الغضب والانتقام، وأعاقت مسار المصالحة الوطنية. فلا استقرار دائماً من دون عدالة، ولا وحدة وطنية حقيقية من دون مساءلة ومحاسبة.
ومن الأخطاء الخطيرة التي ارتكبتها السلطة تقديم الولاء على الكفاءة في التعيينات الإدارية والعامة، الأمر الذي أضعف مؤسسات الدولة وأفقدها فعاليتها، ورسخ مظاهر الفساد والمحسوبية والرشوة، وانعكس مباشرة على مستوى الخدمات وحياة المواطنين. كما أن تشكيل مجلس الشعب بصيغته الحالية لا يحقق التمثيل السياسي الحقيقي، ولا يوفر رقابة فعلية على أداء السلطة التنفيذية.
إن المخرج من الأزمة لا يكون بإعادة إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة، بل بإطلاق عملية سياسية ديمقراطية شاملة تقوم على تعديل المبادئ الدستورية المؤقتة، وترسيخ الفصل بين السلطات، وتعزيز دور السلطة التشريعية في الرقابة والمحاسبة، وضمان استقلال القضاء استقلالاً كاملاً.
كما نؤكد ضرورة إقرار دستور ديمقراطي يكرس التعددية السياسية والحزبية، وينظم عمل منظمات المجتمع المدني باعتبارها ركناً أساسياً في بناء الدولة الحديثة. ونرفض استبدال السياسة بالمجتمع الأهلي القائم على العصبيات التقليدية والمرجعيات الدينية والعشائرية، لأن ذلك يعيد إنتاج الولاءات الضيقة ويضعف مفهوم المواطنة، بينما تحتاج سوريا اليوم إلى دولة مواطنين لا دولة رعايا.
إن مسؤولية القوى الوطنية والديمقراطية تقتضي توحيد جهودها للدفاع عن الدولة المدنية الديمقراطية، ومواجهة كل أشكال الاستئثار والتمييز والتهميش، والعمل من أجل بناء سوريا موحدة، حرة، ديمقراطية، تضمن الكرامة والعدالة والمساواة لجميع أبنائها.
المجد للشعب السوري ونضاله من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. ة

Social Links: