د سلامة درويش
الامين العام لحزب اليسار الديموقراطي السوري
ما يحدث اليوم في الجديدة ليس حادثاً عابراً، ولا مجرد انفلات أمني يمكن اختزاله في اشتباك هنا أو فزعة عشائرية هناك. إنّه نتاج مباشر لغياب الدولة، وانهيار منظومة الأمن والقانون، وترك المجتمع أمام السلاح والولاءات الأولية. والمسؤولية الأولى عن ذلك تقع على عاتق السلطة التي يفترض أن تكون مهمتها حماية المواطنين، لا دفعهم إلى الاحتماء بعشائرهم وطوائفهم ومناطقهم.
لقد أسقط السوريون نظام الأسد لأنهم رفضوا دولة الاستبداد والقمع والطائفية، ولم يخرجوا من أجل استبدال استبداد بآخر، ولا من أجل أن تتحول سورية من دولة يحكمها الأمن إلى مجتمع تحكمه «الفزعات».
كان النظام البائد يعرف كيف يستخدم الطائفية والعشائرية والمناطقية لتفكيك المجتمع وإخضاعه. واليوم، بدلاً من القطع مع هذه الأدوات، نرى محاولات لإعادة إنتاج بعضها في ثوب جديد: السلاح خارج مؤسسات الدولة، تعبئة عشائرية مؤقتة، استدعاء الولاءات الأهلية، وإسناد أدوار سياسية وأمنية لشخصيات دينية وعشائرية على حساب المؤسسات الوطنية.
وهنا تكمن الكارثة.
فالعشيرة مكوّن اجتماعي أصيل من مكونات المجتمع السوري، وليست عدواً للدولة. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول العشيرة من رابطة اجتماعية إلى أداة سياسية وأمنية بيد السلطة، وعندما يصبح شيخ العشيرة بديلاً عن مؤسسة الدولة، والسلاح العشائري بديلاً عن الشرطة والجيش والقضاء، والولاء للجماعة بديلاً عن الولاء للوطن.
والأخطر من ذلك أن تتحول الفوضى نفسها إلى وسيلة للحكم.
حين يُترك السلاح منفلتاً، ثم تستدعي السلطة العشائر لضبطه؛ وحين تُضعف مؤسسات الدولة ثم يجري الاعتماد على الزعامات المحلية؛ وحين يُهمّش المجتمع المدني ثم يُستعاض عنه بالمجتمع الأهلي، فإننا لا نكون أمام بناء دولة جديدة، بل أمام إعادة تشكيل المجتمع بما يخدم سلطة جديدة.
لقد عانى السوريون عقوداً من نظام جعل المواطن تابعاً للأجهزة الأمنية، ثم جاءت الثورة لتعيد إليه صوته وكرامته وإرادته. لذلك فإن الثورة الحقيقية لا تنتهي بسقوط رأس النظام، بل تبدأ بعده: بإسقاط منظومة الاستبداد من الوعي والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية والسياسية.
ولا يمكن بناء سورية الجديدة بعناصر منظومة القمع القديمة، ولا بإعادة تدوير أدواتها، ولا باستخدام من ارتبطوا سابقاً بالعنف والقمع في بناء السلطة الجديدة. العدالة لا تعني الانتقام، لكنها تعني بوضوح: لا إفلات من العقاب، ولا مكافأة لمن مارس القمع، ولا حصانة لمنتهك حقوق السوريين.
كما أن سورية لا يمكن أن تُدار بمنطق «من يملك السلاح يملك القرار»، ولا بمنطق «من يحرر يقرر»، ولا بمنطق «شيخ العشيرة يمثل أبناءه» أو «شيخ الدين يمثل طائفته».
المواطن السوري هو الذي يمثل نفسه.
هذه هي النقطة التي يجب ألا نتراجع عنها.
نريد دولة يكون فيها السوري مواطناً قبل أن يكون ابن عشيرة أو منطقة أو طائفة أو قومية. دولة لا تسأل المواطن عن أصله، ولا عن دينه، ولا عن عشيرته، بل تسأله عن حقوقه وواجباته أمام القانون.
نريد دستوراً ديمقراطياً عصرياً يعترف بتنوع سورية ويحمي حقوق مكوناتها القومية والدينية والثقافية، ولكنه في الوقت نفسه يمنع تحويل هذا التنوع إلى كانتونات سياسية أو ولاءات متصارعة.
نريد جيشاً وطنياً، وأجهزة أمن مهنية، وقضاءً مستقلاً، وسلاحاً واحداً تحت سلطة الدولة، وأحزاباً حرة، ونقابات مستقلة، وإعلاماً لا يخاف، ومجتمعاً مدنياً حياً لا يُستبدل بالمجتمع الأهلي.
فالمجتمع المدني يبني الدولة، أما المجتمع الأهلي حين يُستخدم سياسياً فيمكن أن يصبح أداة لتفكيكها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لسورية اليوم هو أن نسقط الاستبداد القديم ثم نسمح بولادة استبداد جديد بأدوات مختلفة؛ استبداد لا يرتدي بدلة الأجهزة الأمنية هذه المرة، بل يرتدي عباءة الطائفة أو القبيلة أو الدين.
وهنا يجب أن يكون صوت الثورة واضحاً:
لن نقبل أن تتحول سورية إلى مزارع للزعماء، ولا إلى ساحات للفزعات، ولا إلى دولة تحكمها الولاءات الأولية.
لقد خرج السوريون من أجل الحرية والكرامة والعدالة، ومن أجل وطن يتساوى فيه الجميع.
ومن أراد لسورية أن تنهض، فعليه أن يضع الدولة فوق العشيرة، والمواطنة فوق الطائفة، والقانون فوق السلاح، والإنسان فوق الزعيم.
هذه ليست رفاهية سياسية، بل معركة الثورة الحقيقية.
فإما أن نبني دولة مدنية ديمقراطية لكل السوريين، وإما أن نعيد إنتاج الاستبداد بأسماء جديدة.
والثورة التي لا تنتصر في بناء دولة المواطنة والعدالة، ستبقى ناقصة مهما تغيرت الوجوه في السلطة.
سورية الجديدة لا تحتاج إلى سيد جديد… بل تحتاج إلى مواطن حر، ودولة حرة، وشعب يملك قراره.

Social Links: