في الهجرة والتهجير

في الهجرة والتهجير

سلوى زكو


كثيرون ممن يهجرون اوطانهم يخرجون على امل العودة “حين تهدأ” الامور” لكن الامور لا تهدأ فلا يعودون
القيت النظرة الاخيرة على بيتي سحبت معي حقيبة سفر صغيرة اغلقت الباب وغادرت.
تركت البيت كما هو شربت آخر فنجان فهوة وتركت الباقي في الدلة
ساعود بعد اسبوع او شهر لاجد القهوة قد تيبست اغسل الدلة فتعود تبرق كما كانت..
هل نسيت ان اطفىء مصباح الحمام؟
هيه وينها الكهرباء اصلا؟
وصلت الى بر الامان تاركة خلفي سعارا طائفيا اصابني بالرعب واخرجني من بغداد التي لم اغادرها حتى في عز جبروت صدام.
تمر الايام والشهور والبيت في الكرادة مهجور حتى وصلنا الى سنتين.
بعدها توقفت لأراجع الموقف
من غيرالمعقول ولا الممكن ماديا ان ابقى ادفع ايجار شقتين واحدة في عمان والثانية في بغداد.
لابد من اغلاق شقة الكرادة فطلبت من شقيقتي ان تصفي اثاث البيت لتسلم المكان الى مالكيه
اثاث البيت ليس مقاعد الجلوس واسرة النوم والدواليب والطباخ والغسالة.
في البيت مئات الاشياء الصغيرة لا احد سيقتنيها لانها لا تنتمي الا الى صاحبها
على الجدار لوحة معلقة اقننيتها منذ سنين من احد معارض الرسم.
وقفت امامها لأسمع صوت الفنان يسألني هل اعجبتك؟
قلت له كلش تشيهني شحرة تقف وحدها والريح تعصف يأغصانها.
قال لي خذيها اذن
كيف آخذها وسعرها 300 ديتار وانا ما عندي غيرخمسبن؟
خذيها بالخمسين.
دفعت كل ما املك واخذت اللوحة
ظلت معلقة على جدار صالة الجلوس انفض عنها كل فترة غبار بغداد المتراكم عليها
لابد وانهم القوها في الزبالة
من يكترث بلوحة فديمة حالت الوان الزيت فيها؟
في الادراج كميات من الصور بالابيض والاسود
اطفال بأعمار مختلفة وصور لعرس في موسكو وطفل تبرق عيناه في ضوء فلاش الكاميرا.
هذا الطفل يعيش اليوم في المانيا لا اراه الا مرة في السنة يقضي معي اسبوعين نمثل فيها على بعضنا دور الام وابنها ثم يستقل الطائرة ويختفي
على منضدة الكتابة اوراق كثيرة فيها مشاريع كتابة وملاحظات وارقام هواتف واسماء لم اعد اتذكر اصحايها.
في احد ادراج المكتب تنام منذ سنين رواية كنت ترجمتها وتوقفت عند ترجمة العنوان (The Far Pavilions )
كلما ترجمته الى العربية وجدته باهتا فتركت الرواية كلها.
كنت نسيتها كل هذه السنين الى ان ذكرني بها الصديق الروائي علي بدر.
قال لي قبل ايام انا لا اتذكر من زيارتي لشقتك في الكرادة غير كتاب بالانكليزية كان موجودا على منضدة الكتابة وفي عنوانه كلمة (Pavilions) لا اعرف كيف علقت الكلمة بذهني.
ومن اين لي انا ان اعرف؟
هذه يا صديقي من عجائب الذاكرة البشرية
في البيت كانت هناك اسطوانات كثيرة بقيت من الايام الذهبية للاسطوانة كنت اشتريها من الطابق الثاني من اوروز دي باك او من جقماقجي او اعود بها من سفرات الى الخارج
تموع روحي وانا اتذكر طفايات السكائر منتشرة في ارجاء المنزل. كنت اوزعها في كل مكان كي لا ارمي اعقاب السكائر على الارض.
من عجائب هذه الدنيا اني وبعد خمسين عاما من التدخين صحوت في صباح احد الايام وقد تركت التدخين
. هكذا بلا قرار مسبق ولا ادعاء وجود الارادة والعزيمة
هي حصلت هكذا ولا تسألوني كيف وشلون
.حدث هذا منذ ثلاث سنوات وما زلت صامدة
بعد ضياع شقة الكرادة اعيش اليوم في شقة استأجرتها مؤثثة لا املك فيها اي شيىء غير ملابسي الشخصية..
وما البيت غير الاشاء الصغيرة التي تنتمي لنا.

.

  • Social Links:

Leave a Reply