بين التطبيل والترقيع بوق جاهل

بين التطبيل والترقيع بوق جاهل

هاشم هشوم

في سوريا اليوم، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل أصبح الولاء للسلطة يُقاس بمدى قدرتك على التصفيق لها، حتى لو كان ثمن ذلك التحريض على أبناء وطنك؟

نشهد في الفضاء السوري تصاعدًا لافتًا لما يمكن تسميتهم بـ«المطبّلين والمرقّعين الجدد»؛ أشخاص يرفعون منسوب المديح للسلطة، ويدافعون عن أخطائها، ويهاجمون خصومها ومكوّنات سورية أخرى، ثم يجد بعضهم طريقه إلى التكريم والاحتفاء بوصفه «مؤثرًا» أو صوتًا جماهيريًا.

لكن السؤال الأهم: هل المطلوب من المؤثر أن يراقب السلطة وينتقدها، أم أن يتحول إلى بوق لها؟

خذوا مثلًا ما نُسب إلى الناشط أنس هبرة من خطاب وتحريض خلال أحداث مرتبطة بالسويداء والدروز. لقد كان الخطاب الطائفي، عمومًا، أحد العوامل التي ساهمت في تصعيد التوترات وتحويلها من خلافات إلى مواجهات دامية، بحسب تقارير وثقت تلك الأحداث.
فإذا كان التحريض على طائفة أو مكوّن سوري يمكن أن يؤدي إلى العنف، فأين تبدأ مسؤولية الدولة؟ وأين تنتهي حرية التعبير؟ ومن يحاسب من يسكب الزيت على النار؟

والسؤال نفسه لا يتعلق بالدروز وحدهم.

ماذا عن إخوتنا العلويين في الساحل؟ وماذا عن الأكراد؟ وماذا عن المسيحيين؟ هل أصبحت المواطنة السورية درجات، أم أن الدولة يفترض أن تكون دولة الجميع بلا استثناء؟

أنا سني، لكنني لا أقبل أن تُبنى سوريا على أساس أن السوري السني مواطن كامل، بينما يُنظر إلى غيره باعتباره مواطنًا من الدرجة الثانية. هذه ليست دولة، بل وصفة جديدة لإنتاج الصراع.

وإذا كانت السلطة تريد فعلًا بناء دولة القانون، فلماذا لا يكون معيارها واحدًا على الجميع؟ لماذا لا يُحاسَب المحرّض أيًا كان اسمه أو طائفته أو عدد متابعيه؟ ولماذا يصبح بعض أصحاب الخطاب الحاد قريبين من السلطة بدل أن يكونوا موضع مساءلة قانونية عندما يتجاوزون حدود النقد إلى التحريض؟

وهنا لا بد من طرح السؤال على السلطة نفسها، وعلى رأسها أحمد الشرع، وعلى المسؤولين عن الملفات الأمنية والسياسية، ومنهم أنس خطاب وأسعد الشيباني: هل سوريا الجديدة ستكون دولة مؤسسات وقانون، أم دولة تعتمد على المؤثرين والمصفقين وصناعة صورة السلطة على مواقع التواصل؟

المشكلة ليست في وجود مؤيدين للسلطة؛ فهذا حق سياسي طبيعي. المشكلة تبدأ عندما يتحول التأييد إلى تبرير دائم، والتحريض إلى وسيلة للشهرة، والكذب ـ إن ثبت ـ إلى أداة سياسية، بينما تصبح الأقليات والمكونات السورية وقودًا لمعركة إلكترونية قد تنتقل إلى الشارع.

والأخطر أن سوريا لا تحتاج اليوم إلى مزيد من «الشبيحة الجدد» بل إلى رجال دولة. لا تحتاج إلى من يصفق، بل إلى من يقول للسلطة: هنا أخطأتِ، وهنا يجب أن تحاسبي، وهنا يجب أن تحمي المواطن.

لقد أعلنت السلطة نفسها أن بناء المؤسسات يجب أن يقوم على سيادة القانون وحماية الإنسان، وهو ما أكده وزير الداخلية أنس خطاب في تصريحات حديثة.
فهل سنرى هذه المبادئ تُطبَّق على الجميع فعلًا؟

لقد مضى ما يقارب عامين على سقوط النظام السابق، والبلاد ما زالت بحاجة إلى ترسيخ دولة واضحة المعالم. وهناك بالفعل إعلان دستوري، لكن السؤال الحقيقي ليس: هل كُتبت وثيقة دستورية؟ بل: هل تضمن هذه الوثيقة دولة لكل السوريين، وتحمي حقوقهم وحرياتهم ومكوناتهم، وتمنع احتكار السلطة؟

سوريا لا تحتاج إلى طائفة حاكمة جديدة، ولا إلى مؤثرين جدد يوزعون شهادات الوطنية على الناس.

سوريا تحتاج إلى دولة.

دولة لا تسأل المواطن: من أي طائفة أنت؟
بل تسأله: هل أنت مواطن؟

ولا تسأل المؤثر: كم مرة مدحت السلطة؟
بل تسأله: ماذا قلت عندما أخطأت السلطة؟

فهل سنبني سوريا بالقانون والمواطنة، أم سنعيد إنتاج الماضي بأسماء جديدة ووجوه جديدة ومطبّلين جدد؟

  • Social Links:

Leave a Reply