ثالثًا: إعادة تقييم الإسلام السياسي
فرضت حوادث أيلول/ سبتمبر على صانعي القرار في الولايات المتحدة الأميركية إعادة تقييم اتجاهات الإسلام السياسي، خصوصًا أن الولايات المتحدة الأميركية نفسها عَرفت نشاطات مهمة لمنظمات إسلامية في داخلها مرتبطة بهذا القدر أو ذاك بجماعات إسلامية، من أبرزها جماعة الإخوان المسلمين، الذين يساهموا في عام 1963 في إنشاء “رابطة الشباب المسلمين” في حرم جامعة أوريانا شامبين من جامعة إلينوي[7].
ومنذ ذلك التاريخ، نشأت مؤسسات إسلامية كثيرة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، وهناك أكثر من 600 مؤسسة إسلامية مسجلة في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في الكليات والجامعات، وتوجد حالة من الهيمنة لاتجاهات إسلامية سياسية على تلك المؤسسات، والتي تعدُّ مكانًا خصبًا للعمل الإسلامي داخل الولايات المتحدة، من حيث نشر الأفكار، والدعوة، وجمع التبرعات، ومناقشة قضايا أميركية محلية، أو تخص العالمين العربي والإسلامي.
لقد بذلت الولايات المتحدة جلّ جهدها البحثي، خلال الحرب الباردة، في دراسة ومتابعة الاختراقات الناجمة عن الاتحاد السوفياتي، وارتباط منظمات مختلفة به، أو بالدول التي تدور في فلكه، وذلك في إطار المواجهة المتعددة مع الاتحاد السوفياتي، ومحاولة ضبط سلوكه في داخل الولايات المتحدة أو خارجها، ومحاولة ضبط الأنشطة التي يساندها ضد مصالح أميركية حول العالم.
كان الاتحاد السوفياتي عدوًا أمميًا، يمتلك عددًا كبيرًا من الأسلحة النووية المدمرة، ومنظومة أيديولوجية يخترق من خلالها المجتمعات، ويؤلب الشعوب على أميركا، بكل ما تمثله من سياسات ومصالح وثقافة. وربما لم يكن متوقعًا، خلال تلك الفترة، نشوء أيديولوجيا أممية أخرى مناهضة للولايات المتحدة الأميركية، لكن حوادث أيلول/ سبتمبر 2001 أظهرت وجود أيديولوجيا أممية إسلامية مناهضة للولايات المتحدة، بل وقادرة على القيام باختراقات كبيرة داخل الأراضي الأميركية، وتهديد السلم الأميركي، وإيقاع أعداد كبيرة من الضحايا، والسخرية من المنظومة الأمنية لأقوى دولة في العالم.
لقد أظهرت ردة الفعل الأولية لإدارة بوش تجاه أفغانستان أنها اختارت بشكلٍ كلي ونهائي مبدأ القوة الصلبة “hard power”، وأنها تنظر إلى الإسلام السياسي على أنه إسلام جهادي، انطلاقًا من رؤية تقوم على وضع مبدأ واحد للتعامل مع القوى الإسلامية، لكن لا يمكن تجاهل أن ردة الفعل هذه كانت لها أسباب سياسية تتجاوز مسألة القضاء على الإرهاب الإسلامي في أفغانستان، بل إن فرصة غزو أفغانستان هي بحد ذاتها كانت واحدة من الخطوات الأميركية للتأكيد على تفردها في قيادة النظام الدولي.
بالطبع، لقد عززت استراتيجية بوش في عامي 2003 و2006[8] هذا التوجه في تصنيف الحركات الإسلامية على أنها إرهابية من دون التمييز بين طبيعتها المحلية، أو بنيتها الاجتماعية والاقتصادية، وقد تضمنت استراتيجيتا بوش أربع نقاط رئيسية:
- هزيمة الإرهابيين وتفتيت منظماتهم.
- عدم توفير الدعم والملاذات الآمنة للإرهابين.
- تعزيز الجهد الدولي لمواجهة الإرهاب، وتقوية الدول الضعيفة والهشة في حربها ضده.
- حماية المصالح والمواطنين الأميركيين.
لقد فرضت الحرب الأميركية على الإرهاب منطقًا أحاديًا في التعامل مع الإسلام السياسي، لكن تلك الحرب أتاحت في الوقت ذاته الفرصة للعديد من المراكز البحثية، والمحللين الاستراتيجيين، للقيام بأبحاث لتفكيك ظاهرة الإسلام السياسي، ومحاولة التقاط التباينات الموجودة بين قواه، وتقديم تفسيرات فكرية لظاهرة التطرف الإسلامي، وذلك في سبيل رسم خارطة أكثر وضوحًا عن القوى الإسلامية، وقد ساعد على هذا التوجه الشعور بأن المعركة المباشرة مع القوى الإسلامية المتطرفة ليست حربًا سهلة، خصوصًا أن الفكر الجهادي هو فكر متنقل، ولا يمكن حصره في بقعة جغرافية محددة.
ومن بين المراكز البحثية المهمة قدمت مؤسسة راند[9] في تقريرٍ لها في عام 2004 مجموعة من الاقتراحات للإدارة الأميركية، وذلك بناءً على دراسة مطولة (500 صفحة، وكان واضحًا من التقرير أنه أخذ في الحسبان عددًا من المسائل التي تميز كل تيار إسلامي عن التيارات الأخرى، كما حاول التقرير أن يشرح الأسباب التي تقف خلف التطرف الإسلامي، وأن يوضح لصانع القرار جملة المشكلات التي تعتري علاقة الإسلاميين بمنظومات الحكم، ووجود قوى سياسية معتدلة ذات أجندات وطنية.
إن جزءًا من أسباب السعي الأميركي نحو سيناريوهات أخرى في التعامل مع الإسلام السياسي، ومحاولة عزل الإسلام المتطرف، والجهادي، تقع ضمن حقل معرفة صناع القرار الأميركيين بأن المجتمع الأميركي، ودافعي الضرائب، لا يمكن أن يتحملوا خوض القوات الأميركية لحروب مفتوحة زمنيًا، ومن غير المرجح لها أن تنتهي بالضربة القاضية، فثمة منابع عديدة غير المباشرة تغذي الإرهاب، ولا يمكن تجفيفها، ومنها الدول التي تستثمر في الإسلام السياسي، أو تلك الدول التي يمتلك فيها الدين، ورجال الشريعة، مكانة كبيرة، بل وحصانة من قبل السلطات الحاكمة.
وبناءً عليه، فإن المواجهة الطويلة بين الولايات المتحدة الأميركية وبين الإرهاب الإسلامي تفرض عليها وضع سلة من الحلول التي تنتمي إلى عالم العلاقات السياسية، وحقل التنمية، بغية تأهيل الإسلام المعتدل كي يكون قادرًا على تقديم نموذج جاذب لمجتمعاته، وخصوصًا الأجيال الشابة، وقد اقترح في هذا المجال أن يتم توفير منصات للمعتدلين الإسلاميين، ليكونوا بديلًا عن الحركات المتطرفة.
وقد تضمنت ورقة راند 2004 أهم تلك النصائح، ويمكن تكثيفها وإيجازها بالآتي:
- دعم جماعات المجتمع المدني المسلمة، وتحفيزها للدعوة إلى الاعتدال والحداثة.
- إشراك الإسلاميين في العملية السياسية في بلدانهم.
- تعزيز علاقات الإسلاميين مع جيوش بلدانهم.
- تأمين فرص استفادة الإسلاميين من برامج وتقنيات المعلومات.
- إصلاح المدارس الإسلامية، بحكم أن الكثير من المدارس تقدّم تعليميًا راديكاليًا.
- خلق الفرص الاقتصادية في الدول الإسلامية، وخصوصًا لجيل الشباب.
من الواضح أن الولايات المتحدة الأميركية راحت تبتعد عن وضع الإسلام السياسي كله في خانة واحدة، هي خانة التطرف الإسلامي، كما أن علاقاتها الجيدة مع الإخوان المسلمين أتاحت للكثير من المراكز البحثية أن تناقش الإسلام السياسي من منظور مختلف، يصب في مصلحة تمكين الإسلام المعتدل من المشاركة في العملية السياسية، بعيدًا من التعقيدات التي تتضمنها مثل هذه العملية، وجملة التباينات بين بلد وآخر، خصوصًا في البلدان العربية.
وفي ولاية أوباما الأولى، بدأت تباشير تأثير رؤية مختلفة للإدارة الأميركية نحو الإسلام السياسي، والتي ستنتهي مع تعقيدات جديدة، فرضتها تطورات “الربيع العربي”، وظهور قوى إرهابية جديدة على مسرح الدول التي طالتها الثورات، والتي ستبدو أكثر وضوحًا مع ظهور “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش)، والذي ستتم مبايعته من قبل تنظيمات إسلامية في دول عربية وغير عربية.

Social Links: