_ عودة صناعة أدب الثقة بالذات :
اتّهم الأدب الواقعي، إلى وقت طويل بأنه يعنى بالنهايات السعيدة، إلى حد يكاد يكون في بعض الأحايين غير واقعي، لاسيما أن المتلقي، وهو في ذروة تصاعد المأساة في العمل الإبداعي، بات يعرف في نفسه، أنه على موعد مع نهاية سعيدة، وقد وصل الأمر خلال عقود من هيمنة هذه المدرسة، أن حدثت فجوة بين الأدب الواقعي وقرائه الذين راحوا-كما حال نقاد جدد ارتفع صوتهم المختلف مع رؤى هذا النمط الواقعي من الأدب-يرون في هذا الأدب تمييعاً للطبيعة، وتحويراً لمنطق الحياة، وتحريفاً لسيرورة الحدث في بعده الواقعي الذي هو محور هذا الأدب.
ولعل بعض أدباء الواقعية الذين أدركوا ما تعرض له الإبداع بسبب تجاوزه للواقع إلى اللاواقع، تحت وطأة العامل الإيديولوجي، وهم جميعاً من صناع هذا الحقل الإبداعي الواقعي نفسه، وضعوا أصابعهم على مكمن الخلل، بهدف مقاربة الواقع الحقيقي، إذ راحوا يختلفون مع أحد الأسس التي درج عليها الواقعيون، كي يطلقوا عنان الواقعية لتعكس الواقع نفسه.
وإذا كان هدف الطرف الأول من وراء اعتماد النهايات السعيدة، هو أن يساوي بين طرفي معادلة الواقع، ليكون ما هو سعيد مقابل ما هو أليم، فإن ذلك لا يمكن فهمه إلا عندما ندرك بأنه تم في مرحلة حرجة من التاريخ، حيث اتساع رقعة الحرب والدمار والظلم والجور، وكان لابد للمبدع أن يفتح-عبر إبداعه- نافذة ولوصغيرة، وقبساً من النور ولو ضئيلاً لمتلقيه، يبين له، وهو يكابد، ويعاني من شدة مرارة الواقع أنه على موعد مع فجر غد أ فضل لائق به، بعد كل هذه الظروف الأليمة التي تعصف به، ليكون الخطاب الإبداعي بلسماً لروحه، ومعيناً له لمواجهة الصعاب والتحديات الكبرى، وقبل كل ذلك لزرع الثقة بنفسه لديه، و هو أمر مهم، لأن مثل هذه المهة، من أولويات وظائف الأدب الإنساني العظيم.
وطبيعي، أنه كان في الاتجاه الآخر، الأدب الواقعي الذي تجاوز بعض نواميس الواقعية، ليخرج بذلك عن الرتابة، والاستنساخ، وليعيدالأدب إلى لجة الواقع، كي يغدو صدى، وترجمة لما يتم، لا لما هو مأمول منه، وفقاً لما هو مفروض عليه، من خارج دائرة الواقع، وهو أنموذج حاز على كسب أعداد كبيرة من المتلقين، الذين وجدوا فيه تمرداً على ما رأوه رتيباً، ممجوجاً، في الأدب الواقعي، وفاقداً للدهشة التي يمكن اكتشافها من قبل المتلقي، عندما تجري أحداث العمل الأدبي في مساراته الطبيعية، إلى جانب من وجد فيه حاملاً نبض الواقع.
وقد نجد في مقام الأدب الواقعي-هؤلاء الأدباء الذين غرق أدبهم في ما هو تشاؤمي أليم- إلى تلك الدرجة التي لم يكن في إمكان المتلقي أن يجد فيها ولو بصيصاً من الضوء والأمل، بل كان على موعد دائم مع أدب يرى في كل ماحوله أسود، ولعلنا نستطيع-هنا-أن نستذكر الأدب الكافكوي الذي صار أحد الأمثلة التي يستشهد بها أثناء الحديث عن أي أدب تشاؤمي.
وإذا كانت ظروف مهاد الأدب الواقعي، الذي ولد في مرحلة زمانية، ذات خصوصية محددة–لاسيما في ظل الحربين الكونيتين- قد تغيرت، فإن في عودة آلة العنف والدمار، في بقاع كثيرة من العالم، من جديد، و بوتائر أكثر مأساوية وهولاً، ليدفع أبناؤها ثمن ذلك باهظاً، وباتت آفاق الخلاص تنغلق-للوهلة الأولى أمامهم- فإنه بات لزاماً على المبدع مواجهة ثقافة الإحباط، بكل أشكالها، ليعيد الثقة بالحياة إلى الناس، بعيداً عن التزيين الفجِّ، غير المسوَّغ، الذي وقعت فيه الواقعية في بعض مراحلها فيه، مادام أن المبدع ليتمتع برؤية مستقبلية،ثاقبة، تتجاوز حدود اللحظة المعيشة، وتستشرف الغد المقبل، وإن صناعة الأمل من أولويات المهمات الموكلة إليه، في ضوء احتياجات المرحلة الحالية.
_ثقافة الطفل وتحديات التكنولوجيا :
خطا الاهتمام بثقافة الطفل، على نحو عالمي أشواطاً هائلة، حيث بات من المسلم به، أن ثقافة الطفل تعد ركيزة ثقافية مهمة في حياة الفرد والمجتمع، لأن للثقافة الأولى التي يشكلها الطفل، بعد أن يفتح عينيه على النور والحياة،دوراً كبيراً، في تشكيل النواة الثقافية لديه، بالإضافة إلى دخول هذه الثقافة في تركيب شخصيته، إلى الدرجة التي يمكن اعتبار أي شخص إنما هو أرومته الثقافية الأولى.
وإذا كان الإنسان قادراً على تكوين وتطوير ثقافة خاصة به، وهو في مرحلة الوعي، فإن هذه الثقافة تعد أقل رسوخاً وتأثيراً عليه، من الثقافة الأولى التي استحصلها، في أسرته، وبيئته، ومجتمعه،لأنها تأخذ دورها المركزي، وتعد مرجعاً لاشعورياً لرؤيته، في كل القضايا التي تمس مفاصل الحياة، كاملة، بل إنها تشكل جوهر تلك الرؤية، على الإطلاق.
وإذا كان تلقي الطفل لمثل هذه الثقافة، منذ دخوله مرحلة التأثر بوسطه اليومي،يكون من خلال ما يتلقاه، من سلوك، وعادات، وموروث يتم ترجمته،في هذه البيئة الأولى، فإن هذه المكونات الثقافية لها دورها الفاعل، في تشكيل شخصيته الثقافية، وكل هذا يجيء-غالباً- في إهاب عفوي، آلي، غير مدروس، بحيث تكون هناك عناصر إيجابية، أو سلبية، بين المادة المقدمة إلى الطفل، تبعاً لطبيعة بيئته، بيد أن أسرة الطفل قادرة أن تمارس دوراً مهماً في تنظيم هذه الثقافة، وفق رؤيتها الخاصة، ليتم تكريسها، تلقائياً، ومن هنا، فإن اعتبار الخبراء المعنيين بدراسة ثقافة الطفل، أن دور الأبوين، في تثقيف الطفل جد حساس، وأن ما يمكن أن يزرعاه في ذاكرة طفلهما الثقافية، يكاد يغدو عصياً على المحو، وإن كنا سنجد أناساً، سيخضعون البنية الثقافية الأولى لديهم، إلى المحاكمة، بعد تشكل منظومة الوعي والمعرفة الخاصين بهم، تبعاً للبيئات اللاحقة، أو الموازية لبيئاتهم الأولى، وهنا لابد من الإشارة إلى عالم المدرسة الأكثر قدرة، على التأثير في البنية الثقافية للطفل، بل إن الطفل قد يغدو مختبر صراع بين ثقافتي المنزل والمدرسة، في ما إذا كان بينهما بون، أو اختلاف، ولعله يدفع ثمن هذا التباين بين هاتين الثقافتين على نحو غال، على حساب سيكولوجيته، في ما لم يتم تقديم التفسير اللازم لذلك، بل إن التفسير نفسه، قد لا ينجيه من الصراع، في ظل اختلاف هاتين الثقافتين، حيث سنكون أمام مشروع شخص مهدد باللاسوية.
حقيقة، إنه لابد من الإشارة، إلى أنه منذ بداية الثورة المعلوماتية، بات الطفل تحت وطأة تهديد مكون ثقافي رابع، بالإضافة إلى ثقافة البيت، والبيئة، والمدرسة،ألا و هو التلفزيون، ومن ثم الإنترنت، والبلاك بيري…….، وغير ذلك من الأدوات التي يمكن أن تتدخل في تحديد ملامح ثقافته الأولى، وهي مسألة باتت أكثر خطورة، لذلك فإن الأبوين، والمدرسة، والمؤسسة المعنية بثقافة الطفل أمام خطر داهم، ومعضلة شديدة الحساسية، لابد من الانتباه إليها، والتحكم بها، لتكون مصدراً مدروساً لثقافته، لاسيما وأن هناك دوائر خاصة، على مستوى عالمي، للتحكم بتقديم الغذاء الروحي الثقافي للطفل، هذه المسألة تدفع بنا جميعاً لقرع الأجراس، على نحو مستمر، لنكون يقظين، نتحكم تماماً بهذا المصدر الثقافي الأعلى سطوة، وخطورة، وتحدياً، ليكون تفاعل طفلنا معها بالشكل الإيجابي، لأن ثقافة الطفل، هي الطفل نفسه، وهي الحاضر والمستقبل، في آن واحد، وليس بيننا من هو ليس حريصاً، على الطفل، أيان، هدده الخطر، كما نحن حريصون على ماضينا، وحاضرنا، ومستقبلنا، أليس كذلك؟.
يتبع ..
Social Links: