من عصر (جون كالفن) الى عصر الخلافة (3/2) ــ يونادم يونادم

من عصر (جون كالفن) الى عصر الخلافة (3/2) ــ يونادم يونادم

 

ان التاريخ لا يقدم اجابة سهلة وبسيطة لتلك المخاوف ولكن يتبين انه من الممكن ان توجد حالة يتآلف فيها الأيديولوجي مع العقلاني ، فقد يوجد نظام يسيطر عليه ايديولوجيون ليدفعوه باتجاه نهاية ايديولوجية اي نحو انشاء نظام اقليمي راديكالي على سبيل المثال. وقد يستخدم وسائل وادوات عقلانية من اجل المجيء بالحالة الراديكالية وربما يقدم على التراجع في حال سبب اندفاعه العدواني كلفة باهظة، او قد يسلك سلوكا يخالف تقاليد منطق المصالح السياسية.

ويوضح لنا سلوك البلدية الالمانية الرئيسية وتدعى البلاطينية اثناء (الحروب الدينية ) كلا هذين الاحتمالين حيث كان حكام البلدية من اتباع ( كالفين ) المقاتلين المتشددين ممن جاهدوا لانهاء سيطرة الكاثوليكية في الامبراطورية الرومانية المقدسة ووضع حد لها في كل أرجاء اوروبا ومن أجل ذلك حاولوا مراراً تشكيل حلف كبير يجمع البروتستنتيين ضد القوى الكاثوليكية، وقاموا في مناسبات عديدة بارسال قوات للقتال الى جانب الكالفينيين في فرنسا وهولندا، وكانت حساباتهم طوال القرن السادس عشر تقوم على المزج السليم بين الايديولوجية والعقلانية كما فعلوا حين واجهوا مقاومة كبيرة من قبل آل هابسبورغ الأقوياء، ولكن عدم المبالات من قبل اتباعهم البروتستنتيين دفعهم للتراجع. ومن جانب آخر قام المتمردين الكالفينيين في بوهيميا ( وتقع ضمن حدود الامبراطورية التي يسيطر عليها الكاثوليك) بدعوة القائد البلاطيني (فريدريك الخامس)لاعلان الولاء لآل هابسبورغ وليصبح ملكاً عليهم، ولقد قبل (فريدريك الخامس) هذا العرض في عام 1619 وصارت بوهيميا تابعة له رغم ما قد يجلب ذلك من مخاطر ناجمة عن ردود الفعل العنيفة لآل هابسبورغ بالاضافة الى امتناع معظم البروتستنتيين الاوروبيين عن تأييده، وفعلاً بادر آل هابسبورغ الى سحق جيش (فريدريك الخامس)

وتدمير ونهب البلاطينية وقمع البوتستانتية فيها. واعتبرت تلك الحركات بمثابة الخطوات الافتتاحية ل(حرب الثلاثين عاماً).

بقاء الأصلح :

يوماً ما سينتهي النزاع بين الحركة الاسلامية والعلمانية مثله مثل كل النزاعات الأيديولوجية الاقليمية الطويلة الأمد، اما كيف سيتحقق ذلك وما هي آفاق الديمقراطية في الشرق الوسط فستبقى أسئلة مفتوحة.

ويظهر تاريخ الغرب ان الازمات المتعلقة بالشرعية يمكن حسمها بأحد الطرق الثلاثة التالية : اما عن طريق نصر حاسم من قبل أحد الأطراف، او تجاوز النزاع من قبل الأطراف المتحاربة ، او ان يبرز نظام هجين قادر على التوفيق بين المذاهب المتخاصمة بطريقة كانت تبدو مستحيلة قبل ذلك.

واليوم يظهر ان السيناريو الأول الذي ستنتصر فيه ايديلوجية واحدة غير ممكن لكون الحركة الاسلامية بعيدة كل البعد عن كونها كتلة واحدة منسجمة ولهذا فان انتصار الحركة الاسلامية بشكل عام لن يؤدي الى تحديد اي من مكوناتها ستكون له الهيمنة (السنة ام الشيعة، المعتدلون ام المتطرفون، الملكيون ام الجمهوريون) ، اما السيناريو الثاني والثالث فيوجد امكانية لتحقيقهما.

رغم انه من الصعب ان يتصور المرء الشرق الاوسط وقد تجاوز أزمات الاستحقاقات الشرعية التي يمر بها الآن بنفس الطريقة التي أنهى بها الغرب أحدى أزماته مع بداية تاريخ اوروبا المعاصرة حين استطاعت ان تتغلب على الصراع الديني بظهور أنظمة حكم جديدة نوعياً والتي اعتبرت ان الخلافات الأيديولوجية القديمة لم يعد لها علاقة بالوضع الراهن. لقد احتفظ كل من الكاثوليك والبروتستانت بالاخلاص لديانته وتوقف كل منهما عن القيام بحساباته المبنية على خسارة الطرف الآخر، وتوصلوا تدريجياً الى تبني مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة. ان حصول نتيجة مشابهة في الشرق الأوسط تتطلّب من النخب وجماهير الناس ان تتوقف عن النظر الى كون نفوذ وتأثير الاسلام على القوانين والنظام العام سيشكل خطراً مدمراً. ولكن مع زيادة الاستقطاب القائم حالياً يجعل حدوث مثل هذا التجاوز امراً بعيداً.

وينتج عن ذلك ان البديل هو التقاء الايديولوجيات المتنازعة بتبني كل منهم لبعض مؤسسات او ممارسات الايديولوجيات الأخرى. وهذا ما اختبرته التجربة الاوروبية ، فمنذ عام 1770 وحتى عام 1850 بقيت القارة الاوروبية ممزقة بين الملكيين الذين اعتبروا ان السلطة يجب ان تنتقل بالوراثة وبين الجمهوريين الذين ارادوا ان تكون الحكومات منتخبة. وساد اعتقاد اولي ان هاتين الفكرتين لا يمكن التوفيق بينهما لان كل منهما تنفي الثانية، فالملكيون قاموا بسحق كل الثورات المتكررة التي قادها الجمهوريون. ولكن بعد مرور فترات من القمع عقد ملوك اوروبا صفقات جديدة مع الطبقات الوسطى، ولحقت كل من النمسا وفرنسا وايطاليا وبروسيا بالمملكة المتحدة لانشاء أنظمة حكم جديدة والتي سميت احياناً (الليبرالية المحافظة) فتبنت الملكية مع قيود برلمانية وحريات مدنية اوسع.

هذا الدرس التاريخي الأخير يشير الى اقصى نجاح يمكن ان تطمح اليه ايديولوجية او مركب ايديولوجي مكون من ايديولوجيات متعددة يتوقف على وجود نصير قوي في الدولة. ان انتصار (الليبرالية المحافظة) في اوروبا يرجع الى ما حققته المملكة المتحدة باعتبارها الدولة النموذجية في هذا المجال لوجود تاريخ طويل من نظام حكومي هجين او مركب اي ان لها نظام ملكي دستوري استطاع ان يجمع بين التقاليد والاصلاح وجعل من المملكة المتحدة حينها واحدة من أكثر البلدان نجاحاً في العالم من الناحية الاقتصادية واستقرار نظامها الاجتماعي ونفوذ مركزها العالمي ويعود السبب في ذلك الى نظامها السياسي المركّب الذي قادها نجاحه لتكون مثلاً يحتذى في القارة.

وعبر العالم الاسلامي يوجد اليوم نظام هجين او نظام مركّب من نوع آخر تبدو عليه اليوم دلائل تعطيه صلاحية الاستمرار، وهذا النظام الهجين يسمى أحياناً ب (الديمقراطية الاسلامية) رغم ان الخبراء كانوا يعتقدون ان الديمقراطية والاسلام متنافران من حيث طبيعتهما، ولقد حاول اسلاميون وديمقراطيون في دول مختلفة ان يجمعوا من الناحيتين النظرية والتطبيقية بين هذين النظامين. فمثلاً بين عامي 2013 – 2011 قام حزب الحرية والعدالة في مصر (وهو الجناح السياسي للاخوان المسلمين) ببذل جهود قاسية ليصور نفسه على انه قوة معتدلة بقبوله مبدأ التعددية في المجالين الايديولوجي والديني غير ان جهوده هذه فشلت في النهاية حين باشر الرئيس محمد مرسي بتركيز السلطة بيديه فاطاح به الجيش المصري. ومنذ ذلك الوقت يبدو ان مصر قد تخلت عن الديمقراطية نهائياً، مع ان حجم الدولة وتأثيرها يضعانها في موقع نموذجي يحتذى به فيما اذا حاولت ان تقوم بالتجربة مرة ثانية.

في هذه الأثناء جرت محاولة أكثر نجاحاً للجمع بين الاسلام والديمقراطية قام بها حزب النهضة السياسي في تونس الذي أجرى انتخابات ديمقراتية في نهاية عام 2014 رغم تبنيه للاسلام بشكل علني. ان تونس بلد صغير لتصبح نموذجا يقتدى به ومع ذلك ستبقى تمثل البقعة المضيئة التي خرجت من الربيع العربي ولتبين، رغم كل شيء، ما هو ممكن.

الكثير سيتوقف على الخيارات السياسية التي سيتخذها اقوى بلدين من ذوي الغالبية المسلمة في المنطقة وهما ايران وتركيا رغم كونهما بلدين غير عربين ولكنهما يتمتعان بنفوذ له تاريخ اقليمي طويل. فمن ناحية هناك ايران التي تمثل النموذج الاسلامي منذ اعلنت انها تتبنى المعيار الحقيقي لهذه الايديولوجية بانتصار ثورتها عام 1979 ، رغم انها دولة جمهورية من الناحية الرسمية وجرت فيها شبه انتخابات تنافسية وان بقيت السلطة في آخر المطاف تتركز في يد (آية الله خامنئي). ولكن احتمال ان تلعب ايران دور الدولة النموذجية (للجمع بين الاسلام والديمقراطية ) احتمال ضعيف وبعيد لأنه اصيب بهزة كبيرة وتراجع بشدة خلال وبعد أحداث الربيع العربي وما تركته من آثار ترتبط بدعم طهران اللامحدود لنظام الأسد في سوريا، وخاصة بعد ان صار نظاماً هشّاً ضعيفا منذ انتخابات عام 2009 المشبوهة، ان كل هذا يثير الشكوك لدى جيران ايران حول كونها نموذجاً يحتذى به في هذا المجال، بل يمكن القول ان الحركة السياسية للاسلام ستقع في مشكلة اساسية اذا بقيت ايران تعتبر نفسها نموذجاً في هذا الاطار.

أما تركيا فهي تختلف من هذه الناحية، صحيح انها من الناحية الرسمية دولة علمانية ولكنها تنجرف في اتجاه التيار الاسلام السياسي، وخلال الثلاث السنوات الأخيرة سارت تركيا في طريق يقربها لتكون نموذجاً من نوع جديد لدولة يمقراطية اسلامية هجينة ، لقد انعش التنافس في الانتخابات الحزب الحاكم (حزب العدالة والتنمية)الذي يرأسه (رجب طيب أردوغان) والذي يعتبر نفسه مثالاً طليعياً في الديمقراطية الاسلامية ( رغم انه يفضل ان يسمي هذا النمط من الحكم ب”المحافظ” اكثر من كونه ب”الاسلامي”) ، وقد تمتعت تركيا بنمو شعبيتها في منطقة الربيع العربي وما زالت توسع من دائرة نفوذها منذ ذلك الحين. ولكن يبدو ان تفتح مثل هذا الهجين (الديمقراطي- الاسلامي) بدأ يتوقف ويعود ذلك جزئياً الى ان أردوغان بدأ يسلك سلوكاً استبدادياً في طريقة الحكم. ويمكن لتركيا ان تقدم نفسها كمثال على نظام الحكم الهجين ولكن ما يجري على ارض الواقع هو ان المكون الديقراطي فيه بدأ يحل محله نظام حكم الفرد التقليدي.

لماذا يتحاربون ؟

كما حصل مع العديد من الايديولوجيات المتصارعة سابقاً، قادت أزمة الشرق الأوسط الكثير من المراقبين للتساؤل فيما اذا كانت الأيديولوجية هي السبب الحقيقي وراء كل ما يجري. والكثير من النقاد يتتبعون اسباب الصراع الى منطلق مختلف تماماً، حيث يرون ان الامبريالية الغربية – الأوروبية اولاً والأمريكية ثانياً- أذلّت المسلمين وحدّت الكثير من قدراتهم لبناء مستقبلهم والتحكم في مصيرهم، كأفراد وكمجتمعات. من خلال هذا المنظار يبرز الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة ومساندته لاسرائيل على انه المسؤول الاول عن تزايد مستوى العنف، غير ان انتقادات من هذا النوع تتجاهل واقعاً آخر وهو انه يوجد في العالم اعداد كبيرة ممن يمكن اعتبارهم -لا حول ولا قوة لهم-، كما انه يوجد ناس وجماعات عديدة محبطة، ثم ان سيطرة الولايات المتحدة تكاد تكون شبه عالمية. بالاضافة الى ان العقدة الخاصة التي تتحكم بأزمات الشرق الأوسط و تمسك بخناقه – مسلسل الاضطرابات والقمع، وكذلك الارهاب والأعمال الوحشية والتدخلات الخارجية المتكررة- من الصعب ان يجد المرء مثيلا لها في أي مكان آخر من العالم.

هناك من يريد ان يلوم الفقر فيقول انه لو توفرت الثروات وفرص أكثر للمسلمين لتلاشت كل تلك الازمات، غير ان مثل هذه الأحكام، على أهميتها، لا تستطيع ان تقدم تفسيراً شاملاً للحالة التي نحن بصددها، فهناك مجتمعات فقيرة في هذا العالم والعديد منها يعيش في أوضاع اسوأ بكثير من مستوى الحالة المعيشية لبلدان الشرق الأوسط ومع ذلك استطاعت ان تتجنب مثل تلك الاضطرابات، وهنا يبرز استنتاج مختلف يعترف بأهمية الاحباط والفقر كعاملين رئيسيين في انتاج الوضع الحالي للشرق الأوسط اذا ارتبط ذلك الوضع بأزمة طويلة الأمد تتعلق بالشرعية .

وهنا قد تتمكن الولايات المتحدة من المساعدة في مجيء وضع مستقر طويل الأمد عن طريق دعم الدول والأطراف التي يقوم فيها نظام حكم معتدل وان كان لا يرقى الى مستوى نظام دولة علمانية، ولكن حتى الولايات المتحدة غير قادرة على حل كل مشاكل المنطقة. وكما ان الامبراطورية العثمانية التي كانت تشكل القوة الاسلامية العظمى اثناء (الحروب الدينية ) في اوروبا كانت عاجزة عن حل النزاع المسيحي في القرن السادس عشر، لا تستطيع اية قوة خارجية ان تقوم بتهدئة الوضع في الشرق الاوسط اليوم. المسلمون وحدهم قادرون على تصفية حروبهم الايديولوجية.

  • Social Links:

Leave a Reply