العلمانية والعلم  – عبد الله خليفه

العلمانية والعلم  – عبد الله خليفه

العلمانية والعلم  

عبد الله خليفه
العلمانية هي فصلُ الدينِ عن السياسة، وهذا هو تعريفها العالمي الفيصل. العلمانية لا تعني العلمية، فالعلميةُ والعلومُ هي مستوىً آخر، مرتبطٌ بتطورِ العلوم وبأهدافِها وبوسائلِها داخل المجتمعات المختلفة، في حين أن العلمانية هي مفردةٌ سياسيةٌ تتعلقُ بعالمِ السياسةِ والقوانين الإجتماعية، وتعني الفصل تحديداً بين الدين والسياسة سواءً كانت أحزاباً أم دولاً. أي أن لا يُستثمر الدينُ لمصلحةِ فريقٍ دون آخر، لا في شعاراتهِ ولا في أسمائه ولا في أهدافه. وأن تظهرَ الدولةُ أو الحزبُ بمظهرِ الكيان الوطني الذي يخدمُ المواطنين لا جماعةً من المؤمنين. فصلُ الدينِ عن السياسةِ لا يعني الإلحادَ ولا يعني العلمية، فالعلمانيةُ هي وضعٌ سياسيٌّ يقومُ على منع الدينيين أو غيرهم من العسكريين والسياسيين والحكام، من إستخدامِ الدين في عملياتهم السياسية، ولكي لا يمكنهم إستخدام هذه الأدوات المتوارثة المقدسة، من أجل أهدافهم السياسية، ولكي يمنعهم هذا الوضعُ من إستخدامِ المفرداتِ الدينية والكتب المقدسة في دعاياتهم الإنتخابية وفي أحكامهم لأجلِ مصالح حزبية وسياسية، ولكي لا يتم تجنيد الناس من خلالِ نصوصِ الكتبِ المقدسة للمؤمنين جميعاً لغاياتهم الشخصية والحزبية والحكومية.

ففي حين تتوجه الإنتخاباتُ لعرضِ برامج الطبقات المختلفة، وأيها جديرٌ بمقاعد البرلمان، يستثمرُ الدينيون النصوصَ المقدسة من أجل غاياتِهم الحزبية للوصول إلى أهدافهم عن طريق الدين والمذاهب، والدين والمذاهب لا علاقة لها بإهدافهم الحزبية، وإنما هي أدواتٌ محترمة لدى الناس، يريد الحزبيون الدينيون من خلال إستغلالها الصعود لمغانم الحكم ومكاسب الثروات وللأهداف السياسية الحزبية التي تخضع في كل فترة لتحول وظروف وغايات يحددها هؤلاء السياسيون!

يمكن أن يكون العلماني صوفياً ودرزياً وشيعياً وسنياً وبوذياً وملحداً ومسيحياً ووجودياً وحداثياً وعلمياً كارهاً للأديان وغيرها من الآراء والأفكار الدينية والعصرية، فهي حالةٌ سياسيةٌ لا علاقة لها بالمعتقد، وهي وضعٌ إنتخابي ديمقراطي، لا علاقةَ له بالإيمان وعدم الإيمان. يمكن أن يكون العلماني مجوسياً وبوذياً وهندوسياً وشيوعياً، فقد قررَ هذا الإنسانُ السياسي أن يضع عبادته وأفكاره الاعتقادية خارج العملية الإنتخابية، فيمكن للبوذي أن يصوتَ للشيوعي، ويمكن للشيوعي أن يصوتَ للهندوسي. حين أرى أن الدرزي في آرائهِ السياسية وليس في معتقداته الدينية أفضل لي ويقدم برنامجاً سياسياً مفيداً لي سوف أنتخبه، وأعرضُ عن السني الذي يرفعُ لواءَ مذهبي، لكنه لا يرفع برنامجي الاجتماعي الذي يهتمُ برفعِ أجوري وبالدفاعِ عن مصالح طبقتي. العلمانيةُ إذن هي حالةٌ سياسيةٌ تنأى بالأديان والمذاهب عن إقتحامِ الصراع الاجتماعي السياسي، وهي لا تعني القضاء على الأديان، وإبعادها عن معتقدات الناس، ولا تعني هدم دور عباداتهم، ولا منع الإهتمام بتراثهم! هي منعُ المتاجرة بالأديان في العمليات السياسية فقط، وتتشكل عبر حالة قانونية دستورية معينة. ومن هنا كان بعضُ العلماء مؤمنين، وبعضهم ملحدين، وغير هذا من الإنتماءات الفكرية، وهذا يتوقفُ على إعتقاداتِهم، ولا علاقةَ له بمواقفِهم السياسية، فالموقفُ السياسي مستوى مختلف، فالعديدُ من العلماء أتخذَ موقفاً غير علماني، أي وقفَ مع الأحزاب الدينية والدول الدينية، كما حدث العكس.

كما أن الكثيرَ من غيرِ العلماء ومن المتدينيين كما قلنا أتخذَ موقفاً علمانياً، أي رفض إستخدام الدين في السياسة. أي إنهُ رفضَ أن يتمَ الزجَ بالدين لمصلحة فريق دون فريق! وهذا في عصرنِا يتسمُ بالتوسع، فالأديانُ هي إيمانٌ الملايين، وتقومُ بعضُ الجهاتِ بإستخدامِها لمصالحِها الفئوية الضيقة لكسبِ الأصواتِ والمقاعد والثروات، في حين أن الأغلبيةَ ترى إن إستخدامَ هذه الأقليات لدينها في مثل هذا الوضع السياسي الشمولي ولخدمةِ مصالح تلك الأقليات، يتسمُ بعدمِ تحقيقِ تطوراتٍ لمعيشتِها ولحرياتها، وهو مضادٌ لمعاني الدين والتطور الديمقراطي معاً كما تفهمها. تتفككُ علاقاتُ السياسةِ بالدين، فالدنيوي المتعلقُ بالحكوماتِ وبالصراع السياسي وبالبرامج السياسية والإنتخابية، ينفصلُ عن الديني المقدس، وينفصلُ عن آيات القرآن ولضرورةِ عدم زجها وإستخدامها في مثل هذه الحلبات، وينفصلُ عن الزجِ بالرموز المقدسة عند أصحابها في صراعات دنيوية محدودة، تتعرضُ للتغيير بشكلٍ فظ في كثير من الأحيان، وتتسم بالديماغوجية وبالانتهازية وبالمبدئة في (قليل) من الأحيان!

وقد إنفصل بعضُ كبارِ علماءِ المسلمين عن مثل هذه الحالاتِ السياسيةِ التنافسية وعن الإنخراطِ في الجبهات السياسية المتصارعة التي أتخذتْ للأسف توجهات طائفية، مشكلين حالة أولية من العلمانية الوطنية التوحيدية، ولا يعني هذا إنفصالهم عن دينهم و لا عن بحثهم العلمي! كما أن هذا يعني حفاظهم على الخرائط الوطنية لبلدانهم، وبتقنيةِ المذاهبِ الإسلامية من الشوائب المريضة للفساد السياسي، مدركين طبيعةَ التطوراتِ السياسية المتقلبة وبضرورةِ عدم جرها للمذاهب الإسلامية في المزايدات والصراعات السياسية والاجتماعية التي لا تتوقف! فالحالةُ الدينيةُ لها تطورُها الخاص كذلك، مغايرةٌ عن الحالةِ العلمانية، وعن الحالة العلمية. فهذه مستوياتٌ ثلاثة مختلفة كلٌ له مساره.

  • Social Links:

Leave a Reply