أزمةُ شعب، في أزمة سلطة ..!!!
لا تلبس أزمة اجتماعية واقتصادية، في الداخل السوري، تنتهي حتى تنبثق أزمة أكبر وأعظم من سابقاتها. فتزيد المجتمع السوري ” أو ما تبقى منه ” مأساة على مآسيه، ونائبة جديدة على حصيلة نوائبه التي ألّمت به وجعلته في مصاف المجتمعات الأكثر دمارا و خرابا وانكساراً في العالم أجمع، بعد أن كان يتبوأ الصدارة على مستوى العالم في الكثير من الميادين الفكرية، والثقافية، والرياضية والفنية وحتى الاقتصادية والصناعية ! ثم يأتي اليوم الذي ُتدّمرُّ فيه زمرة سلطوية حاكمة هذا البلد التاريخي العظيم خدمة لثباتهم في كراسيهم. في تحد ٍ صارخ لحركة التاريخ وصيرورته. وفي نكران كبير لكل تطور اجتماعي وسياسي ” يتماشى” مع عصر الحداثة الذي كانت أهم سمة من سماته العريضة هو حرية الإنسان وديمقراطية نظامه السياسي. ولكن تُصرُّ هذه الزمرة الاستعمارية الحاكمة على السير بعكس التيار ، والطبيعة، وقوانين الكون العظمى من تطور وحداثة .!
موجةُ غلاء ٍ جديدة، كاوية ترمي بما تبقى من أشلاء المواطن السوري، المبعثرة في أرجاء المعمورة، إلى الحضيض الاجتماعي والاقتصادي العميق. في تخبط ٍ جديد لحكومة أفلست من كل شيء إلاّ من زندقتها وكبريائها الأجوف ونفاقها المعهود على مدى سنوات وعقود انتهجت خلالها أسوأ أنواع البراغماتية السياسية والفكرية، لتعمل على تحويل مجتمع علماني تنويري وطني وقومي كالمجتمع السوري، إلى مجتمع فاشل يتخبّط بأزماته وانكساراته الكبرى في كل المستويات، الوطنية، القومية، الاجتماعية، الثقافية، والاقتصادية. ليصل اليوم إلى حالة يرثى لها الجبين وتدمع لها الأعين. ويتشتت في بقاع المعمورة بين باكٍ على وطن، ونائحٍ على فقيد، وثائرٍ على ظلم، وناكرٍ لباطل، ومدافع عن حريّة، وحق الحيــــــاة.
نعم؛ هذا هو اليوم، وللأسف الشديد حال الشعب السوري الذي لا ذنب له ولا ناقة ولا جمل بكل ما حصل ويحصل. فكل ما في الأمر بأنَّ الرجعيين من حكامه والفاسدين من مسئوليه أنكروا عليه حياةً كريمة، وفراشٍ نظيف، و كرامةً يرفع بها رأسه أمام نظرائه من أمم الأرض وشعوبها. ولكن، كان الشيطان البعثي، والأمني المخابراتي العفِن، لهم بالمرصاد. فشيطنَ الحق، وأحقَّ الباطل. وأدانَ القتيل وبرأًّ القاتل، و اعتقل البريء، وأطلقَ السفاّح . واليوم، يتلّوى الشعب السوري بين فكيّ كمّاشة النظام القمعي الاستبدادي القاتل، وبين نار العيش وشظف الحياة وحرمانه لوطن ٍ كان في يوم ٍ أمّاَ حنوناً له وأرضاً دافئة لا يرضى لها بديلاً ..!
القرارات الجديدة في ارتفاع الأسعار الجنوني، يعكس شيئاً واحداً، ألا وهو الإفلاس الحكومي و انكسار النظام الذي يدّعي الصمود ويكابر على هزيمته النكراء. وبات اليوم يشحذ المال من جيوب ِ الفقراء والمساكين من أبناء هذا الشعب البائس الذي لم يعد يملك شيئاً بعد أن قدَّمَّ الغالي والنفيس فداءَ لكذبة ٍ أقحمه فيها النظام الاستبدادي الحاكم، لجهة تحويل أحداث بسيطة مطالبة بالحرّية والتغير والعدالة، إلى حرب ٍ ضد الإرهاب. وإشعال الصراعات الإقليمية الكبرى في المنطقة ليبقى هو خارج الاستحقاقات التاريخية التي تستوجب رحيله وانزياحه كلياً عن السلطة بعد حكم ما يزيد عن خمسين عاماً أعاد فيها البلاد إلى الوراء ضعف مدة حكمه.
لا ضيرَ من أن تشتعل أجواف الفقراء، وهم غالبية عظمى من الشعب السوري، بالجوع أكثر فربَّ ضارةٍ نافعة، إّذ إنَّ الوعي الجماهيري يحتاج إلى محفزّات ٍ قوية لتشكيله، والعامل الاقتصادي الملّح هو المحفّز الأكبر لتشكيل الوعي الجماهيري الكبير والذي سيدفع الجموع إلى الحراك الشعبي رافعاً رايةً ال ” لا ” ليرميها في وجه ظلاّمه وحكّامه المستبدين .
هذه الزيادة الخطيرة في كلف العيش سيكون لها انعكاسات مدّمرة أكثر وأكثر على المجتمع. وسينبثق عنها ظواهر مخيفة ومدّمرة، وهي كانت قد بدأت فعلاً، ولكنها ستتعاظم ويكبر شأنها. فهذه دعوة مفتوحة للناس كي ينتهجوا السرقة والنهب والفساد العام في مرافق الدولة ومؤسساتها. وحيث أنَّ هذه الظواهر هي موجودة فعلاً كما أسلفنا وتتخذ منهجية َ مدروسة ومنتظمة منذ عقود سابقة، فإنها اليوم ستتسع وتكبر لتشمل شرائح اجتماعية أوسع، و آليات ٍ أعقد من سابقاتها.
كما ستزداد نسبة الانحلال الأخلاقي الموجودة أصلاً في المجتمع والتي تضخّمت كثيراً في سنوات الحرب كحالةٍ من حالات الكسب غير الشريف الذي بات غالبية المجتمع السوري يندرج تحت عنوانه. فأدوات الكسب المشروع في البلاد قد ذابت كما الثلج في شمس آب ولم يعد هناك مصادر كسب مشروعة. فالانحلال الخلقي طال كل شيء حتى بات كل ما هو أخلاقي، شواذ عن الشرعة التي أسس لها نظام البعث عبر عقود من الزمن.
إنه مخاض أليم وقاس ٍ، و العدو الذي يواجهه الشعب السوري هو عدو داخلي محض، والشعبُ يظنّه حاكمه وقيادته ومنقذه. وهو كما الذئب في قصة ليلى، يبقى يروي لهم الحكايات حتى ينهش آخر ما تبقى من لحمهم وجلودهم وعظامهم. إنّ الخطوة الأخيرة لحكومة تصريف الأعمال هي خطوة تدعو إلى التفاؤل من حيث أنها تكشف زيفَ وبهتان ونفاق هذا النظام الذي يدّعي حمايته للشعب و يعتبر نفسه وصياّ شرعياً له لا منافس له ولا بديل. وهاهو اليوم ينكشف ويكشّرُ عن أنيابه الشريرة، ليقول للناس بأنه شيطانُ يختبأ بثوب ملاك، وأن همّه الأوحد هو تلك الكرسي التي تخدم مصالحه ومصالح زبانيته في الداخل والخارج.
وإلى ذلك اليوم الذي يتشكل فيه الوعي الحقيقي الكامل ليعلم ما تبقى من أعمياء القوم في سوريا أن الحق لا بد منتصر والظلم بائد, نأمل أن لا تطول مأساة شعبنا المسكين الذي تعصف به الريحُ من كل حدب ٍ وصوب، فقط لأجل شخص ٍ أعاد البلاد عشرات السنين إلى الوراء ..!!!
Social Links: