سألني صاحبي وقد كنا نتابع معا ندوة تلفزيونية حول الأوضاع السورية الراهنة,يشارك فيها ضابط محسوب على المعارضة الوطنية ,ضابط منشق يحمل رتبة كبيرة , سألني ان اعلق على قول هذا الضابط الذي كان يتكلم بكل ثقة عالية وحماسة منقطعة النظير:ان الثورة السورية قد قطعت حتى الأن ثلث الطريق في مسيرتها وانها لا بد ماضية في هذه المسيرة حتى النصر النهائي . قلت لصاحبي :أما أن الثورة لا بد منتصرة فهذا هو هدفنا جميعا . وهذه هي في الوقت نفسه مسؤوليتنا في ضرورة مواجهة التحديات المصيرية التي تستهدف وطننا وعلى كافة الأصعدة الداخلية والإقليمية والدولية والتي تعترض تحقيق هذا الهدف . . أما أن الثورة السورية ما تزال تحتاج الى عشر سنوات كي تحقق انتصارها فهذا هو الأمر الذي ينبغي الوقوف امامه مليا , والتفكير الواعي المسؤول فيما ينطوي عليه من رؤية مستقبلية ومن برامج عملية لإنجاز المهمات الإنتقالية في الطريق نحو بلوغ الأهداف الأساسية التي انطلقت من اجلها الثورة ,وعل أساس ذلك يمكن أن نقدر بصورة أولية كم هو الزمن المتوقع كي تبلغ هذه الثورة غايتها في تحقيق الأهداف الي قامت من أجلها. وأضفت معبرا لصاحبي عن وجهة نظري : أما اذا استمرت مسيرة الثورة في هذا المسار الخاطئ الذي شوه صورتها وأجهض أهدافها فربما لن تكون في الأمد القريب نهاية لنظام الفساد والقهر والإستبداد , ولا عملية انتقال ديمقراطي حقيقي لبناء دولة المواطنة , ولن تحتاج الماساة الحالية التي يعيشها شعبنا الى عشر سنوات أخرى لاستكمال تدمير ما تبقى من مقومات الكيان السوري . لقد كانت دروس التاريخ القريبب والبعيد ,وستظل أبدا خير مرشد ومعلم للشعوب الطامحة نحو التحرر والتقدم ومواكبة العصر . وقد كان يتوجب علينا نحن السوريين ومايزال أن نستفيد من العبر والنتائج التي قادت اليها سيرورة مختلف الإنتفاضات الشعبية في سياق ما عرف بالربيع العربي. واخطر تلك النتائج الكارثية بلا شك كانت عسكرة تلك الانتفاضات وتدويلها ,في الوقت الذي ترافق ذلك بتغييب ارادة شعوبنا وارتهان قرارها الوطني المستقل وانعكاس كل هذه التطورات الخطيرة في داخل مجتمعاتنا تدميرا لوحدتها الوطنية وتمزيقا لنسيجها الإنساني واحترابا أهليا يعيدها ربما الى أجواء ما قبل العصور الوسطى . كيف يمكن لثورة تحررية ان تنجح في تحقيق اهدافها اذا لم يكن اعتمادها الأساسي على شعبها وكيف يمكن لثورة تحررية أن تواجه تحدياتها اذا لم تكن الوحدة الوطنية سلاحها الأمضى في مواجهة تلك التحديات والعقبات ؟ ,وكيف يمكن لثورة تحررية تطرح وتتبنى مشروعا وطنيا ديمقراطيا للتغير وصنع الغد الديمقراطي الإنساني الأفضل ,كيف لها ان تقنع شعبها أولا ومن بعد كل قوى الحرية والتقدم في العالم بأنها في الشعارات التي تطلقها وفي الأعلام التي ترفعها وفي الخطاب الذي تنشره وفي الممارسات التي تستخدمها انما تعكس حقا طبيعة القيم والمبادئ الديمقراطية الخلقية والحضارية والانسانية التي تعبر عن هويتها ؟. واذا كان يفترض أن مسار الثورة السورية وبعد انقضاء خمس سنوات من الصراع الدامي ,واستيعاب كل معطيات الواقع المحلي والدولي ,اصبح واضح الآفاق لكل من تعنيه المأساة السورية ,وأن هذا المسار لا بد ان يجتاز مرحلتين .أولاهما مرحلة انهاء السلطة القائمة عبر عملية انتقالية محددة المهمات والآجال ,وثانيتهما مرحلة انجاز عملية التغيير والتحول الديمقراطي الذي يتطلب الانطلاق من عقد وطني جديد يكون مرجعية دستور ديمقراطي يكرس مبدأ المواطنة الحرة المتساوية دون تمييز ويوفر الشروط لاقامة دولة الحق والقانون والمؤسسات الشعبية المنتخبة . انهما مرحلتان متكاملتان لا انقطاع أوتعارض بينهما اذا سارت الأمور بطريقة سليمة تحول دون اجهاض ما هو مرسوم أو الإرتداد عن المسار الصحيح بفعل التدخلات الخارجية المعادية وقوى الثورة المضادة . مهمة بناء سورية الجديدة مهمة شاقة وصعبه ولكنها الخيار الوحيد امام سورية الحاضر اذا كان لها ان تبعث من جديد و تستعيد ذاتها ,وأن تضطلع بدورها الحضاري الذي تميزت به خلال حقب التاريخ المتوالية . ولقد برهن شعبنا بعد كل هذه التضحيات الجسام التي قدمها من اجل حريته وكرامته وتقدمه انه جدير بهذا المستقبل الذي يتطلع اليه .ومن وجهة نظرنا ,التي عبرنا عنها دائما فان في مقدمة ما هو مطلوب لتجاوز المحنة الراهنة التي يعانيها وطننا , أن تتسلح القوى الوطنية السورية وفي مقدمتها هيئات ومنظمات المجتمع المدني بالوعي العقلاني المطابق لمشكلات الواقع والمؤهل لانجاز مهام مرحلة الانتقال . الوعي الذي يمكن أن ينجح في توحيد الارادة الجماعية لشعبنا وحشد وتنظيم طاقاته في منحى البناء والتغيير . اذ لا مجال بعد الحال التي وصلت اليها بلادنا ان نتشبث او نكرر اطروحاتنا السابقة مثل :ضرورة حرق المراحل ,او كل شيئ الآن وليس غدا ,او ان ما هو مطلوب تقوم به السلطات من فوق ولا ضرورة لدور الشعب أو موافقته … لقد اضحى جليا بالنسبة لنا نحن السوريين ,ان ما يسمح لنا بالحكم والتقييم الموضوعي على صحة مواقف وممارسات تلك الأطراف المعارضة التي تعلن عن نفسها باستمرار انها تمثل المشروع الوطني الديمقراطي السوري , تلك الأطراف التي تفصل بين مهامها وممارساتها وتحالفاتها الحالية مع المجموعات المسلحة الارهابية بدعوى ان بناء النظام الديمقراطي وما يتطلبه من مواقف ومهام كلها تأتي في مرحلة لاحقة بعد اسقاط النظام . نقول لهؤلاء جميعا ان عملية بناء المستقبل الذي يطمح اليه شعبنا ليست عملية مؤجلة لما بعد اسقاط السلطة وانهاء النظام بل هي عملية تتكامل اسسها في كل يوم من خلال مواقفنا وتصرفاتنا ومن خلال خطابنا وحرصنا الدائم على صيانة وحدتنا الوطنية والتأكيد على ماهية وصورة هذا المستقبل الذي نسعى اليه , وقبل ذلك كله في مدى مانجسده في سلوكنا اليومي من التزام عفوي صادق بقيم العقلانية والديمقراطية والعلمانية ونسبية الحقيقة ,والمواطنة الحرة المتساوية .
Social Links: