ارتكاسات بنيوية عميقة لأزمة سورية كبرى

ارتكاسات بنيوية عميقة لأزمة سورية كبرى

ارتكاسات بنيوية عميقة لأزمة سورية كبرى وماذا بعد؟؟؟؟؟؟؟

هذا السؤال ربما هو الأكبر والأخطر في عقول السوريين جميعاً. سواء من كان منهم في الداخل تحت نير وقبضة النظام، أو من كان منهم في الخارج يعاني الذلّ والمهانة، و قسوة الظروف الإنسانية التي يواجهونها في بقاع المعمورة. حيث الأماكن والبلدان التي شرّدوا إليها. ماذا بعد هذه الحرب الظالمة التي ورّط فيها النظام البعثي، القمعي، الدكتاتوري والهزلي، البلاد والعباد. ودمّرَّ عبرها البشر، والشَجَر، والحَجَر .؟! يتساءل السوريون فيما بينهم، ويسأل أحدهما الآخر، ولا جواب يشفي العليل، أو يقدّم تفسيراً واضحاً لما سيكون عليه الأمر في بلاد الحضارة العريقة التي تدعى سوريا. الشعب السوري واحد، نعم هذه حقيقة، والأرض السورية واحدة، هذه أيضاً حقيقة. ولكن ماذا تكون النتائج عندما يحوّل النظام، يعيش خلف عتبات التاريخ، هذه البلاد إلى ساحة صراعاتٍ إقليمية ودولية، ليخدم مصلحة بقائه ومصلحة حلفائه أصحاب المشاريع السياسية الواسعة في المنطقة ؟! وخاصة إيران بمشروع المدّ الشيعي الكبير والهيمنة الإسلامية على المنطقة . أين تكون سوريا، والعراق ولبنان والمشروع العروبي برمتّه، من كل هذا؟! وكيف ستكون الخواتم .. إنه السؤال الكبير لكل مواطن سوري نظيف حلم يوماً بوطن ٍ صغير في المساحة، كبير بالتاريخ والحضارة ..!!!

ورَّط النظام السوري المجنون وأتباعه وحلفائه البلاد في حربٍ كبرى ستدفع أجيال كثيرة في المستقبل أثمانها وستكون استحقاقاتها عظيمة ولا تُحتَمل على مستقبل البلاد. بدأت تباشير هذه الارتكاسات تظهر منذ بادية الحراك ألمطلبي المحق والذي شَيطًنَهُ النظام البعثي الجائر وحوّله إلى حربٍ على الإرهاب لا هوادة فيها ووظّفَّ كلّ طاقاته وإمكانياته، وطاقات حلفائه وإمكانياتهم في هذا الهدف الشيطاني الكبير. ولم يكتف ِ بذلك، بل سعى أكثر إلى استدراج عطف الأمم والدول، والهيئات والمحافل الدّولية لتقف بجانبه للقضاء على هذا الإرهاب المزعوم. حتى أن اللعبة انطلت على الكثير من الدول والحكومات وأصبحت ترى في رأس النظام البعثي القائم بديلاً أجدى وأفضل من أصحاب النظريات المتطرفة التي أطلق النظام لها العنان في هذا الحراك السلمي منذ البداية. عندما أطلق الآلاف من المتطرفين والوهابيين من سجونه، واستدرج تنظيم داعش من العراق إلى سوريا ليكون عوناً له ويسجّل من خلاله هدفّين استراتيجيين هامين بأي حرب تحصل. فمن جهة هو سيظهر للعالم أجمع أن المعركة معركة مع تنظيمات إرهابية مثل داعش وغيرها، ومن جهة ٍ أخرى يحارب الحراك السلمي الديمقراطي المدني بهذه التنظيمات وأدواتها وأسلحتها المنكورة من فئة كبيرة من الشعب السوري . وينجح النظام بجانب كبير في تحقيق أهدافه ليشكّل ضربة قاصمة لكل حركات الربيع العربي، وللربيع السوري تحديداً. وكلّ ذلك خدمة لبقاء كرسيّه في النظام، وبقاء زبانية النظام وأزلامه في مواقعهم، يرتعوا ويمرحوا بالبلاد وخيراتها و شعبها كمزرعة ورثوها عن آبائهم وأجدادهم ..!!

كثيرة هي الارتكاسات التي أصابت المجتمع السوري. عميقة جداً وخطيرة على مستقبل البلاد وعلى شعبها ونظامها، وهويتها الاجتماعية والثقافية. تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أكثر من مليونين ونصف المليون من الأطفال السوريين المسرّبين من المدارس. أي لم يلتحقوا بأي نظام تعليمي، فلنتخيل بعد عشرين عاماً سيكون في سوريا ما يقارب الثلاثة ملايين أميّ، لا يتقن القراءة ولا الكتابة، في عصرٍ باتت الشهادة الجامعية فيه توازي شهادة محو الأميّة لأنه عصر الكمبيوتر والتقنيات، وعصر المعلوماتية والاتصالات. فماذا سيكون مصير هؤلاء سوى التشرّد في الشوارع وتحصيل عيشهم بطرق مشروعة وغير مشروعة، ليشكلّوا بّذلك ظواهر اجتماعية خطيرة لا تنفع معها أية حلول ..؟!! ماذا عن عشرات الآلاف من الأمّهات الثكالى، وكذا مثلهم الأرامل و نساء المفقودين، والمهجرّين في أوروبا وتركيا والأردن ولبنان وغيرها من بلدان. ماذا عن خسارة العقول ونزوحها، واستنزاف الخبرات وهجرة الكفاءات من خيرة العقول السورية، أو فنائها في حربٍ ظالمة لن يتوانى النظام فيها عن الدفع بأية جحافل بشرية أو عسكرية خدمة ً لكذبة ٍ كبيرة يعتقد فيها، أو من خلالها أنه سينتصر أو يفرض شروطه. وأي شروطٍ، وعلى من ؟! على شعبه الذي يحكمه منذ أكثر من خمسين عاماً، أذاقه خلالها الأمرّين والويلات الكبرى خلال سنوات حكمه، ولمّا يَزَل يذيقه ..!!! أليس من المفارقة التاريخية الكبرى، أن يكون البلدان اللذان حكمهما حزب البعث في العراق وسوريا وطرح فيهما شعار الوحدة العربية، أليس من المفارقة أن يعجز هذان البلدان عن تحقيق أية وحدة، لا بل بالعكس من ذلك، جاءت النتائج بعد نصف قرن من الحكم، بأن تقسّمت العراق، وسوريا مهددة بالتقسيم، لا بل إن النظام في حال عجزه وحشره في معكرة كبرى، سيختار له دويلة صغيرة في الساحل، ويعمل على تقسيم باقي مناطق سوريا إلى دويلات. ماذا لو تقسّمّت سوريا؟؟!!! أي رهانٍ هذا وأي مستقبل ٍ سيكون، وأي احترابات ٍ ونزاعات ٍ وتناقضات هائلة سينتج عن ذلك. انعكاسات لن يستطيع أحد تحمّلها. ولكن النظام لا يعنيه ذلك، إن استمرار حكمه وبقاء سيطرته على البلاد هي الهدف الأسمى والأعظم بالنسبة له وآخر ما يعنيه مسألة الوطن، والانتماء الوطني ..!! المجتمع السوري برّمته ينحُ اليوم باتجاه مجاعة عامة جائحة، فسياسة إفقار الشعب بدأت تأتي أُكلُها، حيث يزداد الفقير فقراً، والغنيّ يفقد ممتلكاته، وتذوب فيه الطبقات لتصبح كل شرائح المجتمع السوري تعاني الفاقة والجوع والعوَّز المادي. التعليم ينحدر إلى أدنى المستويات، واليوم لم يعد الكثير من بلدان العالم يعترف بالشهادة السورية ولا بمستويات الطالب السوري الذي يتفوّق عالمياً على الكثير من نظرائه . انحطاط أخلاقي واسع يصيب الثقافة العامة للبلاد، وتتحوّل مفاهيم الحرب ومصطلحا ته إلى لغة سائدة محكية روتينية يومية. ويزيد الانشقاق بين أبناء الشعب الواحد. وتتكرّس مفاهيم الاختلافات الطائفية والتباينات المناطقية والعداءات الدينية بين أبناء الشعب الواحد أيضاً. بعد أن عاش لقرون ٍطويلة خَلّت شعباً واحداً موّحداً. فسياسة التجهيل الممنهج التي اتبعها نظام البعث للمجتمع بدأت تظهر نتائجها منذ اليوم الأول للثورة السورية. فقد كان المجتمع السوري يعيش سكوناً معرفياً عميقاً، وقد أدخله النظام في سبات سياسي طويل. أدلجه فيها على الصوت الواحد والقائد الواحد والحزب الواحد واللون الواحد. ما تُرجِمَ لاحقاً مع بداية الحراك الديمقراطي بجزع ٍ وخوف ٍ و رهاب سياسي كبير من قبل فئة كبيرة من الشعب الذي رأى في هذا الحراك شذوذاً مرفوضاً ومستنكراً عمّا تلّقنه، وترّبى عليه، وتعلّمه خلال خمسين عاماً. وكانت ضربة النظام الشيطانية القاتلة، حين استطاع بمكر ودهاء شديدين توظيف هذا الجهل وانعدام الوعي السياسي والمعرفي عند الناس إلى نظرية مختلفة كليّاً عن أهداف الثورة وتطلّعاتها الديمقراطية المشروعة، واستطاع أن يحرف المسار ويحيّد شريحة كبيرة جداً من السوريين عنه. ليس هذا فحسب بل زرع الخوف والهّلّعَ في نفوسهم ومستقبلهم وأرواحهم من هذا الزلزال المزعوم القادم إليهم. والذي سيدّمر مستقبلهم وحياتهم وبلدهم، بحسب زعمه وادعائه..!! الارتكاسات البنيوية في سوريا عميقة جداً، وستحتاج عملاً جماهيريا وسياسياً كبيراً لمعالجتها، وتصويبها ومعالجة الدمار الذي ألّمَّ بالبلاد والعباد. الدمار النفسي والمعنوي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي. هل ستكون النخب السياسة والمثقفة قادرة على معالجة كل هذه الأزمات البنيوية العميقة، إنه سؤال برسم ِ التاريخ، والوطنيين الشرفاء من أبناء سوريا العظيمة ..!!!

طــــــــــائــر الفينيق 26/6/2016

  • Social Links:

Leave a Reply