صعبةٌ هي مهمتي في هذا المقال عن جورج البطل، الذي ودعناه قبل أيام. وللصعوبة مصدران مترابطان، يعود الأول إلى أن جورج هو رفيق عمر ودرب وقضية على امتداد خمسة وستين عاماً من عمرنا المشترك الذي بلغ السادسة والثمانين. أما المصدر الثاني فيعود إلى أن لجورج شخصية تستحق الاهتمام لندرة ما اجتمع فيها من سمات. لكن هذه الصعوبة بمصدريها لم تثنني عما أنا مقتنع بضرورة البوح به حول ما أعرفه عن جورج على امتداد هذه الأعوام الخمسة والستين .
تقودني هذه المعرفة بجورج من دون افتعال إلى إعطائه ثلاث صفات: الإنسان الحقيقي، المفكر الحر، وأمير الصراحة. ولهذه المعرفة بداية مثل كل معرفة. كان ذلك في العام 1951. فقد جمعتنا المصادفات في المأتم الحاشد الذي أقامه الحزب الشيوعي للمناضل فرج الله حنين الذي كان خرج من السجن إلى القبر بعدما كان شارك في إحدى التظاهرات العاصفة التي نظمها الحزب الشيوعي من أجل تأسيس الجامعة الوطنية. في هذه البداية من الحديث عن جورج البطل، أنه ينتمي إلى عائلة بورجوازية .
فوالده سليم البطل كان أحد كبار أصحاب معامل الدباغة في بلدة مشغرة، مسقطه. الإشارة إلى عائلة جورج هي للقول بأنه كان قد بدأ منذ شبابه المبكر يقرأ في الكتب الماركسية التي حوّلته بالتدريج إلى إنسان شيوعي بالكامل. غبت عن لبنان في مهمات حزبية أممية بين 1953 و1957. وحين عدت إلى لبنان انتقلت العلاقة مع جورج إلى مستوى أوسع وأعمق .
لم أكن أعرف في البداية أنه كان قد كلّف مهمة سرّية تتمثل في الذهاب إلى دمشق في ظلّ الوحدة السورية – المصرية لإيصال رسائل وصحف إلى قادة الحزب مستفيداً في ذلك من سيارة البويك الكبيرة التي كان يقودها، ومن كونه ابن عائلة بورجوازية معروفة. قادته تلك المهمة إلى التعرف إلى القائد الشيوعي الشهيد فرج الله الحلو. وعندما انفجرت ثورة 1958 التمرين الأول للحرب الأهلية – ضد حكم كميل شمعون الذي كان قد زوّر الانتخابات في العام 1957 من أجل الإتيان بمجلس للنوّاب يعدّل الدستور ويجدد له ولايته، كانت لجورج أدوار مهمة فيها تسجّل له. في مقدمة تلك المهمات نقل السلاح بسيارته من دمشق إلى مراكز المقاومة. وكان شريكاً له في تلك المهمة نديم عبد الصمد .
إلا أنني، وأنا أتحدث عن علاقة جورج بفرج الله الحلو، أجدني مدفوعاً إلى رواية تتصل باعتقال فرج الله الحلو في دمشق في شهر حزيران من العام 1959. يقول جورج إنه أخبر فرج الله بعد عودته من إحدى مهماته في دمشق، أنه شاهد عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي رفيق رضا المسؤول عن أمن فرج الله، في دمشق، يدخل مع مجموعة من الأمنيين المعروفين إلى أحد المطاعم كما لو أنه واحد منهم. رفض فرج الله بشكل قاطع تلك الرواية استناداً إلى ثقته برفيق رضا. وذهب إلى دمشق في شهر حزيران من دون أن يأخذ في الاعتبار ما رواه له جورج البطل عن رفيق رضا. فاعتُقل في مدخل البيت السرّي الذي كان يقيم فيه عندما كان يذهب إلى دمشق. واقتيد إلى التحقيق. خلال التحقيق، فوجئ فرج الله بوجود رفيق رضا يقول له بوقاحة: اعترفْ يا فرج الله. لم تصدّق عيناه، فأرسل بصقة إلى وجه رفيق رضا قائلاً له: أخرجْ أيّها الخائن. ثمّ عُذِّب فرج الله حتى الموت وذُوِّب جسده بالأسيد وألقي في مجارير دمشق. وكان ذلك في زمن الوحدة المصرية – السورية !
تمرّ الأيام، ويدخل جورج البطل مع رفيقه جورج حاوي، بقيادة القائد نقولا شاوي في العام 1964، في معركة انفصال الحزب الشيوعي اللبناني عن الحزب الشيوعي السوري، التي اقتضت منهما تحديداً أن يلتقيا بأكبر عدد من الشيوعيين اللبنانيين لإقناعهم بتلك الضرورة التاريخية . وتمّ لهم ذلك. وبدأت عملية بناء الحزب الشيوعي اللبناني. فدخل كلّ من جورج حاوي وجورج البطل إلى اللجنة المركزية. ودخلت أنا بعد عودتي من فيينا في قيادة مجلس السلم العالمي إلى المكتب السياسي .
في العام 1965 تأسست جبهة الأحزاب والشخصيات الوطنية، من الحزب التقدمي الاشتراكي والحزب الشيوعي وحركة القوميين العرب، وكلّ من النائبين معروف سعد وجميل لحود والسيدة نهاد سعيد. وكان لكلّ من جورج حاوي وجورج البطل وأنا، مهمة تمثيل الحزب الشيوعي في تلك الجبهة بقيادة كمال جنبلاط. لكن ذلك العام قاد كلّاً من جورج البطل وجورج حاوي إلى السجن بوشاية من أحد الرفاق (!)، إذ كانا يعدّان للقيام بعمل شعبي للتضامن مع عمال شركة التبغ. ذهبت على الفور للقاء كمال جنبلاط وإعلامه بما حدث. وكان الجورجان عزيزين جداً على قلبه، ففعل المستحيل للإفراج عنهما .
دخلنا نحن الثلاثة في ذلك العام بالذات، في حوار دعتنا إليه حركة القوميين العرب للبحث في إمكان توحيد القوى الثورية العربية، وهو الشعار الذي ساد في تلك المرحلة. وكنا في الحزب من الذين تبنوا ذلك الشعار. لكن ذلك اللقاء لم يعش طويلاً. في ذلك العام بالذات سافر جورج البطل إلى مدينة براغ ليمثل الحزب الشيوعي في هيئة تحرير مجلة “قضايا السلم والإشتراكية” التي كانت تنطق باسم الأحزاب الشيوعية في العالم .
وأشهد من خلال متابعتي لدور جورج في المجلة ومشاركتي في بعض الندوات التي أقامتها المجلة، أن جورج كان في هيئة تحرير المجلة قارئاً نقدياً للمواقف من دون الوهم بأنه يستطيع أن يغيّر ما كان ممثلو الحزب الشيوعي السوفياتي يقدمونه كقرارات ومواقف قاطعة. وكان يرى أن ماركس لم يكن قاطعاً في أفكاره .
إذ كان يعتبر أن الفكر، كل فكر، هو فكر تاريخي كما أشار إلى ذلك في قول معروف “لا تحوّلوا الأفكار إلى عقائد جامدة”. وظلّ جورج في ذلك الموقف يزداد استنارة وتميّزاً حتى آخر حياته. ثمّ يأتي العام 1966، الذي خرجت فيه إلى النور خلافات داخلية في قيادة الحزب بين تيار مجدد كان يقوده نقولا شاوي ومعه الجيل الثاني في قيادة الحزب، وبين من اعتبروا في ذلك التاريخ “الحرس القديم”. لم يلبث هذا الخلاف أن تحوّل إلى معركة كنت أول من عوقب بسبب أفكاري ومواقفي فيها بإرسالي إلى المدرسة الأممية في موسكو لإعادة تأهيلي .
كنا، جورج حاوي وأنا، قد أصبحنا عضوين في المكتب السياسي وفي سكرتاريا اللجنة المركزية. في غيابي اندلعت المعركة وكان جورج حاوي بطلها الأول ومعه حشد من الرفاق في المكتب السياسي واللجنة المركزية من جيل الشباب. وكنا، جورج البطل في براغ وأنا في موسكو، نتابع المعركة التي انتهت في صيف 1967، بعدما كان جورج حاوي عوقب باتهام سوسلوف وبونيماريوف له بأنه عميل للمخابرات الأميركية. فغادر إلى الخارج رغبة منه في إبقاء المعركة بطابعها التجديدي الأساس. انتصر جيل الشباب في معركته ضد التدخل السوفياتي الفظ. وعقد اجتماع للجنة المركزية تقرر فيه عقد المؤتمر الثاني للحزب في صيف العام 1968. لم يستطع جورج البطل في هذا السياق أن يبقى بعيداً عن المعركة، فغادر براغ إلى بيروت وكان من أكثر الرفاق نشاطاً في تلك المعركة التاريخية .
انعقد المؤتمر الثاني وكان لجورج البطل دور مهم إلى جانب رفاق آخرين بقيادة غسان الرفاعي الذي كان رئيس اللجنة المكلّفة إعداد وثائق المؤتمر. تشير حوادث كثيرة بعد انعقاد المؤتمر الثاني إلى المرحلة الجديدة المهمة التي دخل فيها الحزب.
وكان لجورج البطل على الدوام من موقعه في براغ خلال خمسة عشر عاماً، وخلال زياراته لبنان، دور مهم في صياغة مواقف الحزب. لكن الأهم في نظري ما قام به جورج، باسم الحزب وباسم مجلة “قضايا السلم والاشتراكية” وباسم أفكاره، من نشاطات بالغة الأهمية في بلدان العالم في المؤتمرات والندوات والمحاضرات. عندما دخلنا في الحرب الأهلية في العام 1975 كان جورج لا يزال في موقعه في مجلة “قضايا السلم والاشتراكية”. لكنه كان يأتي إلى بيروت بين وقت وآخر. وكانت لنا نقاشات مع أعضاء قيادة الحزب كنت شريكاً له في الكثير من آرائه. واستناداً إلى هذا الواقع كلّفنا الأمين للحزب جورج حاوي، جورج البطل وأنا، في العام 1988 إعداد وثيقة فكرية وسياسية احتفالاً بمرور عشرين عاماً على انعقاد المؤتمر الثاني للحزب. وضعنا جورج وأنا خلال شهر بعد نقاشات عميقة بيننا وثيقة من قسمين، الأول يحكي في صيغة قراءة نقدية قصة الأعوام العشرين التي كانت مضت بعد انعقاد المؤتمر الثاني. أما القسم الثاني فاخترنا أن نعطيه طابع موضوعات تتناول كلّ القضايا اللبنانية والعربية والعالمية والقضايا المتصلة بالحزب فكراً وسياسة وتنظيماً. قدمنا الوثيقة إلى قيادة الحزب فرُفضت. فوضعناها في الدرج. وكنا قد توقفنا في الوثيقة عند قراءة نقدية للحرب الأهلية ولدخول الحزب فيها. وتوقفنا في الآن ذاته نقدياً عند المقاومة الفلسطينية التي كانت قبل الحرب الأهلية قد أقامت دولتها في لبنان داخل الدولة ودخلت بالشراكة مع الحركة الوطنية اللبنانية في الحرب الأهلية. ولم نترك قضية إلا قدمنا فيها قراءتنا النقدية للمواقف الخاصة بها. وتوقفنا مليّاً في آخر موضوعة عند رأينا في صيغة الحزب الشيوعي فكراً وسياسة وتنظيماً. وقدمنا رؤيتنا للحزب في صيغته الجديدة كما تصورناها. رُفضت الوثيقة وخضعنا لذلك الرفض. وتابعنا جورج وأنا، كلّ منا على طريقته، البحث في كيفية تجديد أفكارنا انطلاقاً مما كان يبدو لكلينا في مشروع غورباتشيوف باسم البرسترويكا أنه يحمل وجهين متناقضين، وجه الرغبة في تجديد الاشتراكية وإعادة بنائها على أسس مختلفة عن السابق، والوجه الآخر النقيض الذي كانت تشير إليه الوقائع من أن غورباتشيوف كان باسم البرسترويكا ما كان قائماً في الاتحاد السوفياتي، داخل الحزب وداخل الدولة، من دون أن يضع أسساً متينة لما يكان يعتبره إعادة بناء. ولم يلبث أن انهار الاتحاد السوفياتي. وانهارت معه التجربة الاشتراكية برمّتها .
وكنا نعد في الحزب لعقد المؤتمر السادس في ربيع العام 1992. وجرت نقاشات واسعة في الحزب حول الوثيقة التحضيرية. وكان لا بد من وضع وثيقة نهائية تقدّم للمؤتمر. فكلّفنا الأمين العام للحزب جورج حاوي، جورج البطل وأنا، وضع مشروع صيغة لتلك الوثيقة. فوضعنا ذلك المشروع خلال ثلاثة أيام وسلّمناه إلى جورج حاوي. وأقرّت الوثيقة في المؤتمر مع تعديلات طفيفة. وكنا قد حرصنا في صياغتها على تقديم صورة جديدة مختلفة للحزب في الفكر والسياسة والتنظيم، تتلاءم مع المرحلة الجديدة في شقيها الداخلي المتصل بنهاية الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف، وعالمياً المتصل بسقوط التجربة الاشتراكية. كان بدأ يجري في ذلك التاريخ، الحديث عن تغيير اسم الحزب. وكانت الفكرة أن نعود إلى حزب الشعب الذي كان هو اسم الحزب في البدايات. لكن المؤتمر أقرّ الوثيقة ورفض تغيير اسم الحزب. أذكر أن جورج البطل نشر مقالاً في مجلة “الطريق” في العام 1994 أعلن فيه بوضوح انتهاء صيغة الحزب الشيوعي التي سادت على امتداد القرن العشرين وأن على الجيل الجديد من الاشتراكيين أن يبحث عن صيغة جديدة للحزب في الشروط الجديدة البالغة التعقيد .
بدأ جورج منذ ذلك التاريخ، وكنت شريكاً له، في الخروج التدريجي من العمل الحزبي في صيغه المختلفة. وهو ما تمّ في المؤتمر الثامن للحزب الذي عقد في مطلع العام 1999. لكن الحزب كان دخل في أزمته المزمنة. فكتبنا، جورج وأنا، بياناً موجهاً إلى الشيوعيين نشرناه في جريدة “النهار” في العام 2000، دعيناهم فيه إلى العمل بكلّ طاقاتهم من أجل إنقاذ الحزب مما كان سائداً فيه وإخراجه من أزمته ووضعه بالتدريج في المكان الذي يعود له في عملية التغيير الديموقراطي في البلاد. كانت تلك آخر مساهمة لنا في العمل باسم الحزب من خارج المواقع فيه .
إلا أنني لا أستطيع أن أنهي هذه التداعيات في الحديث عن جورج البطل من دون أن أتوقف عند محطات أخرى سابقة، أذكر منها أن جورج مثّل الحزب في العام 1968 في اللجنة التحضيرية للمؤتمر العالمي للأحزاب الشيوعية الذي عقد في صيف العام 1969. وكان متألقاً. في ذلك التاريخ بالذات كان قد حدث ربيع براغ. وكان لجورج موقف صريح وواضح بالاعتراض على التدخل السوفياتي الذي أطاح الرئيس دوبتشيك. لكن الحزب، رغم أنه كان في مؤتمره الثاني على خلاف مع الاتحاد السوفياتي، تأخر في إعلان موقفه المعترض على التدخل السوفياتي ضد ربيع براغ وضد الشيوعية الأوروبية. أذكر في الآن ذاته أننا كنا في العام 1970 في طريقنا إلى اللقاء مع رئيس الجمهورية السورية نور الدين الأتاسي في دمشق. على الحدود أوقف جورج البطل، ثم أطلق بعد جهد جهيدـ وذهبنا إلى الموعد مع الرئيس. فأخبرناه بما حصل وسألناه عما إذا كان من الممكن إزالة هذه الإضبارات. فأجابنا ضاحكاً : وهل تعتقدون أن بإمكاني أن أزيل إضبارتي، أنا التي ربما تقودني ذات يوم إلى السجن، والله أعلم؟ لم تمض بضعة أشهر حتى كان الرئيس الأتاسي قد دخل إلى السجن بعد الانقلاب الذي قاده حافظ الأسد. وخرج منه بعد عشرين عاماً إلى القبر .
غادر جورج البطل الحياة وهو في قلب المعاناة، إذ كثرت المشاكل الصحية التي واجهته. لكنه ظلّ صامداً وقوياً في مواجهة تلك الآلام التي تهز الجبال. وظلّ محتفظاً بذاكرة نادرة المثال جعلته معترضاً على كتب التاريخ وعلى المؤرخين، ولا سيما ما يتعلق بتاريخ لبنان، قديمه وحديثه. ولم يكن في مقدور أحد منا أن يجادله في أيّ من المواضيع التي تعود إلى التاريخ. وكانت ترافقه صراحة حقيقية نادرة المثال في الإعراب عن مواقفه والتعليق على مواقف الآخرين. فأطلقنا عليه صفة أمير الصراحة. أما في ما يتعلّق بفكره النيّر فقد ظلّ يقوى على الزمان وصولاً إلى بدايات تعارض مع الكثير من أفكار ماركس. لكنه آثر ألّا يتدخل في عمل الحزب رغم أنه كان شديد النقد للكثير من سياساته .
حرصت في هذا المقال عن جورج البطل، وأنا وأودعه وأودع الأعوام الخمسة والستين من عمرنا المشترك باسم الاشتراكية، على أن أظلّ معه في ذكريات ذلك الزمن الطويل الجميل. وهو سيظلّ يرافقني في الذاكرة على امتداد الأعوام المتبقية لي من العمر.


Social Links: