لمحات من تاريخ الاستبداد في سوريا (2/2)

لمحات من تاريخ الاستبداد في سوريا (2/2)

 

unnamedتجمع لحركة التحرير العربي عام 1953 ..

انحدرت شعبية الحزب القومي السوري وواجه الملاحقة حتى عام 1960 حين بدأ لبنان بإطلاق سراح قادة الحزب من السجون، ثم باشر الحزب بإعادة بناء صفوفه خلال السبعينيات والثمانينات من القرن الماضي، واثناء الحرب الأهلية اللبنانية قام الحزب بمد جسور الصداقة مع حافظ الأسد واستفاد من تلك العلاقة لاحقاً، فالحزب عاد للظهور عسكريا مع الحرب الدائرة في سوريا حيث تنشط ميليشياته في القتال دفاعا عن نظام الأسد الى جانب الميليشيات الايرانية وحزب الله والميليشيات العراقية .

اما حزب البعث فقد حافظ على ازدرائه للشيشكلي معتبراً إياه عميلاً اجنبياً ، ولا يوجد اية إشارة الى الشيشكلي في  نشرات (ح ق س) لأن ذلك كان سيثير عداء الدروز السوريين والبعثيين مما سيؤثر على تحالفهم في الدفاع عن النظام السوري .

 

unnamed عصام المحايري رئيس ( ح ق س ) الى اليمين ( بالنظارات ) في جلسة للبرلمان ..

ما زال الجيل القديم من (ح ق س) يتحدث بنوع من الحنين والولع عند التطرق الى الشيشكلي خلال الأحاديث التي تجري في الأماكن الخاصة. وذكر سامي مبيض الذي أنشأ مؤسسة دمشق التاريخية “لقد تنازل (عصام المحايري) عن رئاسة الحزب عام 2015 وكان صديقاً مقرباً من الشيشكلي. وفي مقابلة من أربعة أجزاء مع قناة (الدنيا (الشبه رسمية عام 2010، تحدث المحايري بإيجابية عن الشيشكلي، وتم بث كلماته على التلفزيون الرسمي دون مراقبة”.

وتفتخر قيادة (ح ق س) بحقيقة ان الشيشكلي وشقيقه صلاح كانا من أوائل المنتمين الى (ح ق س) مع أكرم الحوراني الذي أصبح في فترة لاحقة أحد الأعضاء البارزين في حزب البعث. ورغم ان الشيشكلي لم يلعب دوراً ايديولوجياً في (ح ق س) واقتصر تأثيره على الحماس العاطفي، ولكن الاحتفاء به كشخصية هامة ومتميزة في الحزب بقي مستمراً، ومع ازدياد نفوذ الحزب في ظل بشار الأسد فقد يعاد تأهيل الشيشكلي في الذاكرة العامة للدولة.

كما ويراهن الحزب على فوز الأسد الذي سيتيح له حينها دورا مركزياً في مستقبل سوريا، لذلك يشارك بميليشياته الى جانب الميليشيات العراقية وحزب الله وشبيحة النظام للحفاظ، وبأي ثمن، على سلطة الأسد. ومع توافد الأضرار القادمة من الدول المحيطة يمكن القول ان مفهوم البعث عن العروبة والقومية العربية الواحدة أصبح اليوم في (خبر كان).

سقوط الشيشكلي عام 1954 والارث الذي تركه في سوريا ..

بدأ الشيشكلي بتقليص دور الجيش في الحياة السياسية السورية كمحاولة منه لإعطاء الشرعية لحكمه، ونتيجة لذلك لجأ العديد من الضباط ممن شعروا بالإحباط والحرمان الى موقع خصوم الشيشكلي السياسيين.  وبمساعدة العراق تمكنت فصائل عسكرية من ان تجمع نفسها في جبهة واحدة نجحت بالإطاحة به، وبعد استيلاء البعث على السلطة تم بذل كل الجهود لانتزاع وجود الشيشكلي من الذاكرة الجماعية السورية، وكذلك لاقتلاع اسمه من التاريخ السوري، مع انه يبقى في الردهات الخاصة وفي بعض الأوساط شخصية سورية مرموقة.

وذكر سامي المبيض ايضاً ” لم يرد ذكر الشيشكلي في الكتب المدرسية ضمن كافة المستويات الدراسية، كما لا يرد ذكره على شاشة التلفزيون باستثناء مرة واحدة من خلال المسلسل التلفزيوني “حمام القيشاني” الذي انتج في التسعينيات وقام حينها الممثل “أسامة الروماني” بأداء دور الشيشكلي، كما لم ينشر سوى كتاب واحد عن الشيشكلي في سوريا منذ استقالته عام 1954 وتناوله تناولاً عادياً جداً.”  ولا يوجد في دمشق أي نصب او لوحة تذكارية تحمل اسمه، حتى ان التاريخ الرسمي للقصر الرئاسي والذي أشاده الشيشكلي على رأس شارع ( أبو رمانة ) تحول اليوم الى مكتب نائبة رئيس الجمهورية ( نجاح العطار ) يبقى تاريخه حتى الان مبهماً ، وهو نفس القصر الذي أعلن ( جمال عبد الناصر ) من شرفته عن الوحدة المشؤومة بين مصر وسوريا .

لم يعود الشيشكلي الى منصب الرئاسة في سوريا منذ ان تركه عام 1954. ومع ذلك توجد حالتان خطط فيهما الشيشكلي للعودة الى السلطة، الأولى كانت كما تم الكشف عن ذلك، بعد مغادرته مباشرة حين أراد ان يحول اتجاه الطائرة نحو بيروت تلبية لرغبة مؤيديه والحاحهم عليه بالعودة. وقد عرقلت هذه الجهود وزارة الخارجية الأمريكية و جرى حرمانه من الهبوط في مطار بيروت الدولي .

 

unnamed صورة للشيشكلي في منفاه بالبرازيل قبل أيام من اغتياله ..

أما الحالة الثانية فقد حصلت بعد سنوات قليلة من الأولى وذلك عندما قام الحزب القومي السوري بجولة من الاجتماعات السرية في بيروت مع الشيشكلي، وشقيقه (صلاح) بالإضافة الى مجموعة من مخططي انقلاب يجري تدبيره، غير ان الشيشكلي، الرجل العسكري المحترف، عرف من خبرته ان المخطط لن يلقى تأييد الجيش السوري، فقرر التخلي عن المشاركة.

الانتخابات التي تلت بعد أربع سنوات من دكتاتورية الشيشكلي جلبت معها الوحدة المصرية السورية القصيرة الأمد، وجلبت مع ختامها ايضا الخلافات والنزاعات التي فاقمها تشرذم الجيش وتحوله الى فصائل متشاحنة بعد غياب الشيشكلي. ثم برزت مجموعات من الضباط شكلوا لأنفسهم شبكاتهم السرية تحت رعاية القيادات السياسية. ودفعت المصالح المشتركة الى قيام تحلف بين حزب البعث بقيادة (عفلق) والحزب الشيوعي السوري لإقامة مرحلة جديدة من حكم استبدادي أوصل البلاد الى الانقلاب الذي قاده البعثيون الجدد في عام 1966 وكان المقدمة لوصول سلالة الأسد الحالية الى السلطة.

عند تقييم تلك المرحلة من تاريخ سوريا المقترنة بحكم الشيشكلي، من المهم ان يتذكر المرء، لا سيما مع تصاعد اخبار الثورة، انه كان بإمكان الشيشكلي اللجوء الى القوة (فهو كان يتمتع بولاء عدد من الفصائل العسكرية بما فيها كتائب مدرعة) ولكنه آثر التنازل عنها لصالح الانتقال الى المنفى الذاتي وتجنب حرب اهلية. ومن المحتمل انه أدرك ان سوريا بأساسها السياسي الهش والخصومات الإقليمية المحيطة ستكون خطراً يهدد البلاد لأمد بعيد. وهذا الخوف الذي حاول ان يتجنبه الشيشكلي هو الذي يهيمن اليوم بكل طاقته على الأرض السورية .

وبالنسبة للسوريين اليوم الذين مازالوا يتذكرونه فقد كان الشيشكلي قائدا سبب الكثير من الانشقاقات والخلافات، وينظر اليه البعض على انه داعية للتغيير او هو دكتاتور يجب ازدراؤه. لقد تم اغتيال الشيشكلي في بلدة (سيرس) في البرازيل على يد شاب درزي هو (نواف غزالة) عام 1964 انتقاما لجرائم الشيشكلي ضد الدروز في حملته العسكرية على جبل العرب .

يبقى السوريون محصنون ضد احتمال التدخل الأجنبي، وبالنسبة للأسد فان المحافظة على استقلال سوريا من النفوذ الأجنبي يبقى العامل الأساسي لمقاومة الاندفاع نحو المفاوضات في (جنيف) وفكرة الانتقال السياسي كما تدل تصريحاته التي أطلقها خارج جامع في (داريا)، ثم ان زيادة اعتماده على (روسيا) و (ايران) ينظر اليه من قبل أنصاره على انه تعبير عن صداقة حقيقية وليس واضحاً بعد كيف ستكون وطأة تأثيرهما على الوضع السوري فيما تبقى من مجرى الحرب الدائرة .

استطاع الشيشكلي ان يرضي مصر والسعودية وسمح لفرنسا بالاحتفاظ بنفوذ رمزي داخل البلاد، ومثلما منح الأسد لروسيا وايران تأثيراً في البلاد والمنطقة، كذلك الأمر بالنسبة للشيشكلي الذي عرف كيف يستغل اللاعبين في المنطقة للإبقاء على سوريا على الحياد اثناء الحرب الباردة لحماية استقلال البلاد، وكانت العراق الأداة الرئيسية لتأجيج الاستياء الداخلي وتنظيم القوى التي وحدت صفوفها ضده .

  • Social Links:

Leave a Reply