سامر كعكرلي
في السنوات العجاف يتحول كل شيء جميل ربما لكارثة،وليس أعجف من هذه السنوات التي تعيشها سوريا بسبب جنون حرب فرضت على شعبها المسالم المُحب للحياة، فحمرة ورود الشام أصبحت تمثل أنهار الدم الغزير التي تسال في سوريا، وبياض ياسمين الشام أصبح رمزاً لقطع الشاش الذي يضمد فيه جراح أبنائها .
ومن الأشياء الجميلة التي أصبحت عاراً في هذه السنوات اليسار كفكر سياسي ناضل على مدار سنوات لتحقيق العدالة الاجتماعية وحقوق الفقراء والعمال وصغار الكَّسبة .
فما هي اليسارية وهل هي حقاً فكر يناصر الطغاة ؟
ظهر مصطلح اليسارية كفكر سياسي يدعو للتغير نحو الأفضل أبان الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر وذلك عندما أيد عموم من كان يجلس على اليسار من النواب التغيير المتمثل بالتحول من الملكية إلى الجمهورية و فصل الكنيسة عن الشؤون السياسية والذي تحقق عن طريق الثورة الفرنسية .
أي أن الفكر اليساري قد ظهر قبل ظهور الفكر الشيوعي الذي حمل الفكر اليساري ولكن بصورة متطرفة وذلك عندما نادى هذا الفكر بمصادرة وسائل الإنتاج وجعلهم ملكية عامة، وبالطبع قبل أن يأتي “لينين” وينادي هو الآخر بدكتاتورية البروليتاريا لتكون سيفاً مسلطاً على رقاب الشعب الروسي وشعوب الاتحاد السوفيتي ولتتحول هذه الديكتاتورية لدكتاتورية اللجنة المركزية والمكتب السياسي للحزب الشيوعي وبطبيعة الحال لدكتاتورية الأجهزة الإستخباراتية التي كان ولائها لهم وليس للوطن الأم .
وصحيح أن أفكار الحرية والمواطنة هي إبداع غربي ليبرالي ولكن بكل تأكيد تبناها اليسار لتصبح هذه الشعارات أهدافاً ثابتة أو أهداف بديهية لا نقاش بها لأن الإنسان قد فُطر على الحرية وأن تلك الشعارات هي بالأصل من حقوق الإنسان التي لا يجب النقاش بها، ولذلك فإنه لا يمكن أن تجد حزباً سياسياً في الدول أوربا الغربية من شعاراته الحرية لأنها مفهوم قد تجاوزته تلك الدول وأصبحت أمراً مفروغاً منه سواء عند اليساريين أو الليبراليين وكذلك هو الأمر بالنسبة لمفهوم الديمقراطية ودولة المواطنة ودولة القانون .
ولكن ما الذي يميز الفكر الليبرالي عن الفكر اليساري في دولة المواطنة ؟
إن ما يميز الفكر اليساري عن الفكر الليبرالي أن الأول قد انحاز لطبقات الشعب الفقيرة والمتوسطة على عكس الفكر الليبرالي الذي هدفه الدفاع الدائم عن أصحاب الشركات والامتيازات وهو أي الفكر الليبرالي المعبر الوحيد لمصالح الطبقات الثرية في المجتمعات الأوربية .
وبانحياز الفكر اليساري لطبقات الشعب الفقيرة والمتوسطة فإنه بذلك يكون المعبر الوحيد عن تطلعات تلك الطبقات في العيش الكريم، وهنا يبرز دور ما يسمى العدالة الاجتماعية التي تشكل العمود الفقري للفكر اليساري .
وتعرف العدالة الاجتماعية لدى الفكر اليساري بأنها نظام اقتصادي يهدف إلى إزالة الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين طبقات المجتمع وبذلك تكون مكملة لفكرة عدالة القانون التي تيتبناها الفكر الليبرالي، فالعدالة الإجتماعية تعمل على إعادة توزيع الثروة الوطنية لأي مجتمع بالتساوي بين طبقات المجتمع ولكن ليس حسب الفكر الشيوعي الذي تطرف في هذا الأمر وأمم كافة ثروات المجتمع لصالح الدولة .
ومن هذا الفكرة بالتحديد فكرة توزيع الثروات بشكل متساوي بدأ الصدام بين التيارين اليساري والليبرالي فما الأخبار التي تتوارد عن تنظيم الإضرابات لتحسين شروط العمل وأخبار محاربة الشركات الكبيرة التي تستخدم نفوذها عند السياسيين لفرض رؤيتها ما تلك الأخبار سوى جهود لليساريين الذين يعملون على مجابهة احتكار الكارتيلات التجارية العابرة لحدود .
وبذلك يكون الفكر اليساري قد خطى خطوة مهمة في ترسيخ العدل بين طبقات الشعب دون المساس بحقوق أي طبقة من طبقات المجتمع. وقد طور الفكر اليساري مفهوم العدالة الاجتماعية لتتضمن زيادة الرعاية الصحية ومسألة الضمان الإجتماعي وزيادة الإنفاق على التعليم وحق العمل ومبدأ تكافؤ الفرص، وبذلك يكون الفكر اليساري متطابقاً بشكل كبير مع الدين الإسلامي على عكس ما تم الترويج له من أعداء الفكر اليساري بأنه فكر ملحد أو فكر مشرك، فمن الذي يستطيع أن ينكر بأن الفكر اليساري في الإسلام الذي فرض العدل بين طبقات المجتمع، ومنع اكتناز الذهب والفضة في محاربة واضحة للثراء الفاحش، ومن ينكر يسارية عمر بن الخطاب الذي وزع الثروة بشكل عادل بين طبقات المجتمع وحرض شديد الحرص على الفقير قبل الغني .
ولكن كما سطا حزب البعث على الفكر القومي وحوله لفكر قميء تسلطي سطا الشيوعيون العرب عامة والسوريون خاصة على الفكر اليساري السوفيتي المنحرف وحولوه لديكتاتورية عائلية تحت مسمى دكتاتورية البروليتاريا، وأصبح الفكر اليساري مسبة عند الشعوب العربية التي عانت من الاستبداد والظلم منذ استقلالها عن المستعمر في أواسط القرن العشرين .
وتكرس هذا المفهوم عن اليسار كفكر سياسي سيئ الصيت عند اندلاع ثورات الربيع العربي حيث وقف أشباه اليساريين مع الطغاة في وجه الشعوب التي تتوق للحرية والكرامة وذلك للاحتفاظ بمكاسبهم التي حققها هؤلاء بتحالفهم مع الطغاة. ضاربين بعرض الحائط ما كانوا يرددون من شعارات براقة لا تهدف سوى لذر الرماد في العيون وفي عيون قواعدها فقط مثل شعار “وطن حر وشعب سعيد”، فعندما هب الشباب العربي لنيل حريتهم رأيت هؤلاء أشباه اليساريين انتفضوا من سباتهم الذي أغرقهم فيه الطغاة ليقفوا ضد مطلب هم كانوا يرفعوه لا لشيء سوى لأن الأنظمة الاستبدادية قد حولتهم لقطط مترهلة .
ولكن اليسار الحقيقي هو من يقف مع الحرية والكرامة ويدافع عن الشعب الذي ثار من أجل حريته وكرامته .
ولم يخل الشارع السوري من اليساريين الذين أثروا أن يقفوا مع ثورة شعبهم لتحقيق الحرية، ولكن وكما استبداد النظام كان عائقاً أمام اليسار الحقيقي ظهر أيضاً نوع جديد من الاستبداد استبداد يلبس لباس الدين وهو أبعد ما يكون عن ذلك ،حاول هذا الاستبداد الجديد – وما زال – أن يكمل ما بدأه الطغاة في تشويه صورة اليسار الحقيقي ويصوره بأنه ضد الثورة وضد إرادة الشعوب لتكتمل المهمة بين استبداد الطغيان واستبدادهم. ولكن مع تقدم سنوات الثورة اكتشف هذا الشعب العظيم زيف ادعاء هذا الاستبداد الجديد وبدأ يلتف حول الفكر اليساري من جديد لعلمه علم اليقين بأن بعد التحرر من الطغاة لن يرضى بأي نوع من الاستبداد الجديد وأن الفكر اليساري هو الضامن لبناء سوريا جديدة تقوم على أساس دولة المواطنة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية .

Social Links: