بقلم : خالد عواد الأحمد
تذكر المصادر التاريخية أن الألعاب الرياضية الرائدة التي سُميت فيما بعد بالأولمبية عُرفت أول مرة عام 772 م في قرية ( إيليس ) من منطقة ( الأولمب ) في بلاد الاغريق ولكن ما لا يعرفه الكثيرون أن هذه الألعاب انتشرت في مدينة صور اللبنانية ومدينة عمريت السورية القريبة من طرطوس قبل الميلاد بخمسة عشر قرناً وأثبت الدكتور ( لبيب بطرس ) في رسالة جامعية حول الألعاب الرياضية في التاريخ أن الكنعانيين الفينيقيين قد أوجدوا في بلادهم أبان القرن الخامس عشر قبل الميلاد الألعاب الدورية الرياضية .
ومما يدل على ذلك اكتشاف بقايا ملعب رياضي يُعتقد أنه كان يتسع لأحد عشر ألف متفرج ويعود بناء هذا الملعب إلى القرن الرابع قبل الميلاد وقد استخدمه السومريون القدامى لمواسمهم الرياضية وأعيادهم وهذا الملعب هو جزء من مملكة عمريت الفينيقية الكنعانية التي تأسست في العصر البرونزي الوسيط وأواخر الألف الثالث قبل الميلاد وأقام الاسكندر الكبير المقدوني بعض الوقت في هذه المدينة التي كانت تُعرف باسم ( مارا توس ) ( عين الحية ) عند غزوه لبلاد الشام عام 333 ق . م وفيها استقبله ( استراتون ) ابن ( جروستراتوس ) ملك أرواد والساحل المقابل له وقدم له تاجاً من ذهب متنازلاً له عن ( أرواد ) و ( مارا توس ) ومملكته كلها وفي (ماراتوس) كلف الاسكندر (بارميثون) الاستيلاء على دمشق التي كانت المدينة الرئيسية في سورية الداخلية وتسلم الاسكندر المقدوني أثناء اقامته في ( ماراتوس ) –عمريت- رسالة من ( دارا ) يعرض عليه فيها التحالف والصداقة ولكن الاسكندر رفض هذا العرض وأذاع اعلاناً سياسياً أورد فيه الأسباب المبررة لقيامه بغزو الامبراطورية الفارسية وبعد ذلك غادر الاسكندر ( ماراتوس ) صوب الجنوب حين بلغه نبأ استسلام بيببلوس (جبيل ) وترحيب سكان صيدا به .
أخـــبـــــار عـــمــــريـــــت ..
عُرفت عمريت في الكتابات اليونانية باسم ( ماراتوس ) كما ذكرنا وقد أسسها أهل أرواد مثلما أسسوا طرطوس فيما بعد و” لعل الهدف من ذلك كان تأمين حاجات الجزيرة من المواد الغذائية ومياه الشرب والأخشاب بيد أن عمريت لم يكن لها أهمية كميناء ولو أنه باستطاعة السفن الصغيرة الرسو عند مصب نهر عمريت في البحر” ( كتاب : آثار سورية القديمة ، تأليف هورست كلينكل ، الناشر وزارة الثقافة والإرشاد القومي / دمشق ط1 / 986 ) ويؤكد ( كلينكل ) في كتابه المذكور أن الكتابات القليلة التي وصلت إلينا من أيام الاسكندر الكبير المقدوني تدل على أن عمريت (ماراتوس ) كانت تابعة لمملكة أرواد بيد أنه لم تصل إلينا كتابات أثرية أقدم عهداً من زمن الاسكندر المقدوني كما أن الكتابات الأثرية التي تعود إلى عهود متأخرة لا تحتوي إلا على معلومات غير مترابطة عن التطور التاريخي لعمريت ولما كانت عمريت في أيام الاسكندر ( مدينة كبيرة يعمها الرخاء ) كما ذكر ( هيرودس ) فلا بد إذاً أن نموها قد بدأ خلال العصور الشرقية القديمة التي سبقت فتوحات الاسكندر للشرق وثمة معلومات متناثرة عن عمريت تتخلل سطور المؤرخين الرومان ولكن هذه المصادر لاتزودنا إلا بأخبار قليلة عن مصير عمريت كما أن أخبار المدينة في المدونات التاريخية تتوقف بعد حكم القيصر الروماني ( ها دريان ) – 117 – 138 م – ازدهرت عمريت خلال العهد السلوقي و أثناء الوجود الفارسي و تعود الأطلال التي يواجهها الزائر في عمريت حالياً إلى الفترتين أنفتي الذكر .
مـــعـــبــــد الــيـنـبــــوع ..
كان ( أرنست رينان ) في عام 1860 أول من أجرى تحريات في عمريت وتبعه (موريس دونان ) في عام 1926 ولكن التحريات التي قامت بها المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية وسعَّت نطاق المعالم المكتشفة وتركزت في مكان المعبد الكنعاني أو ( معبد الينبوع ) الذي يعود تاريخ إنشائه كما يُعتقد إلى أواخر العصور القديمة أي قبل فتح الاسكندر لبلدان المشرق .
والمعبد مكون من حوض منقور في الصخر الطبيعي بطول 48 م وعرض 38 م وعمق ثلاثة أمتار وكان يحيط بهذا الحوض رواق محمول على دعامات ضخمة ما يزال بعض منها قائماً حتى الآن يستقي الحوض بالمياه من ينبوع يتفجر في داخل كهف في الضلع الجنوبي الشرقي للحوض ويظهر أن هذا النبع كان له دور في الطقوس الدينية التي كانت تقام في هذا المعبد ففي وسط الحوض ينتصب هيكل مربع يبلغ ارتفاعه خمسة أمتار ونصف المتر وهو منحوت في قلب الصخر والهيكل مغلق في أضلاعه الثلاثة وضلعه الرابع مفتوح ويتوج أعلاه شرفات مدرجة ويتربع فوق هذا الإطار بنيان علوي مربع الشكل أيضاً ويعلو جبهته شريط من المسننات المدرجة ويتقدم الهيكل في الضلع الشمالي للرواق بنيان منقور في الصخر لكن لم يبق منه الآن إلا الجزء السفلي وهذا البنيان المتقدم ما هو إلا المذبح وقد عثر المنقبان ( موريس دونان ) و (نسيب صليبي ) بجانبه على عدد من الأنصاب والشواهد الحجرية يلتصق برواق الضلع الشمالي جدار يحتوي على المدخل الأساسي للمعبد .
بــــــرج الــبــــزاق ..
كشفت التنقيبات الأثرية التي جرت في التل الواقع إلى الشرق من المعبد عن بقايا دور ومنازل يرجع عدد منها إلى فترة السيطرة الفارسية على عمريت كما عثر المنقبون في أنقاض تلك الدور على أوانٍ فخارية مصنوعة في قبرص خلال القرن السادس قبل الميلاد وهناك أوابد معمارية أخرى سليمة يراها الناظر من بعيد وكأنها معلم على ماضي عمريت التليد ويطلق الأهالي على تلك الأوابد اسم (المغازل) – الأنصاب الجنائزية – وهي مدافن تأسست في القرن الثاني أو القرن الأول قبل الميلاد كانت تضم مدافن لملوك أرواد وعمريت وكبار القوم فيهما .
وهناك برج البزاق أو ( البلزاق ) وهي كلمة تعني ( البيت اللائذ بالجبل ) وهو مدفن فينيقي حجري يرتفع إلى علو ( 11 متراً ) ويُعتبر أكمل وأضخم ما وصلنا من العهد الفينيقي بالاضافة إلى بقايا مدرج الملعب الرياضي الذي يعود إلى الفترة الهيلينية وما وصلنا من لقى وأوابد يعتبر قليلاً نسبة إلى أهمية عمريت في التاريخ وعلماً أن الفرنجة قد سطوا على حجارة أبنيتها ومنشآتها لبناء تحصيناتهم في طرطوس أثناء اجتياحهم للساحل السوري .
هذه هي عمريت (ماراتوس ) أو (عين الحية) التي وصلنا عنها الكثير من المدونات التاريخية إلى ما قبل نهاية القرن الثاني الميلادي ولكن الغموض اكتنف النهاية التي آلت إليها هذه المدينة وإن كان البعض يعتقد أن ضعف الفعالية التاريخية لأرواد التي كانت مملكة كنعانية قوية بسطت سيطرتها على اغلب أجزاء الساحل السوري آنذاك قبل أن تتهاوى ويضعف شأنها قد استتبع أفول نجم مدينة عمريت .



Social Links: