رنــدة عـوض
مر أسبوع بطوله وعرضه بعد حادثة الفانوس والحظ المنحوس، لم يلتق كراكوز صديقه الودود عيواظ فهاج الشوق بقلبه وماج وتخبط مثل الأمواج . ومن ضيق الحال قرر الذهاب إليه في الحال . فتوجه كراكوز إلى قهوة الروضة حيث اعتاد عيواظ الجلوس بعيداً عن الفوضى . دخل المقهى وألقى السلام فرد عليه أهل الطيب الكرام .
عيواظ : جيد أنك حضرت يا كراكوز، سأروي لك قصة جميلة من كتاب “صحوة الناس “ للكاتب عزيز نيسن.
كراكوز : الله عليك يا زمان عزيز ابن البغجاتي صار كاتب وحكواتي.
عيواظ : كم مرة سأقول لك أنه “موليير الأدب التركي” واسمه الحقيقي ” محمد نصرت نيسن “. وقبل أن تسألني كالمعتاد لماذا كتب باسم مستعار، فلأن حكومته هاجمته كالاستعمار ووضعته بالكركون لخروجه عن النص و لاختراق القانون.
كراكوز : هذا يعني أن حكومته بغابر الأزمان شبه حكومتنا هذه الأيام.
عيواظ : كتب التركي موليير فيما كتب قصة كالذهب بعنوان ” الشاعر المعظم عبد المنظم ” أسس هذا الشاعر المدرسة المعروفة باسم ” الشفق الآتي ” وأهم إنجازاته أنه أدخل كلمة ” البقرة ” لأول مرة إلى الشعر التركي ممهداً الطريق لقول الحقيقة في الشعر دون تكلف.
كراكوز : لم أفهم شيئاً يا صديقي
أصغي السمع جيداً يا كراكوز لقصيدته :
الراعي يسرق الناي
الكلب يلحس دبره
الإنسان يطيل النظر
يا لهذا المنظر يا لهذا المنظر
تأتي البقرة وهي تخور
ويذهب الثور وهو ينور
ويطيل الشاعر النظر
يا لهذا المنظر يا لهذا المنظر
كراكوز : لك عيواظ تشابهت الحكايات، فنحن لدنيا شاعر معظم، وهذا يعني أن المشهد الشعري الحالي تراجع خمسين عاماً للوراء، يا لهذه القفزة المرتدة خلفياً، ألم تسمع يا عيواظ بتكريم وزارة السياحة شاعرنا ” عسر محلي” ؟ يعيد لفظ الاسم بتأنٍ وروية وهو يتغزل به قائلاً: ماأغرب أن يكون اسم الشاعر كأحوال بلده .
عيواظ : أصبحت تنطق حكم كأنما حلت عليك النعم. إذا كانت أحوال البلد بالمجمل متعسرة فالموضوع لا يقف عند اسم هذا الشاب الهاوي، إلا أن عين الحسد تضيق لهكذا موهبة، فإذا كان الشاعر المعظم عبد المنظم أسس مدرسة ” الشفق الاَتي” فشاعرنا عسر محلي أسس مدرسة ” الخازوق الاَتي ” .
كراكوز : المهم بالموضوع أن عسر هضم أقصد عسر محلي أدخل كلمة (الئئو) لأول مرة إلى الشعر السوري المحكي ممهداً الطريق لقول الحقيقة والتعبير عن المشاعر بطريقة رقيقة، ولذلك استحق التكريم فنحن نقدر الفن والخبطات، وهذه والله سابقة لم تحصل في الزمانات، لا بل طفرة في جينة الشعر، إلا أن الغيورين على مسيرة الأدب من أبناء الشعب أظهروا ضيق أفق وقصر نظر، والحق يقال تنقصهم الذائقة الشعرية. إنهم أشخاص معلبون في قوالب قديمة ولا غرابة أن يحاربوا الحداثة .
وبعد هذه المقدمة الطنانة والخطبة الرنانة اتسعت أذنا عيواظ، وبدا رأسه كحمار جحا، مؤكد أنه مفعول شاعرنا المعظم.
وبدأ كراكوز بالقاء قصيدة ( الئئو ) والتي سيصنفها المحللون والنقاد فيما بعد على أنها تتساوى قيمة مع ( نونية ابن زيدون ) بلا صغرة فقصيدة ابن زيدون تذوب أسى وألماً على فراق ولادة حبيبته التي يقول فيها :
أضحى التنائي بديلاً عن تدانينا .. وناب عن طيب لقيانا تجافينا
وأما قصيدة عسر محلي فتقطع القلب والأواصل وتتلف الكبد والخواصر، فحبيبته لا تجد سكينتها إلا بأحضانه لذا تطالبه بالنوم على صدره، ومع هكذا طلب يبدع شاعرنا وينطق العجب أسمع ياصديقي و شنف أذنيك :
بتكن- بترتاح – بترتخي
يلا قلي نامي
ههههههه نامي !
بتعصب مرة تانية ، يلا قلي
شووو؟
قلي ئئو
ئئو حبيبي ئئو!
هذا ولا يمكننا إنكار أنه أول من أدخل صوت الضحكة (هههههه) إلى القصيدة، وبذلك ترك خيطاً بين الكلمة و القارئ ليعايش المشهد الحميم ويسمع ضحكة المحبوبة، فتثير القصيدة أوجاعه وآلامه وقد تتطابق مع حالة السعادة التي يعيشها أخرون وبذلك يرضي الجميع .
كراكوز : ما رأيك يا أستاذ ؟
أدار عيواظ ظهره وغادر المقهى وهو يردد شعر المتنبي لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة أعيت من يداويها ..
صدح صوت كراكوز أعد ما قلت يا عيواظ فأنا لا أفهم الألغاز …
الئئو : هدهدة الطفل وهزه بحنان كي ينام
أجب عن السؤال التالي ما عكس كلمة عسر محلي ………..
يتبع ..

Social Links: